الباب الرابع
الوقف والابتداء
[ ١٠٣ ]
الوقف:
الوقف في اللغة الحبس والكف، ووقف الشيء حبسه، وفي الاصطلاح هو: قطع الصوت عن الكلمة زمنًا يتنفس فيه عادة بنية استئناف القراءة إما بما يلي الحرف الموقوف عليه أو بما قبله.
وهناك فرق بين: السكت، والوقف، والقطع:
فالسكت: هو قطع الصوت زمنًا دون زمن الوقف من غير تنفس. ومقدار هذا الزمن عند حفص مقدار قليل لطيف كما قال الشاطبي ﵀:
وسكتة حفص دون قطع لطيفة
أما القطع: فهو الانصراف عن القراءة والانتهاء منها. وكذا الانشغال عنها بأمر خارج لا علاقة له بها يعتبر قطعًا، وبعض المتقدمين لا يفرقون بين القطع والوقف فيستعملونهما بمعنى واحد.
وليس لك أن تقطع إلا على رءوس الآي، فلا ينبغي للقارئ أن ينصرف عن القراءة حتى يتم الآية، ذكر ابن الجزري في النشر وأسنده إلى عبد الله بن أبي الهذيل -﵀- أنه قال: إذا افتتح أحدكم آية يقرؤها فلا يقطعها حتى يتمها.
وينبغي بعد القطع إذا أراد العودة إلى القراءة أن يستعيذ.
أما الوقف فيجوز في أواسط الآي، وهو على أواخرها أتم في الغالب، ولا يجب التعوذ بعد الوقف، وإن طال زمنه، إذا لم يشتغل بأمر أجنبي عن القراءة.
[ ١٠٥ ]
وقد وردت السنة بالوقف على رءوس الآيات، ففي حديث أم سلمة -﵂- أنها سئلت عن قراءة النبي -ﷺ- فقالت: "كان يقطع قراءته يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ويقف، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ويقف" أخرجه الترمذي.
وفي رواية عند أبي داود أنها قالت: كان يقطع قراءته آية آية.
ومعرفة الوقوف: من أهم متطلبات الفصاحة في كلام الفصحاء، كما أنها من أهم متطلبات التجويد في القراءة:
يدل على الأول: ما أخرجه مسلم وأبو داود وغيرهما أن خطيبًا خطب بين يدي الرسول -ﷺ- فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى، فغضب عليه النبي -ﷺ- وقال: "بئس خطيب القوم أنت".
وفي رواية أخرجها أبو جعفر النحاس١ بإسناد مسلسل بالثقات عن عدي بن حاتم -﵁- أن الخطيب وقف على قوله: ومن يعصهما. فكان هذا الوقف القبيح لإنكار النبي ﷺ.
ومما يدل على الثاني ما أخرجه الحاكم والبيهقي عن ابن عمر -﵄- قال: لقد عشنا برهة من الدهر وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن وتنزل السورة فيتعلم حلالها وحرامها وأوامرها وزواجرها وما ينبغي أن يقف عنده منها، ولقد رأيت رجالًا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان
_________________
(١) ١ في كتاب القطع والائتناف مخطوط بمكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة، وأخرج هذا الحديث أيضًا بإسناده أبو عمرو الداني في المكتفى، وابن الجزري في التمهيد.
[ ١٠٦ ]
فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته لا يدري ما آمره وما زاجره وما ينبغي أن يقف عنده ينثره نثر الدقل١.
وذكر ابن الجزري في النشر، عن علي بن أبي طالب -﵁- أنه سئل عن معنى الترتيل في قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ فقال: هو تجويد الحروف ومعرفة الوقوف.
_________________
(١) ١ الدقل: التمر الرديء اليابس شبه عدم عنايتهم بالقراء -فهم حينئذ يرسلونها ويصدرونها مملوءة بالأخطاء غير فصيحة ولا مبينة- بنثر التمر الرديء.
[ ١٠٧ ]