لما كان علم الوقف ومعرفته مبنيًا على معرفة معاني الآيات وتفسيرها، اختلف العلماء في تقسيماتهم للوقف حسب اختلافهم في تحقيق المعاني، وكل ما ذكروه من أقسام لا يخرج بعضه عن بعض، وهو راجع إلى أربعة أقسام هي التي ذكرها أبو عمرو الداني وابن الجزري:
تام، وكاف، وحسن، وقبيح.
وبتتبعي واستقرائي لكلام العلماء في هذه الأنواع، والأمثلة التي ذكروها وجدت أنهم ينظرون إلى العبارة التي قبل موضع الوقف، والعبارة التي بعده، فيبحثون عن ثلاثة روابط أو عن أحدها، وبحسب
[ ١٠٧ ]
وجود شيء منها أو وجودها كلها يكون تحديد نوع الوقف وحكمه:
١ الروابط اللفظية.
٢ المعنى الخاص بكل عبارة.
٣ السياق العام، الموضوع.
فإذا لم يوجد أي رابط لفظي بين العبارتين وكان المعنى الخاص بكل عبارة كاملًا بنفسه ولا يحتاج إلى العبارة الأخرى ليكمل ويصير معنى مفيدًا، وكانت العبارة الثانية بداية موضوع وسياق جديد فهذا هو: التام.
أما إن كان السياق لا يزال واحدًا فهذا هو: الكافي.
وإن وجد بين العبارتين رابط لفظي، ورابط في المعنى والسياق العام إلا أن العبارة الأولى بنفسها تشكل معنى مفيدًا فهذا هو الحسن.
فإن كان كل من العبارتين محتاجًا إلى الآخر بحيث لا يكون بنفسه معنى مفيدًا إلا بالعبارة الأخرى فالوقف حينئذ بينهما قبيح.
وإليك بيان ذلك بالتفصيل:
١ التام: هو ما لا يتعلق ما قبله بما بعده لا في اللفظ ولا في المعنى. فالعبارة الأولى تامة من جميع الوجوه ومستقلة عن العبارة الأخرى.
مثاله: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
[ ١٠٨ ]
فالوقف على المفلحون تام، لأنه نهاية الكلام عن المؤمنين وما بعده كلام جديد عن موضوع آخر هو الكفار وحالهم مع الرسول والرسالة، ولا يوجد أي رابط لفظي ولا معنوي بين العبارتين بدليل ابتداء العبارة الثانية بإِنَّ.
ومثله في الفاتحة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فالوقف على الدين وعلى نستعين كلاهما وقف تام.
٢ الكافي: هو ما لا يتعلق ما قبله بما بعده في اللفظ وكل منهما جملة مفيدة بنفسه وإن كان هناك تعلق في المعنى العام وسياق الموضوع.
مثاله:
﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ .
فالوقف على أذلة كاف لأنه وإن كان لا يوجد رابط لفظي بين الجملتين وكل منهما مفيد بنفسه إلا أن سياق الموضوع مترابط، فالعبارة الأولى كلام بلقيس وينتهي عند موضع الوقف، والعبارة الثانية كلام من الله تصديقًا لها، وكثير من العلماء يجعل هذا وقفًا تامًا باعتبار أن كلام بلقيس يتم عنده وما بعده كلام آخر، لكن بالتأمل يتبين أنه من الكافي لوجود ترابط بين العبارتين في سياق
[ ١٠٩ ]
الموضوع، ذكر ذلك الملا علي القاري في شرحه على المقدمة الجزرية١.
ومثله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ فالوقف على ﴿مَرَضًا﴾ كاف إذ لا يوجد ترابط بين العبارتين في اللفظ على اعتبار الواو استئنافية، إلا أن سياق الموضوع واحد وهو الكلام عن المنافقين وحالهم وما أعد الله لهم من العذاب الأليم.
٣ الحسن: ما اتصل ما قبله بما بعده في اللفظ وفي سياق الموضوع، ولكن الجملة الأولى مفيدة بنفسها، والجملة الثانية غير مفيدة بنفسها ولا تتم إلا بالجملة الأولى لوجود الرابط اللفظي.
مثاله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فالوقف على ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ حسن لأنها جملة مفيدة، إلا أن الابتداء بما بعد الوقف لا يحسن لأنه لا يتم إلا بالجملة الأولى، لوجود الرابط اللفظي وهو كون ﴿رَبِّ﴾ صفة والموصوف ﴿الله﴾ فلا يمكن الفصل بين الصفة والموصوف، لذلك فإن القارئ إذا أراد الابتداء يعيد الجملة الأولى.
ومثله: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ فالوقف على ﴿الرَّسُولَ﴾ حسن لأنها جملة مفيدة، ولكن الابتداء بما بعده لا يحسن بل هو من الابتداء القبيح لأنه يفسد المعنى.
[ ١١٠ ]
٤ القبيح: هو ما تعلق ما قبله بما بعده في اللفظ والمعنى واشتد تعلقه بحيث أن كلًا من الجملتين لا تشكل بنفسها جملة مفيدة. وهو يتفاوت، وأشده قبحًا ما أحدث خللًا في المعنى وأوهم معنى فاسدًا.
وكما يكون القبح في الوقف يكون في الابتداء:
مثاله: في الوقف ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي﴾ ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ .
﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى﴾ .
﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِل﴾ .
﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ﴾ .
ومثاله في الابتداء ﴿ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ﴿ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ .
﴿..الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ ﴿..عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ ﴿..إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ .
فكل هذا ونحوه جلي القبح؛ لأنه يحيل المعنى ويفسده، ويوهم معنى آخر غير مراد، فيجب الاحتراس منه فإن تعمده القارئ أثم، وربما أفضى به مثل هذا إلى الكفر.
ومن الوقوف القبيحة أيضًا، كل وقف يفصل بين جزأي المعنى، وبين المترابطين لفظيًا، كالفصل بين إن واسمها وخبرها، وبين الحال وصاحبها، والموصول وصلته، والجار والمجرور ومتعلقهما، والفعل وفاعله ومفعوله.
[ ١١١ ]
وكما يكون الوقف والابتداء قبيحين في بعض المواضع، يكون الوصل أحيانًا قبيحًا، فيلزم الوقف حينئذ، وذلك إذا كان الوصل يؤدي إلى خلل في المعنى أو إيهام.
مثاله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ..﴾ فالوقف على ﴿عَنْهُمْ﴾ لازم، لأنك لو وصلت احتمل تعلق الظرف وهو ﴿يَوْمَ﴾ بفعل الأمر ﴿فَتَوَلَّ﴾ فيفسد المعنى.
ومثله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ. وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ﴾ فالوقف على ﴿يَسْمَعُونَ﴾ لازم، لأنك لو وصلت اشترك الموتى مع الذين يسمعون في صفة الاستجابة، أواحتمل هذا المعنى الفاسد في أذن السامع، فلأجل إيضاح المعاني والفصل بين المتغاير منها، ينبغي بل يلزم الوقف في مثل هذه المواضع.
تنبيه: قد يختلف نوع الوقف وحكمه باختلاف أوجه التفسير والقراءة، والإعراب.
مثاله: في اختلاف أوجه التفسير: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ..﴾ .
فالوقف على قوله: ﴿إِلاَّ اللَّهُ﴾ كاف، على تفسير من قال: إن علم المتشابه لله وحده وأن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله بل يؤمنون به وبكل ما جاء من عند الله، وهذا الوجه من التفسير مروي عن ابن عباس وابن مسعود وعائشة، وهو قول أبي حنيفة وأكثر أهل الحديث وبه
[ ١١٢ ]
أخذ من القراء نافع والكسائي ويعقوب، قال عروة بن مسعود: الراسخون في العلم لا يعلمون التأويل ولكن يقولون آمنا به.
وهو وقف غير كاف على تفسير من قال: إن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه، فالراسخون على هذا معطوف على لفظ الجلالة، وهذا القول مروي عن ابن عباس أيضًا، وممن قال به مجاهد والقاسم بن محمد وغيرهما.
ومثاله: في اختلاف أوجه القراءات ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا، وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ .
فالوقف على قوله: ﴿وَأَمْنًا﴾ كاف على قراءة الكسر ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ لأن العبارة الثانية حينئذ تصير كلامًا مستأنفًا؛ ويكون الوقف غير كاف على قراءة الفتح ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ إذ تصير العبارة الثانية حينئذ معطوفة على ما قبلها.
ومثاله: في اختلاف أوجه الإعراب: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ فالوقف على ﴿الم﴾ تام على تقدير المبتدأ أو الخبر، أي: هذا الم، أو الم هذا. فيكون ما بعده كلامًا مستأنفًا، ويكون الوقف غير تام إذا أعربنا الجملة بعد ﴿الم﴾ في محل رفع خبر له.
وهناك أوجه أخرى كثيرة في الإعراب ليس هذا محل ذكرها، وإنما المراد التمثيل لتنوع الوقف بتنوع وجه الإعراب واختلافه باختلافه.
[ ١١٣ ]