لا يخفى على المسلم فضل كتاب الله، فهو كلام الله. ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ١.
وهذا القرآن هو المعجزة الكبرى الخالدة لرسولنا، تكفل الله - سبحانه - بحفظه من التحريف والتبديل دون سائر الكتب السماوية يقول - تعالى - ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢.
ولقد وصف كتابه بأوصاف الجلال والكمال، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ ٣.
وقال: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة فصلت، الآية:٤٢. ٢ سورة الحجر، الآية:٩. ٣ سورة الحجر، الآية٨٧. ٤ سورة يس، الآيتان ١، ٢.
[ ٢٠ ]
وقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ ١.
وقال: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ ٢.
وقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ٣.
وقال: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ٤.
وقال حكاية عن الجن ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ٥.
وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ ٦.
أي لو كان في الكتب الماضية كتاب تسير به الجبال عن أماكنها أو تقطع به الأرض وتنشق، أو تكلم به الموتى لكان هذا القرآن المتصف بذلك دون غيره٧.
_________________
(١) ١ سورة يس، الآية:٦٩. ٢ سورة ق، الآية: ١. ٣ سورة الواقعة، الآية:٧٧. ٤ سورة الحشر، الآية:٢١. ٥ سورة الجن، الآية١. ٦ سورة الرعد، الآية:٣١. ٧ تفسير ابن كثير٢/٥١٥.
[ ٢١ ]
وكتاب هذا قدره وهذا جلاله، وهو كلام الله رب العالمين فاطر السموات والأرضين، كتاب تلك أوصافه لهو حري بأن تفنى فيه الأعمار دراسة وتعلما واقتفاء وعملا
ولئن كان سلف الأمة الصالح قد حازوا قصب السبق في كل ميدان علمي حتى يقول فيهم القرآن الكريم:
﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ١.
فما كان ذلك إلا بفضل اقتفائهم هدي القرآن الكريم.
وكم نحن اليوم في حاجة إلى التمسك بهذا القرآن ؟
ومن مظاهر التمسك به والاعتصام بحبل الله العمل به، وتدبره واستنباط أحكامه، وإقامة شؤون الحياة كلها على نهجه وهداه، ويكلل ذلك ويشده ويعين عليه: حفظه والإكثار من تلاوته صباح مساء على مستوى الفرد والأسرة والأمة. في حديث علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ستكون فتن، قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله؛ فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية: ١٠٠.
[ ٢٢ ]
بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدي في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا تشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم" ١.
إن حفظ القرآن الكريم يقوم عمليا على مبدأ التلاوة الكثيرة، وعلى تكرار المحفوظ آناء الليل وآناء النهار، مدى الحياة، وهذا الوجه في حد ذاته مكرمة لا يعطاها إلا المجتبون الأخيار وقليل ما هم.
ثم إن الأثر الحميد لا يقتصر على التالي وحده، بل يشركه خلق من خلق الله قرأ رجل سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين "أي: حبلين" فتغشته سحابة "أحاطت به" فجعلت تدنو وتدنو، وجعل فرسه ينفر فلما أصبح أتى النبي ﷺ، فذكر ذلك له، فقال: تلك السكينة تنزلت بالقرآن٢.
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي٤/٢٤٥ كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل القرآن. ٢ متفق عليه: البخاري٤/١٩١٤ فضائل القرآن باب فضل سورة الكهف عن البراء بن عازب ﵁ ومسلم ١/٥٤٨ صلاة المسافرين باب نزول السكينة لقراءة القرآن.
[ ٢٣ ]
وأيا كان تفسير "السكينة" فالمجمع عليه أنها شيء من مخلوقات الله، واختار ابن حجر ما ذهب إليه الطبري وهو أنها: ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان، واختار النووي أنها شيء من المخلوقات فيه طمأنينة ورحمة ومعه الملائكة١.
وما أحوج الإنسان يوم الحساب إلى الأعمال الصالحة ومنها تلاوة القرآن العظيم؛ يقول ﷺ، فيما يرويه عنه أبو أمامة الباهلي ﵁: "اقرأوا القرآن فإن يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه" ٢.
ويبلغ من اهتمام الإسلام بالقرآن وهو كتابه الخالد أن يوصي رسول الله ﷺ، قبل موته بكتاب الله٣والمراد بالوصية بكتاب الله: حفظه حسا ومعنى..٤.
_________________
(١) ١ انظر: فتح الباري٩/٥٨. ٢ رواه مسلم ١/٥٥٣ صلاة المسافرين باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة، حديث رقم٨٠٤. ٣ متفق عليه: البخاري ٤/١٩١٨ فضائل القرآن باب الوصية بكتاب الله ﷿ عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁، ومسلم ٣/١٢٥٦ الوصية باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه. ٤ فتح الباري٩/٦٧.
[ ٢٤ ]
ومن خصائص القرآن الكريم أنه ميسر في تلاوته وحفظه وتدبره، قال ابن كثير في قوله - تعالى ـ: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ١. قال: "هو محفوظ في الصدور، ميسر على الألسنة، مهيمن على القلوب، معجز لفظا ومعنى، ولهذا جاء في الكتب المقدسة "أي التوراة والإنجيل" صفة هذه الأمة أناجيلهم في صدورهم"٢.
وفي الحديث القدسي: "..وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظان" ٣.
وبعد
فإن فضائل القرآن العظيم لا تحاط وعجائبه لا تنقضي، وعلومه لا تنتهي، ولكل إنسان بذل الجهد لينال ما قدر له من تلاوة، أو تأدب، أو استنباط، أو حفظ، وحسب المسلم شرفا أنه يحمل كتاب الله ويدعو إليه.
_________________
(١) ١ سورة القمر، الآية: ٣٢. ٢ تفسير ابن كثير٣/٤١٧. ٣ رواه مسلم في كتاب الجنة باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة - حديث ٢٨٦٥.
[ ٢٥ ]