١ـ تدفق المعاني:
يقرر العلم الحديث سهولة الحفظ والاستذكار وتفاوتهما تفاوتا مطردا مع ما تنطوي عليه المادة من "معنى" إذ يمكن حفظ نص ما زاخر بالمعاني - خلال عشر - بضم العين - عدد مرات التكرار المطلوبة لحفظ نص مما ثل خال من المعنى١.
والقرآن الكريم الذي أمرنا بالتدبر فيه زاخر بالمعاني التي
_________________
(١) ١ المدخل إلى علم النفس،٢٣١.
[ ٩٢ ]
تجيش العاطفة وتثير الوجدان، وفوق هذا تجد لآيات الذكر الحكيم أثرا على النفوس: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ ١.
وبهذا تكون المادة القرآنية أخصب المواد للحفظ ومن ذا الذي يدعي حصر معاني القرآن واستيعاب كافة مدلولاته ومفاهيمه؟
٢ـ التشابه والتكرار:
من أسرار التكرار في القرآن على مستوى الآية والكلمة، أنه يعين على الحفظ، ويؤكد هذا العلم الحديث إذ يقول: إذ شابه مقطع معين "مهما كان الشبه بعيد" مقطعا آخر فإن الفرد يؤكد على هذه المماثلة حتى يصبح هذا دليلا هاديا في تلك القائمة!! ٢.
ومن تأمل ما جمعه الزركشي في البرهان أو الكرماني في البرهان في توجيه متشابه القرآن لما فيه من الحجة والبيان وغيرها من المؤلفات المماثلة يقف على روعة هذا الكتاب المعجز الذي يأخذ بالألباب.
_________________
(١) ١ سورة الزمر، الآية:٢٣. ٢ المدخل إلى علم النفس الحديث، ص ٢٣١.
[ ٩٣ ]
وحافظ القرآن حين يتلو قول الله - تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ١.
يتذكر في حينها نفس الآية بحروفها وكلماتها في سورة التحريم "الآية:٩" ومثل هذا كثير.
وقد ذكر أبو حيان بعض أسرار التكرار على مستوى الآية فقال: "وفائدة التكرار التجرد على استماع كل نبأ من أنباء الأولين للاتعاظ، واستئناف التيقظ إذا سمعوا الحث على ذلك لئلا تستوي عليهم الغفلة، وهكذا حكم التكرار لقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ عند كل نعمة عدها في سورة الرحمن، وقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ عند كل آية أوردها في سورة المرسلات، وكذلك تكرار القصص في أنفسها لتكون العبرة حاضرة للقلوب مذكورة في كل أوان"٢.
ثم ومع الزمن وكثرة التلاوة والمراجعة الدائبة يبدأ الحافظ باستنباط العلل والحكم في وجود بعض الاختلاف في الآيات
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية: ٧٣. ٢ البحر المحيط٨/٢٨٢، ط١٤٠٣هـ دار الفكر.
[ ٩٤ ]
المتشابهة شكلا ومضمونا، أو شكلا لا مضمونا، أو مضمونا لا شكلا..إلخ تأمل:
﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾
﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾
وتأمل أيضا: ﴿ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾
ومثله كذلك ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .
﴿وءاتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها عن الإنسان لظلوم كفار﴾ .
﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
وعلى هذه الوتيرة إيراد القصة الواحدة في صور شتى وفواصل مختلفة إن عددنا منها طال بنا الحديث وهو حديث ماتع ومبهج.
٣ـ القصص القرآني:
من أهداف القصة القرآنية إثارة العاطفة وتحريك الوجدان والقصة في القرآن على اختلافها: من ذكر الأمم السابقة وحال الناس في كل الأزمنة ومشاهد القيامة..كل ذلك
[ ٩٥ ]
يسهم بشكل واضح في تحريك كوامن النفس..وإن المسلم ليقرأ الآيات البينات حول مناجاة نوح ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ١.
ومناجاة إبراهيم وهو يستودع الله أهله وولده:
﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا﴾ ٢.
وينظر الداعية إلى واقع الناس والإسلام ويتلو:
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٣.
ويتلو: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١) وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ ٤.
ويتلو: ﴿لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنْ
_________________
(١) ١ سورة هود، الآية: ٤٥ـ٤٦. ٢ سورة إبراهيم، الآية:٣٧. ٣ سورة هود، الآية: ٣٧. ٤ سورة هود، الآيتان: ١٢١ـ١٢٢.
[ ٩٦ ]
المُمْتَرِينَ﴾ ١.
ويتلو: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ ٢.
ويتلو: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ ٣.
ويترقب المؤمن لحظات الوقوف بين يدي الله ويتلو: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ٤.
ويتلو قوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ ٥.
ويقرأ عن أهل النار:
﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا
_________________
(١) ١ سورة يونس، الآية:٩٤. ٢ سورة النمل، الآية:٧٩. ٣ سورة الروم، الآية٦٠. ٤ سورة الأنعام، الآية٣٠. ٥ سورة الزمر، الآية:٧٣ـ٧٥.
[ ٩٧ ]
وَلَا تُكَلِّمُونِي﴾ ١.
ويتلو: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ ٢.
إن المؤمن ليقرأ القرآن وهو بين الخوف والرجاء، يهفو قلبه إلى موعود الله، وتخشع جوارحه لله، وينيب قلبه إلى مولاه، ويزداد إيمانه بربه كلما تلى آياته وكلما تدبر وتفكر في كون الله الواسع.
وإن هذا كله يؤدي إلى حضور الذهن بصفة دائمة، وهو ضروري لتثبيت اللفظ والمعنى في الذاكرة، وإن "التفاعل" بين القارئ والمقروء والسامع والمسموع ادعى إلى الرسوخ والتثبيت
يقول عبد الله بن العباس ﵄ لأن أقرأ البقرة في ليلة وأتفكر فيها أحب إليّ من أن أقرأ القرآن هذرمة٣.
ويقول محمد بن كعب القرظي "١١٨هـ" لأن أقرأ في ليلتي حتى أصبح ﴿إِذَا زُلْزِلَتْ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ و﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ﴾ لا أزيد عليهما وأتفكر فيهما وأتردد، أحب إليّ من
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون، الآيتان: ١٠٧ـ ١٠٨. ٢ سورة الانفطار، الآية:٦. ٣ صفة الصفوة١/٧٥٤ والهذرمة: الإسراع في القراءة.
[ ٩٨ ]
أن أهذّ القرآن هذّا، أو قال: أنثره نثرا١.
والحديث في مثل هذا واسع سعة القرآن يهدي به الله من يشاء من عباده.
_________________
(١) ١ المرجع السابق٢/١٣٣ وعده من الطبقة الثالثة من التابعين من أهل المدينة.
[ ٩٩ ]