رسول الله ﷺ، أول الحافظين، وإمام المقرئين، وقدوة المسلمين، تلقى هذا القرآن حرفا حرفا عن جبريل ﵊ عن الله - تقدست أسماؤه ـ، "وكان رسول الله ﷺ، يعرض على جبريل القرآن حين يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ"١.
ولا زال ذلك دأبه حتى عارضه في العام الأخير من عمره المبارك مرتين، يقول ﵇: "إن جبريل يعارضي بالقرآن كل سنة وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي" ٢.
قال ابن حجر: " يعرض - بكسر الراء - من العرض وهو بفتح العين وسكون الراء، أي يقرأ، والمراد: يستعرضه ما أقرأه إياه.. والمعارضة مفاعلة من الجانبين، كأن كلا منهما كان تارة يقرأ والآخر يستمع"٣.
_________________
(١) ١ رواه البخاري ٤/١٩١١ فضائل القرآن باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي ﷺ عن عبد الله بن عباس ﵄ ومسلم في فضائل الصحابة - حديث ٢٤٥٠. ٢ متفق عليه: البخاري ٣/١٣٢٧ المناقب باب علامات النبوة في الإسلام عن عائشة ﵂ ومسلم"٢٤٥٠" فضائل الصحابة. ٣ فتح الباري٩/٤٣.
[ ٢٦ ]
وتلقى بعض الصحابة عن رسول الله، فكان ممن عرضوا عليه:
١- عثمان بن عفان.
٢- علي بن أبي طالب.
٣- أبي بن كعب.
٤- عبد الله بن مسعود.
٥- زيد بن ثابت بن الضحاك.
٦- أبو موسى الأشعري.
٧- أبو الدرداء.
قال الذهبي بعد أن ذكر السبعة..فهؤلاء الذين بلغنا أنهم حفظوا القرآن في حياة النبي ﷺ، وأخذ عنهم عرضا وعليهم دارت أسانيد قراءة الأئمة العشرة، قال: وقد جمع القرآن غيرهم من الصحابة كمعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة وأبي زيد، وغيرهم كثير، لكن لم يتصل بناء قراءتهم١.
وقال ابن حجر في شرح قول رسول الله ﷺ: "خذوا
_________________
(١) ١ معرفة القراء الكبار١/٣٩ وانظر البرهان للزركشي١/٢٤١ النوع الثالث عشر.
[ ٢٧ ]
القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب" ١.
هؤلاء اشتهروا بحفظ القرآن والتصدي لتعليمه، ولا يلزم من تحديد الأربعة أن لا يكون أحد في ذلك الوقت شاركهم في حفظ القرآن، بل كان الذين يحفظون مثل الذين حفظوه وأزيد منهم جماعة من الصحابة يقالهم القراء٢.
وإذا كان بعض أجلّه الصحابة لم يكمل حفظ القرآن مع فضلهم وسبقهم، كما روى الشعبي وابن سيرين أن أبا بكر ﵁ وأرضاه مات ولم يختم القرآن، وأنه لم يجمع القرآن أحد من الخلفاء الأربعة إلا عثمان٣.
إن صحت هذه الرواية وقد مال إلى أنها ضعيفة كثير من العلماء٤. أقول: إن صحت هذه الرواية فمرد ذلك إلى أمور لا تخفى كانشغال الصحابة بالجهاد والغزوات وحفظ الكتاب
_________________
(١) ١ رواه البخاري٤/١٩١٢، فضائل القرآن، باب القراء من أصحاب النبي ﷺ عن عبد الله بن مسعود ﵁. ٢ فتح الباري٩/٤٧ـ٤٨، والاتقان١/٧٠ النوع العشرون. ٣ معرفة القراء الكبار١/٣١، والبرهان للزركشي١/٢٤٣. ٤ انظر: نكت الانتصار للباقلاني، ص٧٠، ط. مصر ١٩٧١ تحقيق: د. محمد سلام.
[ ٢٨ ]
العزيز يتطلب وقتا وجهدا وراحة بال وسنا معينة.
ويميل الحافظ ابن كثير إلى أن الخلفاء الراشدين كلهم من الحفظة١.
والصحابة الذين تلقوا عن رسول الله، ﷺ اشتهروا بالإقراء، فعثمان بن عفان ﵁ وهو أفضل من قرأ القرآن على النبي ﷺ كما يقول الذهبي٢، قرأ عليه المغيرة بن أبي شهاب، وابن عباس، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، والسائب بن يزيد، والأحنف بن قيس، وخلق كثير٣.
وممن عرض على النبي ﷺ أبي بن كعب الأنصاري البدري سيد القراء ﵁ قال له النبي ﷺ: "إني أمرت أن أقرأ عليك القرآن" قال: آلله سمّاني؟ قال: "نعم" فبكى أبي قرأ عليه أبو هريرة وابن عباس وآخرون٤.
_________________
(١) ١ فضائل القرآن، ص٨٩٣٢. ٢ تذكرة الحفاظ ١/٩. ٣ معرفة القراء الكبار ١/٣٠. ٤ تذكرة الحفاظ١/١٦، ومعرفة القراء الكبار١/٣٣، والحديث رواه البخاري في تفسير القرآن حديث رقم٤٩٦٠ ومسلم في صلاة المسافرين حديث رقم٧٩٩.
[ ٢٩ ]
وكان زيد بن ثابت الأنصاري المقرئ الفرضي كاتب وحي النبي صبيا ذكيا نجيبا عمره إحدى عشرة سنة مقدم النبي المدينة، فأسلم وأمره النبي ﷺ، أن يتعلم خط اليهود فجود الكتابة، وحفظ القرآن وأتقنه وأحكم الفرائض وانتدبه أبو بكر في جمع القرآن، ثم عينه عثمان لكتابة المصحف.. وانتهت إليه الرياسة في القراءة في آخر أيامه١قرأ عليه ابن عباس وأبو عبد الرحمن السلمي وغيرهم كثير٢.
وكان أبو الدرداء عويمر بن زيد عالم أهل الشام ومقرئ أهل دمشق وفقيههم وقاضيهم ﵁ ـ٣.
على أن الصحابة تلقوا من فم النبي صلى الله عليه وسلمن القرآن كله بقراءاته ورواياته فلم يضيعوا منه جملة ولم يغفلوا منه كلمة ولم يهملوا منه حرفا أو حركة أو سكونا أو قراءة أو راوية، وقد نقله عن الصحابة التابعون على هذا الوجه من الإحكام والتحرير والإتقان والتجويد، ثم إن جماعة من التابعين وأتباع التابعين كرسوا حياتهم وقصروا جهودهم على قراءة القرآن
_________________
(١) ١ فتح الباري٩/٤٨. ٢ تذكرة الحفاظ١/٣٠. ٣ تذكرة الحفاظ ١/٢٤.
[ ٣٠ ]
وإقرائه وتلقينه وتعليمه، وعنوا العناية كل العناية بضبط ألفاظه وتجويد كلماته وتحرير قراءاته وتحقيق رواياته، وكان ذلك شغلهم الشاغل وغرضهم الهادف١.
ولقد كان للنساء من حفظ القرآن نصيب، قال السيوطي، ظفرت بامرأة من الصحابيات جمعت القرآن لم يعدها أحد ممن تكلم في ذلك، فأخرج ابن سعد في الطبقات بسنده، أن أم ورقة بنت الحارث كان رسول الله ﷺ، يزورها ويسميها الشهيدة، وكانت قد جمعت القرآن..وغمها غلام لها وجارية كانت قد دبرتهما فقتلاها في إمارة عمر٢.
وممن حفظ التاريخ أسماءهم من حفاظ التابعين، أبو العالية الرياحي رفيع بن مهران الذي قرأ على أبي وغيره٣، وأبو رجاء العطاردي عمران بن ملحان البصري تلقّن من أبي موسى وعرض على ابن عباس٤، واشتهر كذلك الحسن بن
_________________
(١) ١ محاضرة الشيخ عبد الفتاح القاضي "منبع القراءات ومنشؤها" ضمن محاصرات الجامعة الإسلامية في موسمها الثقافي٥/١٣٩٦هـ. ٢ الإتقان٢م٧٢ النوع العشرون والطبقات الكبرى٨/٥٧ ط" ١٣٩٨هـ. ٣ ويعد من الطبقة الثانية، تذكرة الحفاظ١/ب٦. ٤ ويعد من الطبقة الثانية، تذكرة الحفاظ١/٦٦.
[ ٣١ ]
أبي الحسن يسار الذي نشأ بالمدينة وحفظ كتاب الله في خلافة عثمان١، وغيرهم كثير كثير.
وهكذا نقل الخلف عن السلف جيلا بعد جيل، واشتهر المقرئون في الأمصار والأعصار:
فمن قراء المدينة:
١- شيبة بن نصاح قاضي المدينة ومقريها أدرك أم المؤمنين عائشة، وأم سلمة٢.
٢- وقالون أبو موسى قاري أهل المدينة في زمانه ونحويهم، وقالون لقبه وهي لفظة رومية معناها جيد٣.
ومن قراء مكة:
١- عبد الله بن كثير المكي إمام المكيين في القراء وضبط القرآن٤.
٢- ووهب بن واضح انتهت إليه الرياسة في الإقراء بمكة٥.
_________________
(١) ١ ويعد من الطبقة الثالثة، تذكرة الحفاظ١/٧١. ٢ من الطبقة الثالثة، معرفة القراء الكبار١/٦٤، وفي القاموس المحيط نصاحه. ٣ من الطبقة الخامسة، المرجع السابق١/١٢٩. ٤ ويعد من الطبقة الثالثة، معرفة القراءة الكبار١/٧١. ٥ ويعد من الطبقة الخامسة، المرجع السابق١/١٢١.
[ ٣٢ ]
ومن قراء مصر:
١- عثمان بن سعيد الملقب بـ"ورش" وإليه انتهت رياسة الإقراء بالديار المصرية في زمانه١.
٢- طاهر بن عبد المنعم وكان من كبار المقرئين في عصره بمصر٢.
ومن قراء العراق:
١- عاصم بن أبي النجود الأسدي، انتهت إليه رياسة الإقراء بالكوفة٣.
٢- أبو عمرو الدوري، نزيل سامراء، حفص بن عمر بن عبد العزيز بن صهبان مقرئ الإسلام وشيخ العراق في وقته، ويقال إنه أول من جمع القراءات وألفها٤.
وبعد هذه الجهود المباركة وما أوردناه غيض من فيض، يجدر أن نشير هنا إلى جهود العلماء في هذا المجال في عصرنا المحاضر وهو امتداد لما قدمه السلف في التاريخ الإسلامي..
_________________
(١) ١ ويعد من الطبقة الخامسة، المرجع السابق١/١٢٦. ٢ ويعد من الطبقة التاسعة، المرجع السابق١/٢٩٧. ٣ ويعد من الطبقة الثالثة، المرجع السابق١/٧٣. ٤ ويعد من الطبقة السادسة، المرجع السابق١/١٥٧.
[ ٣٣ ]
هذه الجهود - بالإضافة إلى ما للأزهر الشريف من باع في إقراء القرآن وتحفيظه - تتمثل في أعمال مجمع الملك فهد لطباعة مصحف المدينة النبوية وكلية القرآن الكريم بالمدينة المنورة إذ يعملان على إخراج "مصحف كامل" للقراءات المشهورة المتواترة كلها، بأصوات مقرئين سعوديين، وهو إنجاز إن تم على أحسن وجوهه سيكون أو جمع صوتي من نوعه في تاريخ القرآن. ويكون وثيقة مهمة ووسيلة تعليمية فريدة ومرجعا صوتيا لا يستغنى عنه١.
فضل حافظ القرآن الكريم:
لا جرم أن حافظ القرآن الكريم العامل به المتخلق بأخلاقه وآدابه القائم به آناء الليل وأطراف النهار من الأخيار الأبرار.. يقو رسول الهدى، ﷺ: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" ٢.
ويقو: "إن لله أهلين من خلقه قالوا: ومن هم يارسول الله؟ قال:
_________________
(١) ١ جريدة المسلمون عدد٢/٨/١٤٠٧هـ، ص ٦. ٢ رواه البخاري٤/١٩١٩ فضائل القرآن، باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه، عن عثمان ﵁ وأبو داود ٢/١٤٧ الصلاة، باب في ثواب قراءة القرآن، والترمذي٤/٢٣٦ فضائل القرآن، باب ما جاء في تعليم القرآن، وابن ماجه١/٧٦ في المقدمة باب فضل من تعلم القرآن وعلمه.
[ ٣٤ ]
أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" ١.
ويقول ﵇: "يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها" ٢.
وإنه لفضل كبير..وإنها لمنزلة يرنو إليها كل منيب.. وتنقطع إليها خالص الأماني والطموحات الدنيوية والأخروية أن يكون الإنسان من أهل الله ويكرم هذا الإكرام المجيد.
ومن فضائل حافظ القرآن العظيم أن يكرم والداه؛ ففي حديث سهل بن معاذ عن أبيه عن النبي ﷺ، قال: "من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس والداه تاجا يوم القيامة ضوؤه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا لو كانت فيكم، فما ظنكم بالذي عمل بهذا" ٣.
يقول ﵊: "لا حسد إلا في اثنتين:
_________________
(١) ١ فضائل القرآن للنسائي، ص ٨٣ الحديث ٥٦، وأخرجه غيره أيضا. ٢ رواه أبو داود٢/١٥٣، الصلاة باب استحباب الترتيل في القراءة والترمذي ٤/٢٥٠ فضائل القرآن، وابن ماجه١/١٢٤٢ كتاب الأدب باب ثواب القرآن عن عبد الله بن عمرو ﵄. ٣ رواه أبو داود ٢/١٤٨ كتاب الصلاة باب في ثواب قراءة القرآن حديث، رقم١٤٥٣.
[ ٣٥ ]
رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها" ١. والحسد هنا هو الغبطة وأطلق عليها الحسد مجازا وهي: أن يتمنى أن يكون له مثل ما لغيره من غير أن يزول عنه فكأنه قال: لا غبطة أعظم أو أفضل من الغبطة في هذين الأمرين٢، وليس "الإنسان" بمدرك هذه البغية وذلك الفضل الذي يجعله في مصاف "الملائكة" فضلا ودرجة كما يقول الرسول الكريم ﷺ: "مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام، ومثل الذي يقرأ وهو يتعاهده وهو عليه شديد فله أجران" ٣.
أقول ليس بمدرك هذه المنزلة العالية إلا بالعمل لا بالحفظ وحده وإلا فالقرآن كما كان سببا لرفع الدرجات حين التطبيق وحسن العمل فهو كذلك سبب للأخذ الشديد والعقاب الأليم
_________________
(١) ١ متفق عليه: البخاري١/٤٠ كتاب العلم، باب الاغتباط في العلم والحكمة عن عبد الله بن مسعود ﵁، ومسلم١/٥٨٨، صلاة المسافرين، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه. ٢ فتح الباري١/١٦٧. ٣ متفق عليه: البخاري٤/١٨٨٣ التفسير، باب تفسير سورة عبس عن عائشة ﵂، ومسلم١/٥٤٩، صلاة المسافرين، باب فضل الماهر بالقرآن.
[ ٣٦ ]
حين جعل القرآن عضين ولهذا يقول ﵇:
"إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين١" وما أحوج الناس إلى الاعتبار بهذا.
ويقول علي ﵁: " وإن العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق من جهلة، بل الحجة عليه أعظم، والحسرة له ألزم وهو عند الله ألوم"٢.
ويقول حذيفة بن اليمان ﵁: "يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقا بعيدا، وإن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا"٣.
_________________
(١) ١ رواه مسلم في صلاة المسافرين، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه ١/٥٥٩ عن عمر ﵁. ٢ نهج البلاغة ص ١٦٤، ط: بيروت١٩٨٢م. ٣ صحيح البخاري٦/٢٦٥٦، كتاب الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ.
[ ٣٧ ]