مبحث الأول تعريف حفظ القرآن، وبيان مفهومه
الحفظ لغة:
الحفظ: نقيض النسيان، وهو: التعاهد وقلة الغفلة، يقال: حفظ الشيء حفظا، ورجل حافظ من قوم حفّاظ.
قال ابن منظور: والمحافظة: المواظبة على الأمر، وفي التنزيل ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ ١أي صلوها في أوقاتها، وحفظت الشيء: استظهرته..وتحفّظت الشيء: أي استظهرته شيئا بعد شيء٢.
ومادة "حفظ" في القرآن الكريم تفيد معان مختلفة حسب ما يفهم من السياق، فقوله تعالى: ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ يعطي معنى الصيانة والرعاية، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية: ٢٣٨. ٢ لسان العرب٧/٤٤١ مادة حفظ.
[ ٤٥ ]
لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ ١، يفيد معنى الإمساك عما لا يحل وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ ٢ قيل: معناه مرفوعا.
والحفظ: الذي هو بمعنى عدم النسيان، له مرادفات عديدة تؤدي المعنى نفسه..فيقال: قرأ فلان القرآن على ظهر قلب كناية عن الحفظ من غير كتاب، ولهذا يقال: استظهره أي حفظه٣وقرأه ظاهرا٤.
وعليه فعبارة: حفظ كتاب الله، وحمل كتاب الله، واستظهر كتاب الله، تفيد معنى واحدا يلاحظ فيه ثلاثة عناصر أساسية هي:
أـ ضبط الصورة المدركة٥ بحيث يمكن أداؤها من غير كتاب.
ب - والمواظبة والمعاهدة للمحفوظ.
جـ - وعدم النسيان.
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون، الآية: ٥. ٢ سورة الأنبياء، الآية:٣٢. ٣ المعجم الوسيط٢/٥٨٤، مادة ظهر. ٤ لسان العرب٤/٥٢٦ مادة: ظهر. ٥ التعريفات للجرجاني، ص ١٢٠، مادة: حفظ.
[ ٤٦ ]
حفظ القرآن في الاصطلاح:
وإذا كان المعنى اللغوي "للحفظ" لا يفرق عن المعنى الاصطلاحي من حيث الاستظهار والقراءة عن ظهر القلب، إلا أن حافظ القرآن الكريم يتميز عن غيره من حفّاظ الحديث١ أو حفّاظ الأشعار والحكم والأمثال والنصوص الأدبية وما إليها..بأمرين أساسيين:
الأول: استكمال القرآن كله حفظا وضبطا، فلا يسمى من حفظ نصف القرآن أو ثلثه - مثلا - ولم يستكمله، حافظا على الأرجح، وعلى المتبادر إلى الأذهان وإلا صح أن يسمى جميع المسلمين حملة القرآن أو حفظة كتاب الله، إذ لا يخلو مسلم من حفظ الفاتحة وهي من أركان الصلاة على مذهب الأكثرين..
وعليه: فاصطلاح حافظ القرآن أو حامل القرآن لا يكاد يطلق إلا على من حفظ القرآن كله وضبط ضبطا يؤهله لأدائه إلى غيره على قواعد التلاوة وأسس التجويد المعروفة.
الأمر الثاني: المواظبة والمداومة وبذل المجهود لصيانة المحفوظ من النسيان، فمن حفظ القرآن ثم نسيه أو نسي بعضه أو جله إهمالا وغفلة لغير عذر ككبر أو مرض لا يسمى حافظا ولا
_________________
(١) ١ الحافظ عند المحدثين من أحاط علما بمئة ألف حديث متنا وإسنادا على الأرجح.
[ ٤٧ ]
يستحق لقب "حامل القرآن الكريم" لأنه إذا صح رواية الحديث بالمعنى، وجاز تحوير بعض الشعر والنص الأدبي - مثلا - فمثل هذا ممتنع في مجال القرآن الكريم.
على أن "حافظ القرآن الكريم" إذا نسب إلى الله ﷻ فيراد به "صيانته وحفظه من التبديل والتغيير والتحريف والزيادة والنقصان"١ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢.
وبهذا يتميز القرآن عن غيره من الكتب السماوية.
أما إذا نسب إلى المخلوقين فيقصد به: الاستظهار، والعمل بمقتضاه والاشتغال به تدبرا واستنباطا وتعليما وتعلما..وفي هذا المعنى ورد قوله ﷺ: "اللهم أسألك أن تلزم قلبي حفظ كتابك، كما علمتني، وارزقني أن أتلوه على النحو الذي يرضيك عني " ٣وهو دعاء علمه النبي عليا حين اشتكى إليه قائلا: بأبي أنت وأمي! تفلّت هذا القرآن من صدري فما أجدني أقدر عليه.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير٣/٥٤٧، والرازي١٠/١٦٤. ٢ سورة الحجر، الآية٩. ٣ رواه الترمذي في كتاب الدعوات، باب: في دعاء الحفظ٥/٢٢٣ وهو جزء من حديث طويل، برقم٣٥٦٥.
[ ٤٨ ]