كيف يحدث الحفظ؟ وكيف تخزن الألفاظ والمعاني؟ وكيف تستحضر بمجرد الرغبة في ذلك؟ ما الذكاء؟ وما الذهن؟ وهل الذكاء وحده وراء حفظ القرآن الكريم؟؟
ليس من سبيل إلى القطع بحقيقة علمية حول ماهية الذهن وكيفية خزن الحروف والمعلومات لدى الإنسان أو الحيوان، لأن ما ظهر من نظريات وهي مختلفة ومتضاربة لا ترتقي إلى مستوى اليقين ولا تصمد أمام النقد.
الذكاء وحفظ القرآن:
قالوا إن رواء الذكاء وقوة الحافظة عوامل فسيولوجية
[ ٥٦ ]
فحسب، كالغدد اللاقنوية أو الغدد الصم التي تفرز هرموناتها hormmon١ في الجسم فتزيد من نحوه الجسمي والعقلي٢.
وقالوا: بل الذاكرة تعتمد على العوامل الفطرية الوراثية، وبالتالي يكون مجال "تحسين الذاكرة" محدودا٣ وهذا قول لا تشهد له التجربة فكم من بليد في أعين الناس انقلب ذكيا حين غيرت بيئته، وجدد نمط حياته وفك أسره من قيد الهم ونكد الحياة..
وقالوا: بل الذكاء يرتبط ارتباطا وثيقا ببنية الجسم النحيفة، وهذا اعتقاد شائع لا صحة له٤.
وقالوا: للعوامل البيئية دور فعال في الإثارة الذهنية ولا سيما عند الأطفال٥.
ونقول: لئن صح شيء مما سبق من "عوامل إيقاد الذكاء ونمائه"
_________________
(١) ١ الهرمون: مادة كيماوية تفرزها الغدد الصم في الدم وتؤثر في نمو الجسم. ٢ المدخل إلى علم النفس، ص٩٧. ٣ المرجع السابق، ص ٢٥٥ بتصرف. ٤ المرجع السابق، ص ٢٠٠. ٥ علم النفس، د. مصطفى فهمي، ص ٢٨٥.
[ ٥٧ ]
في غير مجال القرآن الكريم، فليست هذه العوامل وحدها وراء حفظ الإنسان لكامل كتاب الله..
وإلا فكيف نفسر السر في حفظ الأطفال المسلمين القرآن فيما دون العاشرة أو بعدها بقليل مع أن "الغدد" التي تثري الذكاء لا تبلغ قمة نشاطها في هذا السنن؟؟ ثم ألست ترى أن عددا كبيرا من أطفال المسلمين يحفظون كامل القرآن في هذه السن المبكرة في كل بلاد الإسلام عربيها وعجميها؟ بل وتجد رجالا من الأعاجم يحفظون القرآن كاملا ومع ذلك لا يفقهون شيئا من اللغة العربية ولا يتكلمونها بتاتا ؟
الذي أود تقريره أن القرآن الكريم يشتمل على سبعة وسبعين ألف كلمة وتسعمائة وأربع وثلاثين كلمة تنخرط في أكثر من ستة آلاف آية١.
وهو عدد لا يتيسر لكل أحد من الأذكياء حفظه عن ظهر قلب، ولا يعني كونه معجزا في حفظ الناس له أن عسير الاستظهار بل المراد إنه لا مثيل له من الكتب السماوية أو غيرها مما يقع في ضخامة مادته اللفظية والمعنوية وقد حفظه
_________________
(١) ١ الإتقان١/٦٧و٧٠، ٧٢، النوع التاسع عشر.
[ ٥٨ ]
الناس على وجه التواتر دون انقطاع من لدن نزوله وإلى أن يشاء الله.
قال الرافعي: "إننا لنعرف صبيان المكاتب - وقد كنا منهم - وما يسهل عليه القرآن وإظهاره ولا يمكنه في أنفسهم حتى يثبتوه إلا نظمه واتساق هذا النظم، ولو هم أخذوا في غيره من فنون المعارف أو مختار الكلام أو نحوه مما يرادون على حفظه، أي ذلك كان، لأعياهم وبلغ منهم إلى حد الانقطاع والتخاذل حتى لا يجمعوا منه قدرا في حجم القرآن إن جمعوه إلا وقد استنفدوا من العمر أضعاف ما يقطعونه في حفظ القرآن، على أنهم يبلغون من هذا بالعفو والأناة ولا يبلغون مثله من ذلك إلا بالعنت والجهد"١.
كيف يحدث الحفظ؟
انتهت الدراسات الحديثة إلى أن الذاكرة تنطوي على ثلاثة عناصر على الأقل، وهي:
١ـ التمثل assimilation ويقاس بمقدار الكمية المحتفظ بها بعد التعليم مباشرة ويرتبط بالذكاء ارتباطا وثيقا.
_________________
(١) ١ إعجاز القرآن للرافعي، ص ٢٤٢.
[ ٥٩ ]
٢ـ والاحتفاظ retention ويقدر بالتعبير عن مقدار ما أمكن الاحتفاظ به بعد فترة محدودة، ويتأثر تأثرا كبيرا بعدد مرات استعادة المادة ذهنيا، وارتباطه بالذكاء ارتباط طفيف ويتأثر بالحالات الفسيولوجية الطارئة كالتعب وانحراف الصحة والانفعال.
٣ـ والاسترجاع recall ولا بد أن يسبقه "التمثل والاحتفاظ" وصلة الاسترجاع بالذكاء واضحة١.
ولقد كان لعلماء المسلمين السبق في كشف هذه العناصر الثلاثة، فهذا علي الجرجاني المتوفى سنة٨١٦هـ يقول في تعريف "الضبط" هو: إسماع الكلام كما يحق سماعه، ثم فهم معناه الذي أريده به، ثم حفظه ببذل جهوده، والثبات عليه بمذاكرته إلى حسن أدائه إلى غيره ا. هـ٢.
فهو يجمع بين: "السماع والفهم، والحفظ، والثبات، والأداء".
ويقول في تعريف الذهن: قوة للنفس تشمل الحواس
_________________
(١) ١ المدخل إلى علم النفس، ص ٢٣٥ـ٢٣٥. ٢ التعريفات، ص١٧٩.
[ ٦٠ ]
لظاهرة والباطنة معدة لاكتساب العلوم١.
_________________
(١) ١ التعريفات، ص١٤٣.
[ ٦١ ]