وبالبصرة: عبد الله بن أبي إسحاق (^١)، وأبو عمرو بن العلاء، وعاصم الجحدري، ويعقوب الحضرمي/.
ثمّ إنّ القرّاء بعد ذلك تفرّقوا في البلاد، وخلفهم أمم بعد أمم إلاّ أنّه كان فيهم المتقن وغيره فلذا كثر الاختلاف، وعسر الضّبط، وشق الائتلاف، وظهر التّخليط، وانتشر التّفريط، وأشتبه متواتر القراءات بفاذّها، ومشهورها بشاذّها، فمن ثمّ وضع الأئمة لذلك ميزانا يرجع إليه ومعيارا يعوّل عليه، وهو: السّند، والرّسم، والعربيّة، فكل ما صح سنده، واستقام وجهه في العربية، ووافق لفظه خطّ المصحف الإمام، فهو من السّبعة المنصوصة، فعلى هذا الأصل بني قبول القراءات عن سبعة كانوا أو سبعة آلاف، ومتى فقد شرط من هذه الثّلاثة فهو شاذ، هذا لفظ الكوّاشي (^٢) كما رأيته في أوّل تفسيره (^٣).
ومراده باستقامة وجهه في العربية سواء كان راجحا أو مرجوحا؛ كقراءة حمزة «والأرحام» بالجر، وقراءة أبي جعفر «ليجزى قوما» (^٤)، والفصل بين المضافين في قوله - تعالى -: ﴿وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ … الآية (^٥) بالأنعام، وغير ذلك مما سيأتي بيانه إن شاء الله - تعالى -.
وأمّا قوله: "ووافق لفظه خطّ المصحف الإمام" ففيه نظر من جهة تقييده بالإمام، وهو مصحف عثمان ﵁ الذي أمسكه لنفسه؛ لأنّ المعتمد موافقة أحد المصاحف العثمانية كما في النّشر وغيره، ويدل لذلك نحو: «تجرى من تحتها»
_________________
(١) الحضرمي النحوي البصري جد يعقوب، أخذ عن يحيى بن يعمر، ونصر بن عاصم، وروى عنه عيسى بن عمر وأبو العلاء، مات سنة ١٢٩، انظر: الغاية ١/ ٤١٠.
(٢) أحمد بن يوسف بن الحسن، الشيباني، موفق الدين الكواشي، من فقهاء الشافعية، ألف: التبصرة، وكشف الحقائق، ولد سنة: ٥٩٠، ومات سنة: ٦٨٠، الأعلام ١/ ٢٧٤.
(٣) الفتح ٩/ ٣٢، النشر ١/ ٤٤.
(٤) النساء: ١، الجاثية: ١٤، على الترتيب.
(٥) الأنعام: ١٣٧.
[ ١ / ١٥٩ ]
﴿الْأَنْهارُ﴾ (^١) بسورة التّوبة بزيادة ﴿مِنَ﴾ في المصحف المكي دون غيره، ﴿وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ﴾ بزيادة الباء في الاسمين في المصحف الشّامي دون غيره، وبالأولى قرأ ابن كثير، وبالثّانية قرأ ابن عامر، ولم يقل أحد: بأنّ ذلك شاذ.
ثمّ إنّ الموافقة المذكورة معمول بها سواء كانت تحقيقا كقراءة «ملك يوم الدّين» بغير ألف أو تقديرا كقراءة الألف فإنّها كتبت بغير ألف في جميع المصاحف فاحتملت الكتابة أن تكون ﴿مالِكِ﴾، وفعل بها كما فعل بنحو ﴿صالِحُ﴾ ممّا حذفت الألف منه اختصارا، ويأتي مزيد بيان لذلك إن شاء الله - تعالى - في الجزء الخامس من الوسائل.
وأمّا ما صحّ سنده: فهو ما نقله العدل الضّابط عن مثله كذلك إلى منتهاه مع اشتهاره عند أئمة هذا الشّأن الضّابطين له، وهو غير معدود عندهم من الغلط ولا ممّا شذّ به بعضهم.
فإذا اجتمعت هذه الثّلاثة في قراءة وجب قبولها، وحرم ردّها؛ سواء كانت عن السّبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، نصّ على ذلك الدّاني، والمهدوي/، ومكي، وأبو شامة وغيرهم (^٢) ممن يطول ذكره.
إلاّ أنّ بعضهم لم يكتف بصحّة السّند بل اشترط مع الرّكنين المذكورين التّواتر.
والمراد بالتّواتر: ما رواه جماعة عن جماعة يمتنع تواطئهم على الكذب من البداءة إلى المنتهى من غير تعيين عدد، هذا هو الصّحيح، وقيل: بالتّعيين ستّة أو اثنا عشر، أو عشرون، أو أربعون، أو سبعون، أقوال، وقد زعم هذا القائل: أنّ ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت به قرآن، وعورض: بأنّ التّواتر أثبت لا يحتاج إلى الركنين الآخرين من الرّسم والعربية لأنّ ما ثبت متواترا قطع بكونه قرآنا سواء وافق الرسم
_________________
(١) التوبة: ١٠٠.
(٢) انظر: بين السبب الموجب: ١٤٩، الإبانة: ٥١، المرشد: ١٤٧، النشر ١/ ١٣.
[ ١ / ١٦٠ ]
أم خالفه، وتعقبه الشيخ أبو القاسم النويري المالكي فقال: "عدم اشتراط التّواتر قول حادث مخالف لإجماع الفقهاء والمحدثين وغيرهم؛ لأنّ القرآن عند الجمهور من أئمة المذاهب الأربعة منهم: الغزالي، وصدر الشريعة (^١)، وموفق الدين المقدسي (^٢)، وابن مفلح (^٣) هو:" ما نقل بين دفتي المصحف نقلا متواترا "، وكلّ من قال بهذا الحدّ اشترط التواتر كما قال ابن الحاجب (^٤)، وحينئذ فلا بد من حصول التّواتر عند الأئمة الأربعة، ولم يخالف منهم أحد فيما علمت، صرّح بذلك جماعات كابن عبد البر (^٥)، وابن عطية، والنّووي (^٦)، والزّركشي (^٧)، والسّبكي (^٨)، والأسنوي (^٩)، والأذرعي (^١٠)،
_________________
(١) صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود بن محمود البخاري، فقيه حنفي، أخذ عن جده، والسرخسي، والنص في كتابه التوضيح ١/ ٢٦، توفي سنة ٧٤٧ هـ، انظر: الأعلام ٤/ ٣٥٤.
(٢) روضة الناظر ١/ ٣٣، نصر بن إبراهيم بن نصر النابلسي، أبو الفتح، شيخ الشافعية، ولد قبل سنة ٤١٠ هـ، سمع من المزني، والأهوازي، صنف الحجة على تارك المحجة، حدث عنه محمد بن طاهر وبكر بن العربي، مات سنة ٤٩٠ هـ، انظر السير ١٩/ ١٣٦، طبقات السبكي ٥/ ٣٥١.
(٣) محمد بن مفلح بن محمد الصالحي، ولد سنة ٧٠٨ هـ، أخذ عن المزي والذهبي، ألف المقنع، والآداب الشرعية والنص فيه ٢/ ٢٧٥، مات سنة ٧٦٣ هـ، الأعلام ٧/ ٣٢٧.
(٤) شرح مختصر ابن الحاجب ١/ ٤٦٩، هو أبو عمر، عثمان بن عمر بن أبي بكر، ولد سنة ٥٧٠ هـ، أخذ بعض القراءات عن الشاطبي، وقرأ على أبي الجود، والقاسم بن عساكر، حدث عنه المنذري والدمياطي، مات سنة ٦٤٦ هـ، انظر: السير ٢٣/ ٢٦٤، وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٨.
(٥) أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الأندلسي، ولد سنة ٣٦٨ هـ، سمع من ابن عبد المؤمن، وإسماعيل الصفار، حدث عنه محمد بن حزم، والحميدي، ألف التمهيد، والاستذكار وغيرهما، مات سنة ٤٦٣ هـ، انظر: السير ١٨/ ١٥٣، جذوة المقتبس: ٣٦٧.
(٦) المجموع ٣/ ٩٨٢، يحيى بن شرف النووي، محيي الدين، ولد سنة ٦٣١ هـ، فقيه شافعي، ألف الكثير من أشهرها شرح مسلم، وروضة الطالبين، مات سنة ٦٧٦ هـ، انظر: الأعلام ٨/ ١٤٩.
(٧) البحر المحيط ١/ ٦٦٤، محمد بن بهادر بن عبد الله، فقيه شافعي، ولد سنة ٧٤٥ هـ، له لقطة العجلان، والبحر المحيط، مات سنة ٧٩٤ هـ، انظر: الأعلام ٦/ ٦٠، الدرر الكامنة ٣/ ٣٩٧.
(٨) منع الموانع: ٤٣٣، علي بن عبد الكافي بن علي السبكي، ولد سنة ٦٨٣، فقيه شافعي، ولي القضاء، وله شرح المنهاج وغيره، مات سنة ٧٥٦ هـ، الأعلام ٤/ ٣٠١، الطبقات ٦/ ١٤٦.
(٩) نهاية السول ٣/ ٩٤٨، إبراهيم بن هبة الله بن علي الحميريا لأسنوي، قاض شافعي، له شرح المنتخب وغيرها، مات سنة ٧٢١ هـ، انظر: الأعلام ١/ ٧٨، طبقات الشافعية ٦/ ٨٣.
(١٠) أحمد بن حمدان بن عبد الواحد بن عبد الغني الأذرعي، فقيه شافعي من تلاميذ الذهبي، -
[ ١ / ١٦١ ]
وعلى ذلك أجمع القراء في أوّل الزمان، وكذا في آخره، ولم يخالف من المتأخرين إلاّ مكّي وتبعه بعض المتأخرين" (^١) اه.
وهذا بالنّظر لمجموع القرآن وإلاّ فلو اشترطنا التّواتر في كلّ فرد فرد من أحرف الخلاف انتفى كثير من القراءات الثّابتة عن هؤلاء الأئمة السّبعة وغيرهم.
قال في (المنجد): "والقراءة الصحيحة على قسمين:
قسم صحّ سنده، ووافق العربية والرسم، وهو على ضربين: ضرب استفاض نقله، وتلقّاه الأئمة بالقبول، كما انفرد به بعض الرواة، أو بعض الكتب المعتبرة، أو كمراتب القراء في المد ونحو ذلك، قال: فهذا صحيح مقطوع به أنّه منزّل على النّبي ﷺ، وهذا الضّرب يلتحق بالقراءة المتواترة وإن لم يبلغ مبلغها (^٢).
والعدل الضّابط إذا انفرد بشيء تحتمله العربية والرّسم واستفاض وتلقّي بالقبول قطع به وحصل به العلم، وهذا قاله الأئمة في الحديث: المتلقّى بالقبول أنّه يفيد القطع، وبحثه ابن الصلاح في (علوم الحديث) وظنّ أنّ أحدا لم يسبقه إليه (^٣)، وقد قاله قبله الشيخ أبو إسحاق الشيرازي (^٤)، ونقله/ابن تيمية (^٥) عن جماعة منهم القاضي عبد الوهاب المالكي، والشيخ أبو إسحاق الإسفرايني (^٦)، وأبو الطيب
_________________
(١) = - ولد سنة ٧٠٨ هـ، وألف غنية المحتاج في شرح المنهاج، وقوت المحتاج، مات سنة ٧٨٣ هـ، انظر: معجم المؤلفين ١/ ١٥١، البدر الطالع ١/ ٣٥، الأعلام ١/ ١١٩، الدرر الكامنة ١/ ١٢٥.
(٢) شرح الطيبة للنويري ١/ ١١٩، والكلام بتصرف كبير.
(٣) منجد المقرئين: ٨١.
(٤) المحاسن أو مقدمة ابن الصلاح: ١٧٠.
(٥) اللمع: ٢١٠، إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي، أبو إسحاق، ولد في فيروزاباد بفارس، وانتقل إلى شيراز فقرأ على علمائها، بنى له الوزير نظام الملك المدرسة النظامية على شاطئ دجلة، وله تصانيف كثيرة منها: التنبيه والمهذب في الفقه الشافعي، وطبقات الفقهاء، وغيرها، مات ببغداد سنة ٦١٨ هـ، انظر الأعلام ١/ ٥١، وفيات الأعيان ١/ ٤.
(٦) مجموع الفتاوى ١٨/ ٤٠.
(٧) إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران، أبو إسحاق، ركن الدين، نشأ في أسفرايين، ثم خرج -
[ ١ / ١٦٢ ]
الطبري (^١)، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية، وابن حامد (^٢)، وأبو يعلى (^٣)، وأبو الخطاب (^٤)، وابن الزاغوني (^٥) من الحنابلة، وشمس الأئمة السّرخسي (^٦) من الحنفية.
قال ابن تيمية: وهو مذهب أهل الكلام من الأشعرية كالإسفراييني، وابن فورك (^٧)، ومذهب أهل الحديث قاطبة، ومذهب السّلف عامة (^٨).
_________________
(١) = - إلى نيسابور، له كتاب الجامع في أصول الدين، وكان ثقة في رواية الحديث مات في نيسابور سنة ٤١٨ هـ، الأعلام ١/ ٦١، وفيات الأعيان ١/ ٤، شذرات الذهب ٣/ ٢٠٩.
(٢) طاهر بن عبد الله بن طاهر الطبري، أبو الطيب: قاض، من أعيان الشافعية، ولد في آمل طبرستان سنة ٣٤٨ هـ، ولي القضاء بربع الكرخ، وتوفي ببغداد، له شرح مختصر المزني في الفقه، مات سنة ٤٥٠ هـ، الأعلام للزركلي ٣/ ٢٢٢، وفيات الأعيان ١/ ٢٣٣.
(٣) الحسن بن حامد بن علي بن مروان البغدادي، أبو عبد الله، إمام الحنابلة في زمانه، من أهل بغداد، مات سنة ٤٠٣ هـ، من مصنفاته الجامع في فقه ابن حنبل، وشرح أصول الدين، انظر: الأعلام للزركلي ٢/ ١٨٧، النجوم الزاهرة ٤/ ٢٣٢، طبقات الحنابلة ٢/ ١٧١.
(٤) محمد بن الحسين بن محمد بن خلف ابن الفراء، أبو يعلى، عالم عصره، ولد سنة ٣٨٠ هـ، من تصانيفه: الأحكام السلطانية، والكفاية في أصول الفقه، مات سنة ٤٥٨ هـ، الأعلام للزركلي ٦/ ٩٩، الوافي بالوفيات ٣/ ٧، شذرات الذهب ٣/ ٣٠٦.
(٥) محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني، أبو الخطاب، إمام الحنابلة في عصره، ومولده سنة ٤٣٢ هـ، ووفاته ببغداد سنة ٥١٠ هـ، من كتبه التمهيد في أصول الفقه، والانتصار في المسائل الكبار، انظر: الأعلام للزركلي ٥/ ٢٩١، النجوم الزاهرة ٥/ ٢١٢.
(٦) هكذا في الأصل و(ق)، وفي باقي النسخ [الزعفراني]، وهو خطأ، وزاغون من قرى بغداد، وهو: علي بن عبيد الله بن نصر بن السري، أبو الحسن ابن الزاغوني، من أعيان الحنابلة، من أهل بغداد، ولد سنة ٤٥٥ هـ، وكان متفننا في علوم شتى، من كتبه الإقناع والواضح في الفقه، وغيرها، مات سنة ٥٢٧ هـ، انظر: الأعلام للزركلي ٤/ ٣١٠، شذرات الذهب ٤/ ٨٠.
(٧) محمد بن أحمد بن سهل، أبو بكر، شمس الإئمة: قاض، من كبار الأحناف، مجتهد، من أهل سرخس في خراسان، من أشهر كتبه المبسوط، شرح السير الكبير، والأصول في أصول الفقه، توفي سنة ٤٨٣ هـ، انظر: الأعلام للزركلي ٥/ ٣١٥، الجواهر المضية ٢/ ٢٨٠.
(٨) محمد بن الحسن بن فورك الأنصاري الأصبهاني، أبو بكر، واعظ عالم بالأصول، والكلام، من فقهاء الشافعية. سمع بالبصرة وبغداد. وحدث بنيسابور، وبنى فيها مدرسة. وتوفي على مقربة منها سنة ٤٠٦ هـ، له كتب كثيرة منها مشكل الحديث وغريبه، انظر: الأعلام للزركلي ٦/ ٨٣.
(٩) منجد المقرئين: ٩١، الفتاوى ١٨/ ٤١.
[ ١ / ١٦٣ ]
فتلخص من ذلك أنّ خبر العدل الواحد الضّابط إذا حفّته القرائن أفاد العلم.
والضرب الثّاني: الذي صحّ ولم تتلقه الأمة بالقبول ولم يستفض، فالذي يظهر من كلام كثير من العلماء جواز القراءة به والصّلاة.
والقسم الثّاني من القراءة الصحيحة: ما وافق العربية، وصحّ سنده، وخالف الرسم، كما ورد في الصحيح (^١) من زيادة [و] (^٢) نقص، وإبدال كلمة بأخرى، ونحو ذلك مما جاء عن ابن مسعود وغيره، فهذه القراءة تسمّى اليوم شاذة لكونها شذّت عن رسم المصحف المجمع عليه، وإن كان إسنادها صحيحا فلا تجوز القراءة بها لا في الصّلاة ولا في غيرها (^٣).
وأمّا ما وافق المعنى والرّسم أو أحداهما من غير نقل فلا يسمى شاذّا بل مكذوب يكفر متعمده" (^٤)، اه.
[وقد استشكل الكمال ابن الهمام (^٥) في (تحريره) ضبط القراء باستقامة الوجه في العربية فقال: "إن أرادوا الوجه الذي هو الجادة لزم شذوذ قراءة ابن عامر «وكذلك زيّن لكثير مّن المشركين» (^٦) وإن أرادوا وجها لا بتكلف شذوذ وخروج عن الأصول فممكن"] (^٧)، والجمهور على تحريم القراءة به، وأنه إن
_________________
(١) كما في حديث عمر بن الخطاب في البخاري (٤٩٩٢)، وحديث عبد الله بن مسعود في البخاري (٢٤١٠، ٥٠٦٢).
(٢) في منجد المقرئين: ٨٢، ذكر اختلاف النسخ واختار [لا] في النص، وفي (ج) [أو].
(٣) منجد المقرئين: ٨٢.
(٤) المنجد ٤٠، ٤٢، ٤٩، والنقل بتصرف كبير.
(٥) محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد، الفقيه الحنفي، ولد سنة ٧٨٨ هـ، أخذ من سراج الدين قارئ الهداية وابن الشحنة، أخذ عنه ابن أمير حاج، وابن الشحنة، ألف شرح فتح القدير، وغيره مات سنة ٨٦١ هـ، انظر، فوات الوفيات ٢/ ٢٣٨، الإعلام ٦/ ٢٥٥.
(٦) الأنعام: ١٣٧.
(٧) ما بين المعقوفين من الأصل وفي النسخ الأخرى بدله: [وقد أجمع الأصوليون والفقهاء وغيرهم: على أن الشاذ ليس بقرآن لعدم صدق حد القرآن عليه أو شرطه وهو التواتر، صرح -
[ ١ / ١٦٤ ]
قرأ بها غير معتقد أنّه قرآن، ولا موهم أحدا ذلك؛ بل لما فيه من الأحكام الشرعية عند من يحتج به أو الأحكام [الأدبية] (^١) فلا كلام في جواز قراءته، وعلى هذا [يحمل من قرأ به] (^٢) من المتقدمين [على وجه التعليم والوقوف على ما يروى من علم الخاصة] (^٣) وكذلك يجوز تدوينه في الكتب والتّكلم على ما فيه.
فإن قرأه معتقدا قرآنيته أو موهما ذلك حرم عليه ذلك.
وقال النّووي: "لا تجوز القراءة به، وأجمعوا على أنّه لم يقرأ به في الصّلاة ولا غيرها لأنّ الشّاذ ليس بقرآن، فلو خالف وقرأ بالشّاذ أنكر عليه سواء قرأ به في الصّلاة أو غيرها"، كذا قال في (الفتاوى)، و(التبيان).
ونقل ابن عبد البر في (التمهيد) إجماع المسلمين عليه، فإن قرأ به جاهلا بالتّحريم عرّف، فإن عاد عزّر تعزيرا بليغا إلى أن ينتهي عن ذلك.
وقال ابن الصّلاح في (فتاويه): "وهو ممنوع من القراءة بما زاد على العشر منع تحريم لا منع كراهة في الصّلاة وخارجها عرف المعنى/أم لا، ويجب على كلّ أحد إنكاره، ومن أصرّ عليه وجب منعه وتأثيمه، وتعزيره بالحبس وغيره، وعلى الممكّن من ذلك أن لا يمهله" (^٤).
وقال ابن الحاجب في جواب فتوى: "لا تجوز القراءة بالشاذ في الصلاة ولا غيرها، فإن كان جاهلا بالتحريم عرّف به وأمر بتركه، وإن كان عالما أدّب بشرطه، وإن أصر أدّب على إصراره وحبس إلى أن يرتدع" (^٥) اه.
_________________
(١) = - بذلك الغزالي، وابن الحاجب، والقاضي عضد الدين، والنووي، والسخاوي في جمال القراء].
(٢) ما بين المعقوفين من (ق)، وهو ما في الإتحاف ١/ ٨، وفي باقي النسخ [الأينية].
(٣) في (ق) [يحمل من قراءته]، وفي باقي النسخ ما عدا الأصل [يحمل كل من قرأ بها].
(٤) ما بين المعقوفين سقط من الأصل، وفي (ج، ت) [أو على …].
(٥) التبيان: ١٢٣ والمجموع ٣/ ٢٥٨ للنووي، التمهيد ٨/ ٢٩٣، فتاوى ابن الصلاح ١/ ٢٣١.
(٦) منجد المقرئين: ٨٦.
[ ١ / ١٦٥ ]
وقد صرّح بالتحريم الأذرعي (^١)، والزركشي، والإسنوي، والدميري (^٢)، والنشائي [في (جامع المختصرات)] (^٣).
وقال الحافظ ابن حجر في جواب استفتاء: "تحرم القراءة بالشواذ، وفي الصّلاة أشد، ولا نعرف خلافا عن أئمة الشافعية في تفسير الشاذ: أنّه ما زاد على العشر، بل منهم من ضيق فقال: ما زاد على السّبع، وهو إطلاق الأكثر منهم، ولا ينبغي للحاكم خصوصا قاضي الشّرع أن يترك من يجعل ذلك ديدنه بل يمنعه بما يليق به، فإن أصرّ فبما هو أشدّ كما فعل السّلف بالإمام أبي بكر بن شنبوذ مع جلالته، فإنّ الاسترسال في ذلك غير مرضي، وشأن أولياء الأمور على ذلك صيانة لكتاب الله - تعالى -" (^٤).
وأمّا الصّلاة به، فقال في (الرّوضة): "وتصحّ بالشّاذ إن لم يكن فيها تغيير معنى، ولا زيادة حرف ولا نقصانه" (^٥)، وهذا هو المعتمد وبه الفتوى، وكذا قال في (التّحقيق) (^٦).
وقال الروياني (^٧) في (البحر): "إن لم يكن فيه تغيير معنى لم تبطل، وإن كان فيها
_________________
(١) في جميع النسخ ما عدا (الأصل، ق، ط) [الأوزاعي].
(٢) محمد بن موسى بن عيسى بن علي الدميري، أبو البقاء، كمال الدين، فقيه شافعي، أقام بالحرمين مدة، له النجم الوهاج في الفقه، وحياة الحيوان، الأعلام ١/ ١١٨.
(٣) ما بين المعقوفين في باقي النسخ [والترمذي في جامع المختصرات] وهو خطأ، والنشائي هو: كمال الدين، أحمد بن عمر بن أحمد بن مهدي، النشائي المدلجي المصري، نسبة إلى نشا، توفي سنة ٧٥٧، كشف الظنون: ٨٦٩، الإعلام ١/ ١٨٦.
(٤) ملحق المنجد: ٢٤٣.
(٥) روضة الطالبين ١/ ٢٤٢، أسنى المطالب ١/ ١٥١.
(٦) أي كتاب التحقيق في الفقه الشافعي للإمام النووي، والكتاب مطبوع بدار الجيل، ونص القول ٤٦ /أ:" تجوز القراءة بالسبع دون الشواذ، فإن قرأ بشاذ صحت صلاته إن لم يغير معنى ولا زاد حرفا ولا نقصه، وإن لحن ولم يغير معنى كره، فإن تعمده حرم وصحت صلاته، وإن غير كضم «أنعمت» أو كسرها لم تصح قراءته وتبطل صلاته إن تعمد ".
(٧) عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد، أبو المحاسن، فخر الإسلام الروياني، فقيه شافعي، من أهل رويان بنواحي طبرستان، ولد سنة ٤١٥ هـ، رحل إلى بخارى، وغزنة، ونيسابور، وبلغ -
[ ١ / ١٦٦ ]
زيادة كلمة أو تغيير فيجري مجرى أثر عن الصّحابة، أو خبر عن النّبي ﷺ، فإن كان عمدا بطلت صلاته، أو سهوا سجد للسهو".
قال الزركشي:" وينبغي أن يكون هذا التفصيل في قراءة الفاتحة لا غيرها".
وقال مالك:" من قرأ بقراءة ابن مسعود وغيره من الصّحابة مما يخالف المصحف لم يصلّ وراءة " (^١).
وقال في (المدونة):" من صلّى بقراءة ابن مسعود أعاد أبدا " (^٢).
وقال ابن شاس (^٣):" ومن قرأ بالقراءة الشاذة لم تجزءه، ومن ائتمّ به أعاد أبدا".
ونحوه قول ابن الحاجب:" والذي أفتى به علماء الحنفية: بطلان الصلاة إن غيّر المعنى، وصحّتها إن لم يغيّر، من كلّ قراءة شاذة " (^٤) انتهى.
وقد أجمع الأصوليون والفقهاء وغيرهم: على أنّ الشّاذ ليس بقرآن لعدم صدق حدّ القرآن عليه أو شرطه وهو التّواتر، صرّح بذلك الغزالي، وابن الحاجب، والقاضي عضد الدّين، والنّووي، والسّخاوي في (جمال القراء)، وأجمعوا على أنّه لم يتواتر شيء ممّا زاد على العشرة، ونقل البغوي في تفسيره (^٥) /: الاتفاق على جواز القراءة
_________________
(١) = - من تمكته في الفقه أن قال: لو احترقت كتب الشافعي لأمليتها من حفظي، له تصانيف، منها: بحر المذهب من أطول كتب الشافعيين، والكافي، مات سنة ٥٠٢ هـ، الأعلام ٤/ ١٧٥، وفيات الأعيان ١/ ٢٩٧، طبقات الشافعية ٤/ ٢٦٤، انظر: بحر المذهب ٢/ ٣٢٩.
(٢) البيان والتحصيل ٩/ ٣٧٤.
(٣) تهذيب مسائل المدونة ١/ ٩٦.
(٤) في (ق) الرشاش، وفي (ط) ابن عباس، وهو تصحيف، وفي باقي النسخ [الشاسي]، هو عبد الله بن محمد بن نجم بن شاس، نجم الدين، من أهل دمياط، شيخ المالكية في عصره بمصر، كان من كبار الأئمة، أخذ عنه الحافظ المنذري، توفي مجاهد أثناء حصار الفرنج لدمياط، من مصنفاته: الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة في الفقه، اختصره ابن الحاجب، انظر: شجرة النور: ١٦٥ وفيها أن وفاته سنة ٦١٠ هـ، والأعلام للزركلي ٤/ ٢٦٩، وشذرات الذهب ٥/ ٦٦٩.
(٥) منجد المقرئين: ٨٦.
(٦) تفسير البغوي ١/ ٣٨، النشر ١/ ٤٤.
[ ١ / ١٦٧ ]
بقراءة يعقوب وأبي جعفر مع السّبعة المشهورة، ولم يذكر خلفا لأنّ قراءته لا تخالف في حرف، فقراءته مندرجة معهم، كذا قال الإمام السّبكي في (شرح منهاج النووي) (^١) في صفة الصلاة، بل قال في (النشر):" تتبّعت اختيار خلف فلم أره يخرج عن قراءة الكوفيين في حرف واحد، بل ولا عن حمزة والكسائى وأبي بكر إلاّ في حرف واحد، وهو قوله تعالى في الأنبياء: ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ﴾ قرأها كحفص والجماعة بألف، وروى عنه القلانسي في (إرشاده) السكت بين السّورتين فخالف الكوفيين " (^٢)، والله أعلم.
وأمّا قول شيخ الإسلام أبي زكريا النووي في (التبيان):" ولا يجوز بغير السّبع ولا بالرّوايات الشّاذة المنقولة عن القرّاء السّبعة " (^٣)، فقال ابن الجزري في (المنجد):
"قد أباه الأئمة المحققون والفقهاء المدققون، إذ [مدار] (^٤) صحة القراءة عندهم الأركان الثّلاثة المتقدمة، فهو الحق الذي لا محيد عنه، والحق أحق أن يتبع " (^٥) اه.
وقال الإمام أثير الدين، أبو حيان:" لا نعلم أحدا من المسلمين حظر القراءة بالثّلاث الزائدة على السّبع، وهي: قراءة يعقوب، واختيار خلف، وقراءة أبي جعفر يزيد بن القعقاع:
فأما قراءة يعقوب: فإنه قرأ بها على سلاّم الطّويل، وقرأ سلاّم على أبي عمرو بن العلاء، فسلاّم كواحد ممن قرأ على أبي عمرو كأبي محمد اليزيدي وغيره، وقرأ سلاّم أيضا على عاصم بن أبي النجود فسلاّم كواحد ممن قرأ على عاصم كأبي بكر بن عياش وغيره.
_________________
(١) شرح السبكي على منهاج الطالبين سماه الابتهاج، وصل فيه إلى أوائل كتاب الطلاق، ثم أكمله ابنه بهاء الدين، انظر: كشف الظنون ٢/ ١٨٧٣، انظر: شرح السبكي ٦٧ /ب.
(٢) الأنبياء: ٩٥، النشر: ١/ ٢١٧.
(٣) التبيان: ٩٧.
(٤) هكذا في (ق، أ) [مواد]، وفي (ط) [مورد]، وما أثبته هو ما في المنجد ١٧٩.
(٥) المنجد: ١٧٩.
[ ١ / ١٦٨ ]
وأمّا [اختيار] (^١) خلف: فهو وإن خالف حمزة فقد وافق واحدا من الستّة القراء.
وأمّا أبو جعفر: فروى عنه قراءته أحد الأئمة السّبعة وهو نافع، وقرأ بها القرآن ورواها عنه جماعة كقالون.
وقدّم ورع المسلمين عبد الله بن عمر أبا جعفر يؤم النّاس بالكعبة فصلّى وراءه عبد الله بن عمر " (^٢) اه.
وقال الشيخ تاج الدين ابن السّبكى في بعض فتاويه:" القراءات السّبع التي اقتصر عليها الشّاطبي والثّلاثة التي هى قراءة أبى جعفر، وقراءة يعقوب، وقراءة خلف متواترة معلوم من الدين بالضّرورة أنّه منزّل على رسول الله ﷺ لا يكابر في شيء من ذلك إلاّ جاهل، وليس تواتر شيء منها مقصورا على من قرأ بالرّوايات بل هي متواترة عند كلّ مسلم يقول: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، ولو كان مع ذلك عاميّا جلفا لا يحفظ من القرآن حرفا، ولهذا/تقرير طويل وبرهان عريض لا تسعه هذه الورقة، وحظّ كلّ مسلم وحقّه أن يدين الله تعالى، ويجزم يقينه بأنّ ما ذكرناه متواتر معلوم باليقين لا تتطرق الظّنون، ولا الارتياب إلى شيء منه " (^٣) أه.
وقال ابن العربي:" ليست هذه السّبعة متعينة للجواز حتى لا يجوز غيرها كقراءة أبي جعفر وغيره ممن هو مثلهم أو فوقهم " (^٤) أه.
ومن له اطّلاع على هذا الشّان يعرف أنّ الذين قرءوا هذه القراءات العشرة وأخذوها عن الأمم المتقدّمين كانوا أمما لا تحصى، وطوائف لا تستقصى، والذين أخذوا عنهم أيضا أكثر، وهلم جرّا إلى زماننا هذا (^٥).
_________________
(١) في (الأصل، ق، ط) [اختلاف]، وفي باقي النسخ والمنجد: ١٠٩ [اختيار].
(٢) المنجد ١٠٨ وما بعدها.
(٣) نص الفتوى ومناقشة ابن الجزري لها في النشر ١/ ٦٦، وما بعدها.
(٤) القبس لابن العربي ١/ ٤٠٠، المرشد: ٩٧، النشر ١/ ٣٧، الإتقان ٢/ ٥٢٥.
(٥) النشر ١/ ٣٧.
[ ١ / ١٦٩ ]
فقد علم مما ذكر أنّ السّبع متواترة اتفاقا، وكذا الثّلاثة بعدها بخلف، وأنّ الأربعة بعدها شاذة اتفاقا.
لكن خالف صاحب (البديع) من متأخري الحنفية كما نقله العلامة الكمال ابن أبي شريف (^١): فاختار أنّ السبع مشهورة.
ونقل السروجي الحنفي (^٢) في باب الصوم من كتابه (الغاية شرح الهداية) عن المعتزلة أنّها أحاد، وعن جميع أهل السّنة: أنّها متواترة.
فإن قلت: الأسانيد إلى الأئمة السّبعة، وأسانيدهم إلى النّبي ﷺ على ما في كتب القراءات أحاد لا تبلغ عدد التّواتر فمن أين جاء التّواتر؟.
أجيب: بأنّ انحصار الأسانيد المذكورة في طائفة لا يمنع مجيء القراءات عن غيرهم، وإنّما نسبت القراءات إلى الأئمة ومن ذكر في أسانيدهم والأسانيد إليهم لتصدّيهم لضبط الحروف وحفظ شيوخهم فيها، ومع كلّ منهم في طبقته ما يبلغها عدد التّواتر، لأنّ القرآن قد تلقّاه من أهل كلّ بلد بقراءة إمامهم الجمّ الغفير عن مثلهم، وكذلك دائما مع تلقي الأمة لقراءة كلّ منهم بالقبول (^٣)، اه.
وقال السّخاوي:" ولا يقدح في تواتر القراءات السّبع إذا أسندت من طريق الآحاد كما لو قلت: أخبرني فلان عن فلان أنّه رأى مدينة سمرقند، وقد علم وجودها بطريق التّواتر لم يقدح ذلك فيما سبق من العلم بها، فقراءة السبع كلّها متواترة، وقد
_________________
(١) محمد بن محمد بن أبي بكر بن أبي شريف المقدسي، كمال الدين، ولد سنة ٨٢٢، من تصانيفه الدرر اللوامع، مات سنة ٩٠٦ هـ، الأعلام ٧/ ٥٣، شذرات الذهب ٨/ ٢٩.
(٢) أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني السروجي، أبو العباس، شمس الدين: فقيه، ولد سنة ٦٣٩ هـ، كان حنبليا وتحول حنفيا، فولي القضاء وعزل قبل موته بأيام، مات سنة ٧١٠ هـ، كان بارعا في علوم شتى، ونسبته إلى بلدة (سروج) بنواحي حران من بلاد الجزيرة، له كتب منها الغاية شرح الهداية في الفقه وغيرها، الأعلام للزركلي ١/ ٨٦، الجواهر المضية ١/ ٥٣، الدرر الكامنة ١/ ٩١، وانظر أقوال الحنفية في البحر المحيط للزركشي ١/ ٤٦٦.
(٣) حاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٢٢٠.
[ ١ / ١٧٠ ]
اتّفق على أنّ المكتوب في المصاحف متواتر الكلمات والحروف، فإن نازع في تواتر السبع أحد، قلنا له: ما تقول في قراءة ابن كثير مثلا في سورة التوبة: «تجرى من تحتها الأنهار» بزيادة «من»، وقراءة غيره: بإسقاطها؟.
فإن قال: متواترة فهو الغرض، وإن منع تواتر ذلك فقد خرق الإجماع المنعقد على ثبوتهما، أو باهت فيما هو معلوم منهما، وإن قال: بتواتر بعض دون بعض تحكّم فيما/ليس له؛ لأن ثبوتهما في الرتبة سواء، فلزم التواتر في قراءة السّبعة " (^١)، اه.
ثمّ إن التواتر شامل للأصول والفرش، هذا هو الذي عليه المحققون.
وأمّا قول ابن الحاجب:" القراءات السّبع متواترة فيما ليس من قبيل الأداء كالمدّ والإمالة، وتخفيف الهمزة ونحوه " (^٢)، أي: فإنّه غير متواتر فليس المراد من قوله:" كالمدّ "أصل المدّ، فإنّه متواتر، بل مقدار المدّ المزيد فيه على أصله هل يقتصر فيه على قدر ألفين كما قدر فيه مدّ الكسائي وابن عامر، أو ثلاث كما قدر به لحمزة وورش، فكلّ هذه الهيئات للمدّ غير متواترة عند ابن الحاجب، وأبي حنيفة، كما صرّح به غير واحد من أئمة التّحقيق.
وقال ابن الجزري متعقبا مقال ابن الحاجب:" أمّا المدّ فأطلقه وهو لا يخلوا إمّا أن يكون طبيعيا أو عرضيا، والطبيعي: هو الذي لا تقوم ذات حرف المد دونه كالألف من: «قال»، والواو من «يقول»، والياء من «قيل»، وهذا لا يقول أحد بعدم تواتره إذ لا تمكن القراءة بدونه، والمد العرضي هو الذي يعرض زيادة على الطبيعي لموجب: إمّا سكون أو همز؛ فأمّا السّكون فقد يكون لازما كما في فواتح السّور، وقد يكون مشددا نحو: ﴿الم﴾ ونون ﴿وَلا الضّالِّينَ﴾ فهذا يلحق بالطّبيعي فلا يجوز فيه القصر لأنّ المدّ قام مقام حرف توصّلا للنطق بالساكن.
_________________
(١) التوبة/ ١٠٠، فتح الوصيد ٢/ ٢١٣.
(٢) رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب ٢/ ٩١، النشر ١/ ٤٢.
[ ١ / ١٧١ ]
وأمّا الهمز فعلى قسمين:
الأوّل: منفصل، واختلفوا في مدّة وقصره، وأكثرهم على المدّ فادّعاء عدم تواتر المدّ فيه ترجيح من غير مرجح، ولو قيل بالعكس لكان أظهر شبهة لأنّ أكثر القرّاء على المدّ.
الثّاني: متّصل، وقد أجمع القرّاء على مدّه سلفا وخلفا لا اختلاف بينهم في ذلك إلاّ ما روي عن بعض من لا يعوّل عليه بطريق شاذة، حتى إنّ الإمام الهذلي الذي رحل المشرق والمغرب، وأخذ القراءة عن ثلثمائة شيخ وخمسة وستين شيخا، وقال: رحلت من آخر المغرب إلى فرغانة يمينا وشمالا جبلا وبحرا، قال في كتاب (الكامل) الذي جمع فيه بين صحيح وشاذ ومشهور ومنكر في باب المدّ: "لم يختلف في هذا الفصل في ممدود" (^١).
وإذا كان كذلك فكيف يجسر على ما أجمع عليه فيقال فيه: إنّه غير متواتر؟.
فهذه أقسام المدّ العرضي أيضا متواترة لا يشك في ذلك إلاّ من لا علم له بهذا الشأن ويرحم الله إمام دار الهجرة مالك بن أنس فقد روي عنه/فيما ذكرة الهذلي: أنّه سأل نافعا عن البسملة فقال: السّنّة الجهر بها فسلّم إليه، وقال: كلّ علم يسأل عنه أهله.
وكيف يكون المدّ غير متواتر، وقد أجمع النّاس عليه سلفا عن خلف.
ثمّ قال: فإن قلت: قد وجدنا للقراء في بعض الكتب ك (التيسير) فيما مدّ للهمز مراتب إشباعا، وتوسطا، وفوقه، ودونه، وهذا لا ينضبط إذ المدّ لا حدّ له، ومالا ينضبط كيف يكون متواترا؟.
فالجواب: نحن لا ندّعي أنّ مراتبهم متواترة، وإن كان قد ادّعاه طائفة من القرّاء والأصوليين، بل نقول: إنّ المدّ العرضي من حيث هو متواتر مقطوع به قريء به
_________________
(١) الكامل: ٢٦٦.
[ ١ / ١٧٢ ]
على النّبي ﷺ فلا أقلّ من أن نقول: القدر المشترك متواتر، وأمّا ما زاد على القدر المشترك لعاصم وحمزة وورش فهو وإن لم يكن متواترا فصحيح مستفاض متلقّى بالقبول، ومن ادّعى تواتر الزائد على القدر المشترك فليبيّن.
وأمّا الإمالة فهي وضدّها لغتان فاشيتان من الأحرف السّبعة التي نزل بها القرآن مكتوبتان في المصاحف [متواترتان] (^١).
وهل يقول أحد في لغة أجمع الصّحابة والمسلمون على كتابتها في المصاحف أنّها من قبيل الأداء؟.
قال الهذلي كما رأيته في (كامله): "الإمالة والتّفخيم لغتان ليست إحداهما أقدم من الأخرى بل نزل القرآن بهما جميعا … "، إلى أن قال: "وبالجملة فمن قال: إن الله تعالى لم ينزّل القرآن بالإمالة أخطأ وأعظم الفرية على الله، وظنّ بالصّحابة خلاف ما هم عليه من الورع والتّقى" (^٢) اه.
وهو يشير إلى كونهم كتبوا الإمالة في المصاحف نحو: ﴿يُحْيِي﴾، و﴿عِيسَى﴾، و﴿هُدىً﴾، و﴿سَعى﴾، و﴿يَغْشى﴾، و﴿يَغْشاها﴾، و﴿سَوّاها﴾، و﴿جَلاّها﴾، ﴿وَآتاكُمْ﴾ بالياء على لغة الإمالة، وكتبوا مواضع تشبه هذه على لغة الفتح منها قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَمَنْ عَصانِي﴾ (^٣) بالألف.
وفي (الكامل) للهذلي أيضا: وروى صفوان بن عسّال (^٤) أنّه سمع رسول الله ﷺ يقرأ: ﴿يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ (^٥) فقيل: يا رسول الله تميل وليس هي لغة
_________________
(١) في (أ) [متواتران].
(٢) الكامل: ١٦٠.
(٣) إبراهيم: ٣٦.
(٤) المرادي، غزا مع الرسول اثنتي عشرة غزوة، روى عن النبي ﷺ، روى عنه زر بن حبيش، عبد الله بن سلمة، تهذيب الكمال ١٣/ ٢٠٠، الإصابة ٣/ ٤٣٦، ٢/ ٧٢٤.
(٥) مريم: ١٢.
[ ١ / ١٧٣ ]
قريش؟، قال: "هي لغة الأخوال يعني بني سعد" (^١).
وقال عاصم: أقرأني أبو عبد الرحمن السّلمي [عبد الله بن حبيب] (^٢) معلّم الحسن والحسين أقرأني علي بن أبي طالب: ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ (^٣) بالإمالة.
وقد أجمعت الأمّة من لدن رسول الله ﷺ/إلى يومنا هذا على الأخذ والقراءة والإقراء بالإمالة والتّفخيم.
[قال العلاّمة ابن أبي شريف (^٤) في حاشيته (شرح جمع الجوامع): "واحتجّ القائل بعدم تواترها بأنّ الإمالة لا تقع إلاّ على الكيفيتين: محضة أو بين بين، وإذا كان كلّ من الكيفيتين غير متوتر لزم كون الإمالة غير متواترة، إذ لا تحقق لها إلاّ على إحدى الكيفيتين بخلاف المدّ فيصحّ ادّعاء تواتر الحالة الأولى دون الثّانية، والقول بأنّ مراد ابن الحاجب وأبي شامة أنّ أصل الإمالة متواتر، وأنّ كلا من كيفيتها غير متواتر أوجه، ويساعد توجيه الجعبري ما قاله ابن الحاجب وأبو شامة بأنّ الهيئة لا يمكن ضبطها من قراءته ﷺ بخلاف «مالك» و«ملك» فإنّ هذا التّوجيه يقتضي أنّ الذي يتعذر ضبطه مقدار قرب الألف من الياء والفتحة من الكسرة وهو هيئة الإمالة، وذلك لا يقتضي تعذّر ضبط مطلق الإمالة الذي هو قدر مشترك بين نوعيها وهو كونه ﷺ نحا بالألف نحو الياء وبالفتحة نحو الكسرة"] (^٥).
_________________
(١) الكامل: ١٦٢، الإتقان ٢/ ٥٨٥.
(٢) هكذا في الأصل، وما بين المعقوفين في جميع النسخ [عن] وما في الأصل هو الصواب، عبد الله بن حبيب بن ربيعة، أبو عبد الرحمن السلمي الضرير، مقرئ الكوفة، ولد في حياة النبي، أخذ القرآن عن عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود وغيرهم، أخذ عنه القراءة عاصم وعطاء بن السائب مات سنة ٧٤ هـ على الراجح، المعرفة ١/ ١٤٦، الغاية ١/ ٤١٣.
(٣) الأنعام: ٧٦.
(٤) محمد بن محمد بن أبي بكر بن أبي شريف المقدسي، أبو المعالي، عالم بالأصول، من فقهاء الشافعية، ولد سنة ٨٢٢ هـ، درس وأفتى ببلده، وبمصر، له تصانيف، منها الدرر اللوامع بتحرير جمع الجوامع، والفرائد، مات سنة ٩٠٦ هـ، الأعلام ٧/ ٥٣، شذرات الذهب ٨/ ٢٩.
(٥) ما بين المعقوفين من الأصل فقط.
[ ١ / ١٧٤ ]
وأمّا تخفيف الهمز ونحوه من الإدغام، وترقيق الرّاءات فمتواتر قطعا معلوم أنّه منزّل من الأحرف السّبعة، ومن لغات العرب الذين لا يحسنون غيره، وكيف يكون غير متواتر وقد اجتمع القرّاء على الإدغام في نحو ﴿أَثْقَلَتْ دَعَوَا﴾، و﴿ما لَكَ لا تَأْمَنّا﴾، و﴿مُدَّكِرٍ﴾ (^١)؟، وعلى تخفيف الهمز في نحو: ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ (^٢)، ﴿آللهُ﴾ في الاستفهام!، وعلى النقل في: ﴿لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي﴾ (^٣)؟، وعلى التّرقيق في نحو:
﴿فِرْعَوْنَ﴾ (^٤)، و﴿مِرْيَةٍ﴾ (^٥)؟، وعلى التّفخيم في اللاّمات من اسم الجلالة بعد فتح أو ضم؟، فكيف يكون ما أجمع عليه القرّاء أمما بعد أمم غير متواتر على الإطلاق …؟، فما الذي يكون متواترا؟!، أقصر ﴿الم﴾، و﴿دَابَّةٍ﴾، و﴿أُولئِكَ﴾ الذين لم يقرأ بهم أحد من النّاس؟، أم تحقيق همز: ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾، ﴿آللهُ﴾ الذي أجمع النّاس على أنّه لا يجوز وأنّه لحن؟، أو إظهار ﴿مُدَّكِرٍ﴾ الذي أجمع الصّحابة والمسلمون على كتابته وتلاوته بالإدغام؟.
فليت شعري من الذي تقدّم هذا القائل بهذا القول فقفى أثره؟، والظّاهر أنّه لمّا سمع النّاس يقولون: "التّواتر فيما ليس من قبيل الأداء"، ظنّ أنّ المدّ والإمالة وتخفيف الهمز ونحوه من قبيل الأداء فقال ذلك، وإلاّ فلو فكر فيه/لما أقدم عليه، ولو وقف على كلام إمام الأصوليين أبي بكر بن أبي الطيب الباقلاني في (الانتصار) حيث قال: جميع ما قرأ به قرّاء الأمصار كما اشتهر عنهم واستفاض نقله ولم يدخل في حكم الشذوذ من همز وإدغام ومدّ وتشديد، وحذف وإمالة، وإبدال أو ترك ذلك كلّه أو شيء منه، أو تقديم أو تأخير فإنّه كلّه منزل من عند الله ﷾، وممّا وقف الرّسول ﷺ على صحّته وخيّر بينه وبين غيره، وصوّب جميع القراءة به، قال:
_________________
(١) الأعراف: ١٨٩، يوسف: ١١، القمر: ١٥، ١٧، ٢٢، ٣٢، ٤٠، ٥١.
(٢) الأنعام: ١٤٣، ١٤٤.
(٣) الكهف: ٣٨.
(٤) كما في البقرة: ٤٩، ٥٠.
(٥) هود ١٧، ١٠٩، الحج: ٥٥، السجدة: ٢٣، فصلت: ٥٤.
[ ١ / ١٧٥ ]
ولو سوّغنا لبعض القرّاء إمالة ما لم يمله الرّسول ﵊ والصّحابة أو غير ذلك لسوّغنا لهم مخالفة جميع قراءة الرّسول ﷺ اه.
فليس ما مثل به ابن الحاجب من قبيل الأداء، وإذا ثبت أنّ شيئا من القراءات من قبيل الأداء لم يكن متواترا عن النّبي ﷺ كتقسيم وقف حمزة وهشام على الهمز وأنواع تسهيله فإنّه وإن تواتر بتخفيف الهمز في الوقف عن رسول الله ﷺ فلم يتواتر أنّه وقف على موضع بخمسين وجها ولا بعشرين ولا بنحو ذلك وإنّما إن صحّ شيء منها فبوجه الباقي لا شك أنّه من قبيل الأداء.
ولما قال في (جمع الجوامع): "والسبع متواتر، قيل: فيما ليس من قبيل الأداء كالمدّ والإمالة وتخفيف الهمز ونحوه"، سئل عن زيادته علي ابن الحاجب؟، قيل:
"المقتضية لاختيار إنّما هو من قبيل الأداء كالمدّ والإمالة … إلى آخره متواتر؟ ".
فأجاب في كتابه (منع الموانع) (^١): بأنّ السّبع متواترة والمدّ متواتر والإمالة متواترة كلّ هذا بيّن لا شك فيه.
وقول ابن الحاجب: فيما ليس من قبيل الأداء صحيح لو تجرّد عن قوله: كالمدّ والإمالة لكن تمثيله بهما أوجب فساده كما سنوضحه بعد، فلذا قلنا: "قيل" ليتبين أنّ القول ب "أنّ المدّ والإمالة التّخفيف غير متواتر" ضعيف عندنا بل هو متواتر.
ثمّ قال: ومن السّبع المتواترة مطلق المدّ والإمالة وتخفيف الهمز بلا شك، اه ملخصا من كتاب (المنجد) مع زيادة (^٢).
وقال الجعبري لمّا تعقّب قول السّخاوي: "لأنّ مراتب المدّ الأربع لا تتحقق ولا يمكن الإتيان بها كلّ مرة على قدر السابقة إلى آخره، ومثل هذا القول طرق ابن الحاجب ونحوه إلى أن قال: ما يتوقف على الأداء كالمدّ والإمالة وتخفيف الهمز
_________________
(١) منع الموانع على جمع الجوامع ٢/ ٢٧٤.
(٢) المنجد: ١٨٦، وما بعدها بتصرف وزيادة كما قال.
[ ١ / ١٧٦ ]