من خصائص القرآن الكريم أنه يؤخذ تلقيا عمن تلقاه عن غيره..وحتى رسول الله وهو إمام المقرئين صلوات ربي وسلاماته عليه، كان يأخذ عن جبريل ﵇ عن الله - جل ذكره ـ.
قال السيوطي: ومما يدل للقراءة على الشيخ عرض النبي ﷺ، القرآن على جبريل ﵇ في رمضان كل عام.
[ ٦٤ ]
ولقد نهج الصحابة هذا المنهج، فبعد أن تلقوا القرآن عن رسول الله ﷺ، اشتهر منهم بإقراء القرآن سبعة١قرأ عليهم خلق كثير.
وإلى "منهج الإقراء" يشير قوله ﷺ:"خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبي بن كعب" ٢.
ثم إن بناء المجتمع المسلم - ونحن في مسيس الحاجة إليه اليوم - من أسسه الكبرى ووسائله الأولى وأهدافه المرتجاة "نشر القرآن" بين أفراد الأمة وتعليما وتطبيقا ودعوة..وهذا ما قامت عليه دولة الإسلام على عهد رسول الله ﷺ، قال البراء بن عازب: أول من قدم علينا "يعني المدينة" مصعب بن عمير،
_________________
(١) ١ الإتقان١/٩٩ والحديث في البخاري٤/٢٣٤ كتاب بدء الخلق. ٢ متفق عليه: البخاري٣/١٣٧٢ فضائل الصحابة باب مناقب سالم مولى أبي حذيفة ﵁ عن عبد الله بن عمرو ﵄، ومسلم ٤/١٩١٣ فضائل الصحابة باب من فضائل عبد الله بن مسعود وأمه ﵄.
[ ٦٥ ]
وابن أم مكتوم، وكانا يقرئان الناس١.
ولهذا رأى بعض السلف أنه إذا كان الإنسان يتعلم القراءة من المصحف بمفرده منع منه إذا وجد شيخا يوقفه على ألفاظ القرآن٢.
ومن هذه المنطلقات نوجز الحديث عن المقرئ الأمثل فنقول:
فضلا عن مراعاة الاستقامة وحسن المظهر والمخبر، ونقاء السريرة في الخلوة والجلوة وسلامة النطق بالعربية الفصحى..لابد أن يكون المقرئ ملما بدقائق مهمته ومحيطا بأحوال طلابه وأخطائهم المتوقعة، ويتحرى من جمع بين الدراية والرواية فذاك أزكى وأرجى، وعلى المقرئين مراعاة أمور في عملهم المبارك، لعل أهمها:
أـ المقرئ والقراءات:
ينبغي للمقرئ الابتعاد عن القراءات الشاذة، والالتزام
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ٣/١٤٢٨ فضائل أصحاب رسول الله ﷺ، باب مقدم النبي وأصحابه المدينة. ٢ فضائل القرآن لابن كثير، ص١٣١.
[ ٦٦ ]
لمتواتر المشهور منها١.
ومهما في مفهوم "السبعة الأحرف" الواردة في حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "أقرأني جبريل على حرف فلم أزل استزيده حتى انتهى إلى سبعة أحرف" ٢.
فالذي ينبغي أن يراعيه المقرئ هو التسهيل وعدم حشو ذهن الطالب بالقراءات قبل تمكنه من الحفظ، ولقد كان نافع بن عبد الرحمن٣يسهل القرآن لمن قرأ عليه إلا أن يقول له إنسان
_________________
(١) ١ وهي كما يقول ابن الجزري: "كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا وصح سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ووجب على الناس قبولها سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين" قال السيوطي: وهذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف وصرح به غير واحد وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد خلافه: الإتقان٢/٧٥. ٢ متفق عليه: البخاري٣/١١٧٧ بدء الخلق ذكر الملائكة، ومسلم١/٥٦١، صلاة المسافرين، باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف، وقيل ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد بل المراد التسهيل والتيسير، وذكروا أنها سبعة أوجه على أن غاية ما انتهى إليه عدد القراءات في الكلمة الواحدة إلى سبعة وليس كل كلمة وكل جملة تقرأ على سبعة وليس كل كلمة وكل جملة تقرأ على سبعة أوجه، راجع: فتح الباري٩/٢٣، وفي المسألة شرح مستفيض يطلب في مظانه. ٣ عده الذهبي من الطبقة الرابعة من التابعين: معرفة القراء.
[ ٦٧ ]
أريد قراءتك فيقفه عليها.
وبعد مرحلة إتمام الحفظ إن بدا له دراسة القراءات فيسلك ما كان عليه السلف كانوا يأخذون كل ختمة برواية مستقلة لا يجمعون رواية إلى غيرها إلا أثناء المئة الخامسة حيث ظهر جمع القراءات في الختمة الواحدة، واستقر عليه العمل، ولم يكونوا يسمحون به إلا من أفرد القراءات وأتقن طرقها وقرأ كل قارئ بختمة على حدة١.
المقرئ ومعاملة الطلاب والأطفال خاصة:
الأطفال هم الخامة والمادة الحيوية لحفظ كتاب الله، والإنسان في هذه السن يكون أسرع استجابة في التلقين والتهذيب على السجية، وليتخير من نبهاء الأطفال من يصلح للحفظ، ويراعي بالإضافة إلى تهوئة المكان وصحيته وملاءمة الوقت وألا يكون الطفل جائعا أو في حاجة ويراعي عدم القسوة والعنف البالغ عن الحد ويتجنب السخرية٢.
_________________
(١) ١ الإتقان:١/١٠٢. ٢ قال الدوري: حدثنا الكسائي قال: كنت أقرأ على حمزة فجاء سليم فتلكأت فقال حمزة: تهاب سليما ولا تهابني؟ فقال لي: يا أستاذ أنت إن أخطأت قومتني وهذا إن أخطأت عيرني!! معرفة القراء١/١١٥.
[ ٦٨ ]
ومن أهم ما يحسن النتائج عدد الطلاب إن كان قليلا، ولقد كان الصحابي الجليل أبو الدرداء إذا صلى الغداة في جامع دمشق اجتمع الناس للقراءة عليه، فكان يجعلهم عشرة عشرة، وعلى كل عشرة عريفا ويقف هو في المحراب يرمقهم ببصره، فإذا غلط أحدهم رجع إلى عريفه فإذا غلط عريفه رجع إلى أبي الدرداء يسأله عن ذلك١.
ويستطيع الطفل بدء الحفظ وهو في الخامسة وذلك راجع إلى البيئة التي ينشأ فيها الطالب، ويكون معدل حفظه في السنة الواحدة على ما يقرره ذووا الخبرة ثلاثة أجزاء، ومع زيادة اجتهاد الطفل يصل إلى ثمانية أجزاء سنويا..٢
والأوفق عندي بالنظر إلى بيئاتنا المعاصرة وما طرأ عليها من تجدد في شتى مسالك الحياة، أن يبدأ الطفل بصفة جادة منظمة مع بداية سن الحادية عشرة، وكان زيد بن ثابت الصحابي سيد القراء بدأ حفظه حين مقدم النبي ﷺ المدينة في هذا السن٣وكل ما سبق من مقومات المقرئ الأمثل يقوم على
_________________
(١) ١ معرفة القراء الكبار١/٣٨. ٢ جريدة المسلمون عدد٢٣/١/١٤٠٧هـ، ص٦. ٣ تذكرة الحفاظ١/٣٠.
[ ٦٩ ]
الصبر، والدأب، وسعة الصدر وطول البال وهذه الأوصاف مجتمعة تثمر أزهى الثمار١ومما حفظ التاريخ من جهود السلف أن قالون "من أئمة القراء وقارئ أهل المدينة في زمانه" كان شديد الصمم، بحيث لو رفع إنسان صوته إلى غايته لم يسمع، فكان ينظر إلى شفتي القارئ فيرد عليه اللحن والخطأ!! ٢.
وينبغي ألا يرفع الطلاب أصواتهم فيؤذي بعضهم بعضا بذلك، ومن أدب طالب العلم مراعاة الوقار والاتزان وهو يتلو كتاب الله، وفي حديث أبي سعيد قال: اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر، وقال: "ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا ولا يرفع على بعض في القراءة" ٣.
_________________
(١) ١ نشرت جريدة المسلمون خبرا عن طفل في السابعة يحفظ كامل القرآن الكريم، يقول الطفل: كان والدي يقرأ أمامي بعض آيات القرآن وأرددها من خلفه وكنت أخطئ ولا يمل والدي من تصحيح الأخطاء لي حتى أنطق نطقا صحيحا وهكذا حفظت القرآن في ثلاث سنوات: جريدة المسلمون عدد ٢/٨/١٤٠٧هـ، ص ٦. ٢ معرفة القراء الكبار١/١٢٩. ٣ رواه أبو داود ٢/٨٣ في كتاب الصلاة باب في رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل، حديث رقم ١٣٣٢.
[ ٧٠ ]
خـ المقرئ وأخذ الأجرة:
للفقهاء إجمالا ثلاثة آراء حول أخذ الأجرة على تعليم القرآن:
الرأي الأول: عدم جواز ذلك، لأن الأحاديث المجيزة له منسوخة بالأحاديث الواردة بالوعيد على أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وهذا رأي ظاهر الوهن ولا بد للنسخ من شروط من تأخر الناسخ وتقدم المنسوخ وعدم إمكان العمل بالخبرين في آن واحد..إلخ. وهذا غير متعين هنا فلا يعتد بهذا الرأي.
الرأي الثاني: بعدم الجواز في التعليم والجواز في الرقية قياسا على الدواء وعليه الأحناف، قالوا: لأن تعليم القرآن عبادة والأجر فيها على الله، والرقية مثل ذلك إلا أنا أجزناها لحديث ابن عباس "الآتي".
الرأي الثالث: بجواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن استدلالا بحديث ابن عباس أن النبي ﷺ، قال: "إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله" ١وهذا هو الرأي الراجح وعليه الجمهور٢،
_________________
(١) ١ رواه البخاري٥/٢١٦٦، كتاب الطب باب الشرط في الرقية بقطيع من الغنم. ٢ فتح الباري٤/٤٥٣.
[ ٧١ ]
وهذا في حالة عدم الاشتراط، ولا يرد خاصة إذا كان محتاجا إلى ما يقيم أوده، وقد أورد الذهبي أن الحسين بن عثمان أبا علي الضرير المقرئ من الطبقة التاسعة كان يأخذ على الإنسان الختمة بدينار..١
جاء في مصنف ابن أبي شيبة عن الوضين بن عطاء قال: كان بالمدينة ثلاثة معلمين يعلمون الصبيان فكان عمر بن الخطاب ﵁ يرزق كل واحد منهم خمسة عشر كل شهر، وقال حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم، قال: كان يكره أن يشارط المعلم على تعليم الصبيان القرآن٢.
أما "الاشتراط" فيقول عنه السيوطي: ما أعتاده كثير من مشايخ القراء من امتناعهم من الأجازة إلا بأخذ مال في مقابلها لا يجوز إجماعا، بل إن علم أهليته وجب عليه الإجازة أو عدمها حرم عليه، وليست الإجازة مما يقابل بالمال إلا أن يهدي إليه من غير اشتراط فيجوز٣.
وإذا كان هذا في الإجازة فمثلها التعليم والإقراء والله أعلم.
_________________
(١) ١ معرفة القراء الكبار١/٢٠٩. ٢ مصنف ابن أبي شيبة٤/٣٤١ "٢٠٨٣٥" و"٢٠٨٣٦". ٣ الإتقان١/١٠٣.
[ ٧٢ ]