وهذا ما لفت إليه رسول الله ﷺ، أنظار حملة القرآن حين قال في حديث ابن عمر: "إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت" ١.
وفي رواية أبي موسى: "تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من الإبل في عقلها"٢.
وفي هذين الحديثين النبويين الشريفين وقع التشبيه بين ثلاثة:
١ـ فحامل القرآن شبه بصاحب الناقة.
_________________
(١) ١ متفق عليه: البخاري٤/١٢٩١ فضائل القرآن باب استذكار القرآن وتعاهده عن ابن عمر وأبي موسى الأشعري ﵃ ومسلم١/٥٤٣ صلاة المسافرين، باب فضائل القرآن. ٢ متفق عليه: البخاري٤/١٩٢١ "٥٠٣٣" فضائل القرآن، ومسلم١/٥٤٥ "٧٩١"صلاة المسافرين.
[ ١١٠ ]
٢ـ والقرآن بالناقة.
٣ـ والحفظ بالربط.
قال ابن حجر: وخص البعير بالذكر لأنها أشد الحيوان نفورا، وفي تحصيلها بعد استكمان نفورها صعوبة..قال: وفي هذه الأحاديث الحث على محافظة القرآن بدوام دراسته وتكرار تلاوته١.
وينبغي أن يوزع وقت التعاهد والتكرار على الليل والنهار لقوله ﵇ "إذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره وإن لم يقرأه نسيه" ٢.
وأخيرا نورد ما قرره العلم الحديث إذ يقول: إن إعادة حفظ النص بتلاوة متعاقبة يثبت تركيزه فترة أدوم إلى أن تأتي مرحلة لا يكون معها فقدان كبير لما في الذاكرة٣.
وفي مجال المرأة..وهي الأكثر عرضة لنسيان القرآن لأنها تترك الصلوات أيام أقرائها وتمنع من مس المصحف وقراءة
_________________
(١) ١ فتح الباري٩/٧٩و ٨٣. ٢ رواه مسلم ١/٥٤٤، صلاة المسافرين باب فضائل القرآن والنسائي في فضائل القرآن، ص ٥٠، الحديث ٦٨. ٣ المدخل إلى علم النفس، ص٢٥٤.
[ ١١١ ]
القرآن في تلك الحال، لقوله ﷺ: "لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن" ١، نجد العلماء قد صرحوا بأنه يجوز للمرأة الجنب والحائض النظر في المصحف وإمراره على القلب٢.
قلت: وفي مثل هذه الأحوال يبرز دور الوسائل المسموعة والمرئية ولاشك.
وصفوة القول:
إن القرآن وحفظه ومعاهدته الدائبة ييسره الدافع الإيماني، والتوفيق من عند الله والله يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ٣.
إن حامل القرآن، تتميز حياته فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار في الخلوة والجلوة في الصلوات والفلوات، بل هو كما وصف الله عباده الصالحين: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ.﴾ ٤.
وأي شيء أفضل من تلاوة القرآن في ذكر الله؟؟
_________________
(١) ١ رواه الترمذي٥/٨٧ في كتاب الطهارة باب ما جاء في الجنب والحائض. ٢ الإتقان١/١٠٥. ٣ سورة القمر، الآية:٣٢. ٤ سورة آل عمران، الآية: ١٩١.
[ ١١٢ ]
وثمة مسألتان نحب التعرض لهما في إيجاز:
المسألة الأولى: القراءة في المصحف أفضل أم على ظهر القلب؟ في المسألة رأيان:
الرأي الأول: القراءة من المصحف أفضل لأن النظر فيه عبادة، فتجتمع القراءة والنظر. وكان أكثر الصحابة يقرؤونه في المصحف ويكرهون أن يخرج يوم ولم ينظروا في المصحف، ولكي لا يهجره.
والرأي الثاني: أن القراءة عن ظهر القلب أفضل، وهذا رأي واهن كما يقول الزركشي، لأن المقصود من القراءة التدبر: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ ١.
وكان بعض الصالحين يقرأ حزبه من المصحف نهارا، ثم يقوم به ليلا وهذا حسن، قال ابن حجر: والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال٢.
المسألة الثانية:
كم مرة يختم في الشهر؟ وكم يراجع يوميا؟
_________________
(١) ١ سورة، ص، الآية: ٢٩، وانظر البرهان١/٤٦١ـ٤٦٣. ٢ فتح الباري٩/٧٨.
[ ١١٣ ]
الواقع أن الأمر كما قال الإمام الزركشي يختلف باختلاف حال الشخص في النشاط والضعف والتدبر والغفلة١ ولقد كان أبي بن كعب ﵁ يختم القرآن في ثمان٢وكان سعيد بن جبير٣يختمه في كل ليلتين، وكان أقوياء أصحاب رسول الله ﷺ، يقرؤون القرآن في سبع وبعضهم في شهر وبعضهم في شهرين وبعضهم في أكثر من ذلك٤.
قال أوس سألت أصحاب رسول اله ﷺ كيف تحزّبون القرآن؟ قالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاثة عشرة، وحزب المفصل وحده"٥.
وأكثر ما ورد في كثرة القراءة من كان يختم في اليوم والليلة ثمان ختمات، أربعا في الليل وأربعا في النهار٦.
_________________
(١) ١ البرهان١/٤٧١. ٢ معرفة القراء الكبار١/٣٣. ٣ عده الذهبي في الطبقة الثالثة، معرفة القراء الكبار١/٥٧. ٤ الإتقان١/٤٠١. ٥ رواه أبو داود ٢/١١٥، كتاب الصلاة، باب تحزيب القرآن حديث ١٣٩٣، وابن ماجة ١/٤٢٧، إقامة الصلاة، باب في كم يستحب أن يختم القرآن، حديث ١٣٤٥. ٦ الإتقان١/٤٠١، والبرهان١/٤٧٠.
[ ١١٤ ]
بيد أن هناك حديث ابن عمرو الذي يقول فيه: قال لي رسول الله ﷺ: "اقرأ القرآن في كل شهر، قال قلت: إني أجد قوة، قال: فاقرأه في عشرين ليلة، قال قلت: إني أجد قوة، قال: فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك" ١.
وهذا الحديث ورد فيه الحد الأعلى والأدنى على سبيل الإرشاد لا الإيجاب، وهو أمثل الأحوال، لكنه ينبغي مراعاة جانب التدبر والاتعاظ أثناء التلاوة ولهذا ورد في الحديث قول النبي ﷺ: "لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث" ٢وتقول أم المؤمنين عائشة ﵂ "لا أعلم نبي الله ﷺ قرأ القرآن كله في ليلة"٣. ولهذا كره بعض الفقهاء ختمه في أكثر من
_________________
(١) ١ متفق عليه: البخاري٤م١٩٢٧، فضائل القرآن باب في كم يقرأ القرآن ومسلم ٢/٨١٣ الصيام باب النهي عن صوم الدهر. ٢ رواه أبو داود٢/١١٦، الصلاة باب تحزيب القرآن عن ابن عمرو ﵄ والترمذي ٤/٢٦٧، أبواب القراءات وابن ماجة١/٤٢٨، إقامة الصلاة باب في كم يستحب يختم القرآن، والنسائي في فضائل القرآن، ص ١٠٢، الحديث ٩٢. ٣ رواه مسلم١/٥١٤ صلاة المسافرين باب جامع صلاة الليل، وأبو داود ٢/٨٨، الصلاة باب في صلاة الليل، والنسائي٣/٢٠١، قيام الليل، باب قيام الليل، وابن ماجة١/٤٢٨، إقامة الصلاة باب في كم يستحب يختم القرآن.
[ ١١٥ ]
ربعين يوما١حتى لا يعد من الغافلين.
قال الترمذي في نوادر الأصول:
"الأصل الحادي والثمانون والمائة: في قراءة القرآن في أربعين ليلة: عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ أمره أن يقرأ القرآن في أربعين ليلة فاستزاده حتى رجع إلى سبع، فالأربعون مدة الضعفاء وأولي الأشغال، ويكون ختمه في السنة تسع مرات، ومدة الأربعين مرددة في الأشياء كثيرة وأما توقيت السبع فإنه للأقوياء الذين يقوون على سهر الليالي واحترفوا العبادة وتفرغوا من أشغال النفس والدنيا. قال رجل: يا رسول الله من قرأ القرآن في سبع: قال: "ذاك عمل المقربين"، قالوا يا رسول الله فمن قرأ في خمس، قال: "ذاك عمل الصديقين" قالوا: يا رسول الله فمن قرأه في ثلاث قال ﷺ: "ذلك عمل النبيين وذلك الجهد لا أراكم تطيقونه إلا أن تصبروا على مكابدة الليل أو يبدأ أحدكم السورة وهمه في آخرها" قالوا يا رسول الله وفي أقل من ثلاث قال: "لا من وجد منكم نشاطا فليجعله في حسن تلاوتها" أراد ﷺ المداومة عليه وإن يصيرها عادة ولو قرأ في يوم وليلة لكان عظيم القدر، وكان عثمان
_________________
(١) ١ منتهى الإرادات١/١٠٤.
[ ١١٦ ]
﵁ ختم في ركعة واحدة، وكان رسول الله ﷺ مما يقرأه في سبع تيسيرا على الأمة، عن أوس ﵁ قال: احتبس عنا رسول الله ﷺ ليلة فقلنا له: فقال: "إنه طرأ عليّ حزب من القرآن فأحببت أن لا أخرج من المسجد حتى أقضيه" فقلنا لأصحاب رسول الله ﷺ: كيف تحزبون؟ قالوا: ثلاث سور وخمس سور وسبع سور وتسع سور وإحدى عشرة سورة وثلاث عشرة سورة وحزب المفصل ما بين قاف فأسفل. ودلهم رسول الله صلى الله وسلم في الحديث الأول على حسن التلاوة فإن القرآن موعظة والله تعالى يحب أن تعقل مواعظه ونصائحه ولطائفه فإذا خاطب عبده بشيء يريد إظهار ما لهم عنده من الأثرة والمحبة ويحب أن يعجل أوائل بره في عاجل محياهم ليتلذذوا به ويفرحوا فإذا مر عليه التالي يهذّه هذّا وقلبه في عماء من ذلك مقته، كما أن واحدا منا إذا كلم آخر بشيء يريد به بره وألطافه فاستمع إلى كلامه بإذنه لاهيا عن ذلك بقلبه، سقط عن عينيه فكيف برب العالمين، قد أدب الله تعالى عباده ودلهم على الترتيل فقال تعالى: ﴿وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾، ودلهم على الترتيل
[ ١١٧ ]
والتؤدة والتدبر ليصل إليهم نفع ذلك فأفضلهم قراءة أعقلهم عنه، فمن أسرع القراءة وعقل عنه كان في نور عظيم ومنزلة عليه لفضل نوره ومن قصر ذلك فالتفكر والتدبر خير له وأنفع"١.
ووقت الليل للمراجعة والاستذكار أزكى وأنفع لقوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ ٢.
أي: أن قيام الليل هو أشد مواطأة بين القلب واللسان وأجمع على التلاوة وأجمع للخاطر في أداء القراءة وتفهمها من قيام النهار؛ لأن وقت انتشار الناس ولغط الأصوات٣.
_________________
(١) ١ نوادر الأصول في أحاديث الرسول ج:٢ ص: ٢٨٥ـ٢٨٦: محمد بن علي الترمذي، تحقيق د. عبد الرحمن عميرة، ط: دار الجيل، ١٩٩٢م بيروت. ٢ سورة المزمل، الآية:٦. ٣ تفسير ابن كثير٤/٤٣٥.
[ ١١٨ ]