هل يجب حفظ القرآن على كل أفراد الأمة؟ أم يجب حفظ بعضه دون البعض ؟
صرح العلماء بأن حفظ القرآن واجب على الأمة، أي: ألا
[ ٣٧ ]
ينقطع عدد التواتر فيه، ولا يتطرق إليه التبديل والتحريف، فإن قام بذلك قوم سقط عن الباقين وإلا فالكل آثم١.
هذا من حيث المبدأ، وإذا كان التاريخ الإسلامي ذا صفحات وضاءة في مجال حفظ القرآن وتحفيظه كما مر طرف منه..وإذا كان الله قد تكفل بحفظ القرآن من التحريف والتبديل فحفظ القرآن كاملا كما أنزله على قلب رسوله..فإن حفظه يصبح فرض كفاية في حق سواد الأمة وعامة المسلمين..
أما حفظ بعضه كالفاتحة ونحوها فهو فرض عين على كل فرد، إذ لا تصح الصلاة بغير الفاتحة لقوله ﷺ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" ٢.
أما من أتم حفظ القرآن أو أتم حفظ بعضه فيجب عليه المداومة على حفظه وعدم تعريضه للنسيان، وقد ذهب كثير من المفسرين إلى أن قوله - تعالىـ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ ٣،
_________________
(١) ١ البرهان للزركشي١/٤٥٦، والإتقان١/٩٩. ٢ متفق عليه: البخاري ١/٢٦٣ صفة الصلاة، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم عن عبادة بن الصامت ﵁، ومسلم٢٩٥، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة. ٣ سورة المزمل، الآية:٢٠.
[ ٣٨ ]
والمراد به قراءة القرآن بعينها دون الصلاة أي دراسة القرآن ليحصل الأمن من النسيان١، وتحقيقا لقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴾ ٢.
أي: هذا القرآن آيات بينة واضحة في الدلالة على الحق أمرا ونهيا وخبرا، يحفظه العلماء، يسره الله عليهم حفظا وتلاوة وتفسيرا٣.
وإذا كان الفقهاء قد قرروا الحكم الشرعي لحفظ القرآن على نحو ما سلف إلا أن حفظ القرآن اليوم ألزم، وذلك لما نلحظه في عصرنا من انصراف الهمم على حفظ القرآن المجيد، قال الرافعي "المتوفى سنة ١٩٣٧م" في كلمة بليغة يصف حال شباب اليوم: "نحن نأسف أشد الأسف وأبلغه بل أحراه أن يكون هما يعتلج في الصدر ويستوقد في الضلوع إذ نرى نشء هذه الأيام قد انصرفوا عن جمع القرآن واستيعابه وأحكامه قراءة وتجويدا، فلا يحفظون منه - إن حفظوا - إلا أجزاء قليلة على أنهم ينسونها بعد ذلك، ثم يشب أحدهم كما يشب قرن الماعز نبت على سواء ولا يثبت إلا
_________________
(١) ١ تفسير الرازي١٥/١٨٧. ٢ سورة العنكبوت، الآية: ٤٩. ٣ تفسير ابن كثير٣/٤١٧.
[ ٣٩ ]
على التواء!! ويخرج وقد عق لغته وأنكر قومه، وانسلخ من جلدته واستهان بدينه وخرج من آدابه، ولا يستحيي من ذلك أن يقول هانذا فاعرفوني! "١.
_________________
(١) ١ إعجاز القرآن، ص ٢٤٣، ط: دار الكتاب العربي - بيروت.
[ ٤٠ ]