قال الناظم ﵀:
وَبَعْدَ تَجْوِيدِكَ لِلْحُرُوفِ لاَبُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْوُقُوفِ
وَالاِبْتِدَاءِ، وَهْيَ تُقْسَمُ إِذَنْ ثَلاَثَةً: تَامٌ، وَكَافٍ، وَحَسَنْ
وَهْيَ لِمَا تَمَّ: فَإِنْ لَمْ يُوجَدِ تَعَلُّقٌ - أَوْ كَانَ مَعْنىً - فَابْتَدِي
فَالتَّامُ، فَالْكَافِي، وَلَفْظًا: فَامْنَعَنْ إِلاَّ رُؤُوسَ الآيِ جَوِّزْ، فَالْحَسَنْ
وَغَيْرُ مَا تَمَّ: قَبِيحٌ، وَلَهُ الْوَقْفُ مُضْطَرًاّ، وَيَبْدَا قَبْلَهُ
وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ وَقْفٍ يَجِبْ وَلاَ حَرَامٌ غَيْرُ مَا لَهُ سَبَبْ
أهمية علم الوقف والابتداء:
في الحقيقة أن الوقف والابتداء ليس بابًا يذكر ضمن أبواب الجزرية، ولكنه علم قائم بذاته، أُلِّفَت فيه مؤلفات مثل: "منار الهدى في الوقف والابتدا" للعلامة الأشمونيّ ﵀، وغيرِه.
وقد اهتم العلماء ﵏ بأصغر وحدة في القرآن الكريم وهي الحرف الذي تكونت منه الكلمة، وبمجموع الكلمات تتكون الجملة، التي إذا كثرت الكلمات فيها وجب على القارئ أن يقف على مكان يعطي معنىً مفيدًا، وهذا ما يسمى بـ: علم الوقف.
وإذا وقف وجب عليه أن يبتدئ من مكان يحسن الابتداء به، وهذا ما يسمى بـ: علم الابتداء، وهو لا يقل شأنًا عن علم الوقفِ.
[ ٨٣ ]
وقد حاول أعداء الإسلام أن يستبدلوا حرفًا بحرف وكلمة بكلمة، ففشلوا في ذلك، وأرادوا أن يدخلوا من جانب آخر للتحريف في كتاب الله تعالى وهو علم الوقف والاِبتداء حتى يغيروا المعنى بسبب الوقف، إلا أن الله ﷾ قيض لهذا العلم من يقوم على أمره، فلن يستطيع أحدٌ من أعداء الإسلام أن يمسه طرفة عين، وقد صدق الله تعالى حيث قال: " إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُو لَحَفِظُونَ"
[الحجر ٩] .
تعريف الوقف:
الوقف لغة: الكف أو الحبس.
اصطلاحا: قطع الصوت على حرف قرآنيٍّ بنية استئناف القراءة مرة أخرى بزمن عادة يُتنفَّس فيه.
ويجوز الوقف في أواخر الآيات وفي أوساطها.
الفرق بين الوقف والقطع والسكت:
هناك فرق بين الوقف والقطع والسكت، فالوقف هو كما ذكرنا.
أما القطع: فهو قطع الصوت على حرفٍ قرآني بنية التوقف عن القراءة.
ويشترط الوقف فيه على أواخر الآيات.
وأما السكت فهو: قطع الصوت على حرفٍ قرآني بنية استئناف القراءة مرة أخرى بزمن عادة لا يُتنفس فيه.
وَالسَّكْتُ كَالْوَقْفِ لِكُلٍّ قَدْ نُقِلْ حَتْمًا وَإِنْ تَرُمْ فَمِثْلَ مَا تَصِلْ
والسكت يأخذ حكم الوقف، فمثلًا إذا سكتنا على حرف مقلقل مثل: "
قَدْ أَفْلَحَ"
نسكت بالقلقة، وذلك من روايات أخرى كحفص من طريق الطيبة وخلف عن حمزة.
[ ٨٤ ]
سكتات الإمام حفص ﵀:
وهناك أربع سكتات لحفصٍ في القرآن الكريم وهي:
(١) قوله تعالى: " كَلاَّ بَلْ س رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم"
[المطففين ١٤] .
(٢) قوله تعالى: " وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ"
[القيامة ٢٧] .
(٣) قوله تعالى: " وَلَمْ يَجْعَل لَّهُو عِوَجاَ س قَيِّمًا"
[الكهف ٢، ١] .
(٤) قوله تعالى: " قَالُوا يَوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا"
[يس ٥٢] .
واختُلف في قوله تعالى: " مَآ أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ"
[الحاقة ٢٨]، فقال بعضهم بالسكت، وقال بعضهم بالإدراج.
فمن قال بالسكت وجب عليه إظهار الهاء، ومن قال بالإدراج - وهو عدم السكت- أدغم الهاءين في بعضهما.
أقسام الوقف:
والوقف ينقسم إلى ثلاثة أقسام هي:
أ- اضطراري.
ب- اختباري.
ج- انتظاري.
د- اختياري.
أ- الوقف الاضطراري: وهو ما وقفتَ عليه لضرورةٍ، كقطع نفس أو عطاس أو نِسْيان أو غيره.
ب- الوقف الاختباري: ويكون إذا ما طلب منك شيخك الوقفَ على كلمة معينة لاختبار أو غيره.
ج- الوقف الانتظاري: وهو الوقف على موضع ما في مقطع القراءة لحين الرجوع إليه مرة أخرى، وهذا يستخدم في جمع القراءات ولا يشترط له المعنى، إلا المعاني الضَّروريَّة.
[ ٨٥ ]
د- الوقف الاختياري: وهو ما وقفت عليه باختيارك، وهذا النوع من الوقف ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
١/ التام.
٢/ الكافي.
٣/ الحسن.
أقسام الوقف الاختياري:
١/ الوقف التام: وهو ما تم في نفسه، وليس له تعلق بما بعده، لا لفظًا (إعرابًا) ولا معنىً.
مثال: الوقف على أواخر السور القرآنية، وكالوقف على نهايات القصص القرآنية، وكالوقف على نهاية الكلام عن المؤمنين، وبعده يبدأ في الكلام على الكافرين.
ما يلزم الوقف: وإذا وقفنا على الوقف التام نبتدئ بما بعده مباشرة.
٢/ الوقف الكافي: وهو ما تم في نفسه وتعلق بما بعده في المعنى.
مثال: " وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ وَبِالَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ".
فالوقف على كلمة " مُّصْبِحِينَ"
وقف كافٍ، وعلى كلمة " وَبِالَّيْلِ"
وقف تام.
ما يلزم الوقف: إذا وقفنا على الوقف الكافي نبتدئ بما بعده مباشرة.
٣/ الوقف الحسن: وهو ما تعلق بما بعده لفظًا ومعنى.
مثالٌ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ"
، فالوقف على كلمة " لِلَّهِ " وقف حسن.
ما يلزم الوقف: لا تبتدئْ بما بعده مباشرة وابدأ قبله، إلا إذا كان الوقف الحسن رأس آية ففي هذه الحالة قف على رأس الآية لأن الوقف على رأس الآية سُنَّة، ثم ابتدئ بما بعدها.
مثال آخر: "
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ":
[ ٨٦ ]
فالوقف على كلمة " الْعَلَمِينَ"
حسن، ونبتدئ بكلمة " الرَّحْمَنِ"، والوقف على كلمة " الرَّحِيمِ" حسن، ونبتدئ بكلمة " ملك"، لأنها رؤوس آي.
الوقف القبيح:
تعريفه: هو الوقف على ما تعلق بما بعده لفظا ومعنىً، وإذا وقفت عليه أعطى معنىً قبيحًا.
مثالٌ: " لآ إِلَهَ إِلآ أَنتَ"
، فالوقف على كلمة " إِلَهَ "
وقف قبيح.
- " لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلَوةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى"
، فالوقف على " الصَّلَوةَ"
وقف قبيح.
والخلاصة أنه ليس هناك وقف واجب في القرآن، ولا وقف حرام إلا أن يتعمد القارئ الوقف على مكان يعطي معنىً قبيحًا، فهذا حرامٌ، وإذا وقف مضطرًا في أيّ مكان ابتدأ بما قبله.
وأما الابتداء: فلا يكون إلا اختياريًا لأنه ليس كالوقف تدعو إليه ضرورة فلا يجوز إلا بمستقل في المعنى، موف بالمقصود.
والابتداء في أقسامه كأقسام الوقف الأربعة، ويتفاوت تمامًا وكفاية وحسنًا وقبحًا بحسب التمام وعدمه وفساد المعنى.
وقد يكون الوقف حسنًا والابتداء به قبيحًا نحو: " يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ"
، فالوقف على: " وَإِيَّاكُمْ"
حسن؛ لتمام الكلام، والابتداء بها قبيح؛ لفساد المعنى، إذ يصير تحذيرًا من الإيمان بالله تعالى.
وقد يكون الوقف قبيحًا والابتداء جيدًا نحو: " مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا"
، فإن الوقف على " هَذَا"
قبيح لفصله بين المبتدأ وخبره ولأنه يوهم أن الإشارة إلى " مرقدنا".
[ ٨٧ ]
وقد نظم الإمام ابن الجزري أبياتِ الوقف والابتداء في منظومته: "طيّبة النشر" بعبارة أوضح، فأحببت ذكرها للفائدة، قال:
وَبَعْدَ مَا تُحْسِنُ أَنْ تُجَوِّدَا لاَ بُدَّ أَنْ تَعْرِفَ وَقْفًا وَابْتِدَا
فَاللَّفْظُ إِنْ تَمَّ وَلاَ تَعَلُّقَا تَامٌ، وَكَافٍ إِنْ بِمَعْنىً عُلِّقَا
قِفْ وَابْتَدِئْ، وَإِنْ بِلَفْظٍ فَحَسَنْ فَقِفْ وَلاَ تَبْدَأْ سِوَى الآيِ يُسَنّ
وَغَيْرُ مَا تَمَّ قَبِيحٌ وَلَهُ يُوقَفُ مُضْطَرًّا وَيُبْدَا قَبْلَهُ
وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ وَقْفٍ يَجِبْ وَلاَ حَرَامٌٍ غَيْرُِ مَا لَهُ سَبَبْ
[ ٨٨ ]