هذا الحديث يدور على التابعي الجليل عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة بحسب ما أشار إليه الترمذي رحمه الله تعالى، وبحسب ما اطلعت عليه من طرقه، وقد اختلف عليه فيه فرواه الليث بن سعد، وهو من الأئمة الأثبات (١) عنه عن يعلى بن مملك (٢)، عن أم سلمة، ورواه ابن جريج عنه عن أم
_________________
(١) الليث بن سعد أبو الحارث مولى بني فهم ثبت ثقة من الأئمة من نظراء الإمام مالك كثير الحديث فقيه من أغنياء العلماء كثير الصدقات (ت: ١٧٥هـ) (الكاشف (١/ترجمة) (٤٦٩١) وتهذيب التهذيب (٨/ ٤٥٩).
(٢) مملك على وزن جعفر: تقريب التهذيب (٢/ ٣٧٩) وسترد ترجمة يعلى قريبًا.
[ ٥٨ ]
سلمة ﵂ عن النبي فلم يذكر يعلى بن مملك ووصله بذكر أم سلمة، واختلف عليه في إسناده وألفاظه، وقد أعل الترمذي رواية ابن جريج برواية الليث بن سعد وقال: (إنها أصح) كما تقدم. ويضاف إلى العلة التي ذكرها الإمام الترمذي علل منها: أن ابن جريج مدلس ولم يصرح بالسماع، وقد وصفه جماعة بالتدليس (١)، وممن وصفه بالتدليس الإمام أحمد رحمه الله تعالى وقال: (إذا قال ابن جريج (قال) فاحذره، وإذا قال (سمعت) أو (سألت) جاء بشيء ليس في النفس منه شيء (٢).
ومنها: إن اختلف عليه في إسناد الحديث فرواه في أكثر الروايات كما ذكر الترمذي عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة، بإسقاط الواسطة بين ابن أبي مليكة وأم سلمة فلم يذكر يعلى بن مملك، ورواه مرة أخرى، فزاد فيه ذكر يعلى بن مملك، ولفظ هذه الرواية عن ابن أبي مليكة أن يعلى بن مملك أخبره.
_________________
(١) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح الأموي مولاهم المكي الفقيه أحد الأعلام ثقة جليل كان يدلس ويرسل (ت: ١٥١هـ) روى له الجماعة تهذيب الكمال (١٥/ ٣٣٨ - ٣٥٢) وتاريخ بغداد (١٠/ ٤٠٠ - ٤٠٧) والجرح والتعديل (٥) ترجمة (١٦٨٧) وتقريب التهذيب (١/ ٥٢٠).
(٢) تهذيب الكمال (١٠/ ٣٤٨).
[ ٥٩ ]
«أنه سأل أم سلمة عن صلاة رسول الله - ﷺ - فقالت: كان يصلي العتمة ثم يسبح ثم يصلي بعدها ما شاء الله من الليل، ثم ينصرف فيرقد مثل ما صلى، ثم يستيقظ من نومه ذلك فيصلي مثل ما نام وصلاته تلك الآخرة تكون إلى الصبح» (١).
ولا يقال إنها رواية أخرى لأن بين الروايتين توافق واضح في الإسناد وفي المتن وليست فيما يظهر اختصارًا لبعض الحديث فقط فإن فيها سؤال يعلى، وهو مقل من الرواية جدًا لأم سلمة ﵂.
وأما يعلى بن مملك فهو: حجازي يروي عن أم الدرداء وأم سلمة ﵂ ويروي عنه ابن أبي مليكة (٢)، وقال فيه النسائي (ليس بذلك المشهور) أ. هـ (٣)، وذكره ابن حبان في الثقات، ولم أجد فيه توثيقًا عند غيره (٤)، وفي ميزان
_________________
(١) مصنف عبد الرزاق (٣/ ٤٧٠٩) والمسند لأحمد (٦/ ٢٩٧) ومسند إسحاق بن راهوية (٤/ ١٥٧) وسنن النسائي (٣/ ٢٣٦) (١٦٢٧) في كتاب قيام الليل، باب ما ذكر من صلاة رسول الله - ﷺ - بالليل).
(٢) تهذيب الكمال (٣٢/ ٤٠٢) (٧١٢١).
(٣) السنن الكبرى (١/ ٤٣٢) (١٣٧٥).
(٤) ثقات ابن حبان (٧/ ٦٥٢) وتهذيب الكمال الموضع السابق وتهذيب (١١/ ٤٠٥).
[ ٦٠ ]
الاعتدال: (ما حدث عنه سوى ابن أبي مليكة) وفي التقريب: (مقبول) (١).
فلم يثبت فيه أكثر من رواية ابن أبي مليكة عنه ففيه جهالة، وأحسن مراتبه أن يكون مقبولًا إذا توبع، ولهذا وصفه بذلك الحافظ ابن حجر في التقريب، ورواه ابن جريج مرة عن أبيه عن ابن أبي مليكة ومرة عن ابن أبي مليكة من غير واسطة (٢) فهذا الاختلاف على ابن جريج في إسناد الحديث. وأما والد ابن جريج وشيخه في هذه الطريق فهو عبد العزيز بن جريج
_________________
(١) تقريب التهذيب (٢/ ٣٧٩).
(٢) النسائي (٣/ ٢٣٦) (١٦٢٧) في كتاب قيام الليل باب ما ذكر من صلاة رسول الله - ﷺ - بالليل من طريق حجاج عن أبيه، عن ابن أبي مليكة وكذا رواه المزي (تهذيب الكمال ١٨/ ١١٩) من طرق عن حجاج به ورواه الطبراني (٢٣/ ٤٠٧) من طريق حجاج بن عمران السدوسي عن أبي سلمة بن خلف الجوباري عن أبي عاصم عن ابن جريج عن أبيه. تنبيه: لم يذكر المزي في الأطراف (١٣/ ٣٦) ح (١٨٢٢٦) رواية ابن جريج عن أبيه التي ذكرتها قبل عند النسائي ونبه في الهامش عليها لكن لم يتنبه المحقق لذلك وقال: (لم نجد لها أصلا) أ. هـ. وليس كذلك بل هي ثابتة في سنن النسائي (٣/ ٢٣٦) (١٦٢٧) وقد ذكرها المزي في تهذيب الكمال ورمز بـ (س) يعني النسائي عن ترجمة والد عبد الملك ابن جريج: وهو عبد العزيز: (تهذيب الكمال (١٨/ ١١٨).
[ ٦١ ]
القرشي المكي فيه ضعف، فقد قال البخاري فيه: (لا يتابع في حديثه) (١) وذكره ابن حبان في الثقات (٢)، وفي التقريب: (لين الحديث) (٣).
وقد اختلفت ألفاظ الحديث وقد مضى بعضها، ففي رواية عن ابن جريج أن النبي - ﷺ -: (كان يقطع قراءته آية آية) وفي رواية كان يصلي في بيتها فيقرأ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إلخ﴾ (٤) وفي لفظ: (كان يقطع قراءته الحمد لله رب العالمين) ثم يقف ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم يقف .. (٥) وفي لفظ (فقطعها وعدها آية آية وعدَّها عد الأعراب، وعد بسم الله الرحمن الرحيم آية ولم يعد (عليهم) (٦)، وهذا اللفظ الأخير من رواية عمر بن هارون (٧)، عن ابن جريج وهي طريق ضعيفة
_________________
(١) التاريخ الكبير (٦/ ١٥٦٤).
(٢) الثقات (٧/ ١١٤) وقد ضعفه العقيلي ينظر تهذيب الكمال (١٨/ ١١٨).
(٣) تقريب التهذيب (٤٠٨٧).
(٤) شرح معاني الآثار (١/ ١٩٩) وينظر نصب الراية (١/ ٣٥١).
(٥) تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي (٤/ ٥٧).
(٦) سنن الدارقطني (١/ ٣٠٧) (٢١) ومعرفة السنن (٢/ ٣٦٣).
(٧) عمر بن هارون بن يزيد الثقفي مولاهم البلخي روى له الترمذي وابن ماجة وهو متروك (ت: ١٩٤هـ) (تقريب التهذيب (ترجمة ٤٩٧٩ (٤٨٦).
[ ٦٢ ]
لضعف عمر بن هارون، ولذا ضعفها الإمام البيهقي (١)، وابن الجوزي (٢)، والذهبي (٣)، والزيلعي (٤)، وابن التركماني (٥)، وفي بعض روايات الحديث عن ابن جريج:
(فوصفت قراءة بطيئة) (٦)، وأما في رواية الليث بن سعد: (فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفًا حرفًا) وقد تقدمت فهذه علل أخرى تضاف إلى مخالفه لرواية الليث بن سعد فرواية الليث بن سعد أرجح كما قال الترمذي للاختلاف على ابن جريج، ولأن الليث إمام ثقة ولم يختلف عليه وقد زاد رجلًا في الإسناد وهو يعلى بن مملك، وذلك دال على أن ابن أبي مليكة لم يسمع الحديث من أم سلمة، وتجويز صاحب تحفة الأحوذي لكون ابن أبي مليكة سمعه أولًا من يعلى ثم سمعه
_________________
(١) السنن الكبرى (٢/ ٤٤، ٥٣).
(٢) التحقيق في أحاديث الخلاف لابن الجوزي (١/ ٣٤٨) وتنقيح التحقيق لابن عبد الهادي (٢/ ٨٠٨).
(٣) تلخيص المستدرك (١/ ٢٣٢) وقال: أعني الذهبي في عمر بن هارون (أجمعوا على ضعفه).
(٤) نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية للزيلعي (١/ ٣٥٠).
(٥) الجوهر النقي حاشية سنن البيهقي (٢/ ٤٤).
(٦) المسند (١/ ٣٢٣) من طريق عفان عن همام ثننا ابن جريج به، وينظر إلى نصب الراية (١/ ٣٥٠) والدراية للحافظ ابن حجر (١/ ١٣٤).
[ ٦٣ ]
من أم سلمة بلا واسطة ضعيف في هذا الموطن لا يلتفت إليه أرباب العلل.
والاختلاف على ابن جريج في لفظه كبير فهذا اضطراب تضعف به رواية ابن جريج والمقصود أن في بعض طرق الحديث ما يدل على أن ابن جريج قد دلسه ولم يسمعه من شيخه ابن أبي مليكة كما أن فيها مخالفة في كثير من الألفاظ.
طريق أخرى للحديث:
روى الإمام أحمد (١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢)، والداني (٣) بسند صحيح من طريق نافع بن عمر الجمحي وهو ثقة (٤)، عن ابن
_________________
(١) المسند (٦/ ٢٨٦، ٢٨٨).
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٤٠٣).
(٣) شرح القصيدة الخاقانية للداني (٢/ ٩٦) رسالة ماجستير بجامعة أم القرى تحـ غازي بنيدر العمري إشراف د. محمد ولد سيدي حبيب ١٤١٩هـ.
(٤) نافع بن عمر بن عبد الله الجمحي المكي روى عن ابن أبي مليكة وعمر بن دينار وغيرهم وروى عنه وكيع ويحيى القطان وأبو نعيم وغيرهم قال: عبد الرحمن بن مهدي ك ان من أثبت الناس ووثقه غيره وروى له الجماعة (ت: ١٦٩هـ) (ثقات ابن حبان (٧/ ٥٣٣) والجرح والتعديل (٨) الترجمة (٢٠٨٨) وتهذيب الكمال (٢٩/ ٢٨٧، ٢٨٩).
[ ٦٤ ]
أبي مليكة عن بعض أزواج النبي - ﷺ -:
(أنها سئلت عن قراءة النبي - ﷺ - فقالت إنكم لا تستطيعونها قال قيل لها أخبرينا بها قال: فقرأت قراءة ترسلت فيها قال نافع وحكى لنا ابن أبي مليكة الحمد لله ثم قطع الرحمن الرحيم ثم قطع مالك يوم الدين) أ. هـ (١).
ووقفه هنا على:
(الحمد لله) هكذا هو في بعض الروايات عن نافع؟ وليس الموقوف عليه رأس آية، فإذا صح عارض الرواية التي استدل بها على الوقف على رؤوس الآي ودل على أنها رويت بالمعنى.
وفي لفظ قالت:
(الحمد لله رب العالمين تعني (الترسيل) (٢).أ. هـ (٣) والترسُّل والترسيل في القراءة معناه التحقيق بلا عجلة، يقال ترسل في قراءته إذا اتأد فيها وتمهل (٤) وفي رواية عن نافع قال:
_________________
(١) المسند (٦/ ٢٨٨).
(٢) في المسند (الترتيل) هكذا؟ وفي أطراف المسند (الترسيل) وفي التمهيد لأبي علاء الهمذاني من هذا الطريق: (الترسل) وكأن ما في أطراف المسند أصح لموافقته الروايات الأخرى هذا مع كونه نسخة الحافظ ابن حجر.
(٣) المسند (٦/ ٢٨٦) وأطراف المسند للحافظ ابن حجر (٨) رقم (١١٣٣٧).
(٤) ينظر القاموس المحيط ولسان العرب: مادة (رسل) والتعاريف للمناوي (١/ ١٧١).
[ ٦٥ ]
(أظنها حفصة ﵂) (١) وفي رواية عن ابن أبي مليكة: (لا أعلمها إلا حفصة) (٢) والجهالة بالصحابي لا تضر لكن رواية الليث بزيادة يعلى بن مملك، تدل على أن ابن أبي مليكة لم يسمعه من أم سلمة، والليث لم يشك أن الحديث عن أم سلمة فهذا يدل على أنه حفظ. وقد يكون الاختلاف من ابن أبي مليكة وقد وجدت لرواية الليث بن سعد عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مملك متابعًا لكنه ضعيف لا ينهض، فقد روى الحافظ أبو العلاء الحسن بن أحمد المهمذاني العطار (ت: ٥٦٩هـ) من طريق عمر بن قيس الملقب بسند المكي عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مملك، قال: كتبت إلى أم المؤمنين عائشة ﵂، فقلت: كيف كان رسول الله - ﷺ - يقرأ؟ قال: (كذا ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] يبينه اسمًا اسمًا وحرفًا حرفًا، حتى يفرغ).أ. هـ (٣).
لكن سندل على أنه ضعيف بل متروك، تركه النسائي
_________________
(١) المسند (٦/ ٢٨٨) وأطراف المسند للحافظ ابن حجر (٨/ ١١٣٣٧).
(٢) المسند (٦/ ٢٨٨).
(٣) التمهيد في معرفة التجويد للهمذاني أبي العلاء (١٧٧) (٣١٦/ ٣١٧) رواه من طريق محمد بن يحيى ابن أخي حزم ومن طريق سليم بن منصور بن عمار عن محمد بن بكر البرساني عن سندل به.
[ ٦٦ ]
وغيره، وقال ابن عدي: (عامة ما يرويه لا يتابع عليه) وقال أيضًا (ضعيف بالإجماع) (١).
وأما رواية أبي صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث، للحديث عن الليث عن ابن لهيعة عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مملك عن أم سلمة ﵂ عند الطبراني (٣٢/ ٢٩٢) فزيادته لابن لهيعة بين الليث وبين ابن أبي مليكة لا تعلل رواية الأئمة الحفاظ عن الليث عن ابن أبي مليكة بلا واسطة وممن رواه عبد الله بن المبارك وصرح فيه بتحديث ابن أبي مليكة للإمام الليث بن سعد (٢)، وقتيبة عند الترمذي والنسائي ويزيد بن خالد بن موهب عند أبي داود، كلهم إثبات ثقات وقد خالفوا عبد الله بن صالح كاتب الليث فهي من أوهامه فإن فيه ضعفًا (٣).
_________________
(١) الكامل لابن عدي (٦/ ١٢) وتهذيب الكمال (٢١/ ٤٨٧ - ٤٩١) وفي التقريب متروك (٤٩٥٩).
(٢) الزهد لابن المبارك (٤٢١) ومن طريق أبي العلاء الهمذاني: التمهيد له (١٨١).
(٣) ترجمته طويلة في كتب الجرح والتعديل وقد ضعفه جماعة من الحفاظ وقوَّى أمره آخرون وأنكروا عليه أحاديث، فممن ضعفه الإمام أحمد وأحمد بن صالح المصري، وصالح جزره والنسائي وابن حبان وضرب علي ابن المديني على حديثه، وحسن أبو زرعة حديثه ووثقه ابن معين. وفي المغني للذهبي: (صالح الحديث له مناكير) أ. هـ وفي التقريب: (صدوق كثير الغلط ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة) أ. هـ ينظر: الجرح والتعديل (٥) ترجمة (٣٩٨) وتهذيب الكمال (١٥/ ١٠٨) والمغني (١) ترجمة (٢٣١٨) وتهذيب التهذيب (٥/ ٢٥٦) وتقريب التهذيب ص (٣٦٥) ترجمة (٣٣٨٨).
[ ٦٧ ]
وقد وهم الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى هنا على الترمذي، فحكى عنه خلاف ما في السنن حين أراد الرد على الطحاوي، وذلك أنه قال: (وأعل الطحاوي الخبر بالانقطاع فقال: لم يسمعه ابن أبي مليكة من أم سلمة واستدل على ذلك برواية الليث عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مملك عن أم سلمة أنه سألها عن قراءة رسول الله: فنعتت له قراءة مفسرة حرفًا حرفًا، وهذا الذي أعلَه به ليس بعلة فقد رواه الترمذي من طريق ابن أبي مليكة عن أم سلمة بلا واسطة وصححه ورجحه على الإسناد الذي فيه يعلى بن مملك).أ. هـ (١) بحروفه.
فهذا الذي حكاه عن الإمام الترمذي خلاف ما في سننه وإنما رجح الترمذي رواية الليث التي فيها يعلى بن مملك في
_________________
(١) تلخيص الحبير (١/ ٢٣٣).
[ ٦٨ ]
موضعين من سننه كما تقدم وهو الذي نقله عنه غير واحد من العلماء (١) وكذلك هو في تحفة الأشراف للمزي نقلًا عن الترمذي (٢)، وأما الطحاوي فقد أشار إلى تعليل الحديث برواية الليث بن سعد لأنه زاد فيه رجلًا بين ابن أبي مليكة وبين أم سلمة (٣)، كما صنع الترمذي، فاتفق مع الترمذي ولم يختلف معه.
خلاصة القول الذي يظهر لي في هذا الحديث أنه حسن وأحسن طرقه طريق الليث وليست صحيحة لأن يعلى بن مملك مستور ولم يحدث عنه إلا ابن أبي مليكة وقد تفرد بالحديث وطريق ابن جريج ضعيفة لاضطراب ابن جريج فيها ولتدليسه ومخالفته للإمام الليث بن سعد، والإشكال في جميع الروايات الاختلاف في ألفاظ الحديث، وهذا ما جعل الإمام الطحاوي يضعف الرواية بذلك فإنه قال: (قد اختلف
_________________
(١) وقد نقله عنه على الصواب المناوي: فيض القدير شرح الجامع الصغير (٥/ ٢٣٨) والشركاني: نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار (٥/ ٢٣٨) والشركاني: نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار (١/ ٢٠٦).
(٢) تحفة الأشراف بمعرفة أطراف الكتب الستة للحافظ المزي (١٣) (٨١٨٣).
(٣) شرح مشكل الآثار (١٤/ ٩) (٥٤٠٨).
[ ٦٩ ]
الذين رووه في لفظه) (١).
فإن قيل قد صحح الإمام الدارقطني طريق ابن جريج وقال: (كلهم ثقات (٢) وصححها أيضًا الإمام الذهبي في مختصر الجهر بالبسملة (٣)، وصححها النووي (٤)، فالجواب: من صححها لم يذكر عند التصحيح الطريق الأخرى للرواية فصححها بظاهر سندها، ولكن من أعلها كالترمذي ذكر الطريقين وبين وجه الترجيح بينهما، ولذا ليس في كلام كل من الدارقطني والذهبي، والنووي إشارة إلى طريق الليث ومخالفته لابن جريج ولولا ذلك ما نزل الحديث عن رتبة الصحيح فتبين بهذا أن هذه الطريق المشتملة على اللفظ الذي استدل به معلولة بطريق الليث كما ذكر الترمذي كما تقدم. فالحديث حسن من طريق الليث وضعيف من طريق ابن جريج، وطريق نافع الجمحي أحسن من طريق ابن جريج
_________________
(١) شرح معنى الآثار (١/ ١٩٩) ونصب الراية (١/ ٣٥٠).
(٢) سنن الدارقطني (١/ ٣١٣) والمسند (٦/ ٣٠٢).
(٣) مختصر الجهر بالبسملة (٣٥) (١٧٨) مطبوع ضمن ست رسائل للإمام الذهبي.
(٤) المجموع في شرح المهذب للنووي (٣/ ٣٣٣، ٣٤٦).
[ ٧٠ ]
لكن خالفه الليث وهو إمام فزاد في الإسناد رجلا ولم يشك أنه عن أم سلمة. وقال ابن الجزري ﵀: (هو حديث حسن وسنده صحيح) (١) فلم يقل هو حديث صحيح مع احتفاله بمسألة الوقف على رؤوس الآي (٢).