وأشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله المخصوص بالقرآن المبين، والكتاب المستبين، الجديد على تقادم الأعصار، واللّذيذ على توالي التّكرار، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، الّذين تلقّوه من فيه الكريم غضا (^١)، وواظبوا عليه تلاوة وعرضا (^٢)، وضبطوا برسمه في المصاحف لغته الفصيحة، وبذلوا لله وكتابه ورسوله النّصيحة، صلاة وسلاما دائمين، ما وضحت الدّلالة، وحسنت في ذوات الياء الإمالة.
وبعد
فإن القرآن العظيم ينبوع (^٣) العلوم ومنشؤها، ومعدن (^٤) المعارف ومبدؤها، ومبنى قواعد الشرع وأساسه، وأصل كلّ علم وراسه، والاستشراف (^٥) على معانيه لا يتحقق إلاّ بفهم رصفه (^٦) ومبانيه، ولا يطمع في حقائقها التي لا منتهى لغرائبها ودقائقها إلاّ بعد العلم بوجوه قراءاته، واختلاف رواياته، ومن ثمّ صار علم القراءات من أجلّ العلوم النّافعات، وإذا كان كلّ علم يشرف بشرف متعلّقة، فلا جرم خصّ أهله الذين هم أهل الله وخاصّته بأنّهم المصطفون من بريّته، والمجتبون (^٧) من خليقته، وناهيك بهذا الشّرف الباذخ (^٨)، والمجد الرّاسخ (^٩)، مع ما لهم من الفضائل اللاّحقة،
_________________
(١) الغض: الطري الحديث من كل شيء، الوسيط ٢/ ٦٧٩.
(٢) العرض يكون بقراءة التلميذ على شيخه والشيخ يسمع، والسماع: قراءة الشيخ والتلميذ يسمع ليتعلم.
(٣) الينبوع: عين الماء، جمعه ينابيع، الوسيط ٢/ ٩٣٤، مادة «نبع».
(٤) المعدن: مكان كل شيء فيه أصله ومركزه، ويقال فلان معدن الخير والكرم مجبول عليهما، وجمعه معادن، المعجم الوسيط ٢/ ٦١٠، مادة «عدن».
(٥) استشرف: انتصب وعلا، واستشرف للشيء تعرض، واستشرف الشيء: رفع بصره إليه، وبسط كفه فوق حاجبه، كالمستظل من الشمس، وأصله من الشرف: العلو فإنه ينظر إليه من موضع مرتفع، فيكون أكثر لإدراكه، المعجم الوسيط ١/ ٤٩٩، تاج العروس ٢٣/ ٥٠٥.
(٦) في الأصل و(ج)، وفي غيرها [وصفه]، ورصفه: إذا انضم بعضه إلى بعض فصار محكما.
(٧) اجتباه: اختاره. أساس البلاغة ١/ ٥٣.
(٨) الباذخ: يقال: بذخ الجبل بذوخا علا فبان علوه، ويقال شرف باذخ، الوسيط ١/ ٤٥.
(٩) رسخ رسوخا: ثبت في موضعه متمكنا، الوسيط ١/ ٣٥٦ مادة: رسخ.
[ ١ / ٩٢ ]
والمنازل السّابقة، فمناقبهم أبدا تتلى، ومحاسنهم على طول الأمد تجلى، وكيف لا؟، وقد رفع قدرهم الرّفيع رفيع الدّرجات؛ حيث قال في محكم الآيات البيّنات:
﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اِصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا﴾ … (^١) الآيات .. قال ابن عباس:" هم أمة محمد ﷺ " (^٢).
ويدلّ له حديث أسامة بن زيد المروي في الطّبراني: ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ﴾ … (^٣) الآية، قال: قال رسول الله/ﷺ:" كلّهم من هذه الأمّة " (^٤).
والتّوريث هنا في موضع الإعطاء؛ لأنّ أمّة محمد ﷺ لم يرثوا القرآن عن أمّة تقدّمتهم ولكنّ الله - تعالى - خصّهم به، وهم الذين اصطفاهم الله تعالى من عباده.
وقال البيضاوي (^٥):" حكمنا بتوريثه منك يعني: النّبي ﷺ أو نورّثه، فعبّر عنه بالماضي لتحقّقه".
ثم قسّم الوارثين إلى ثلاثة أقسام: فقال - تعالى -: ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (^٦).
_________________
(١) فاطر: ٣٢.
(٢) انظر الدر المنثور ١٢/ ٢٨٥، وقال فيه أخرجه ابن جرير ١٠/ ٤٨٨، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ١٠/ ٣١٨١، وابن مردويه، والبيهقي في البعث ١/ ٦٢ (٦٤) عن ابن عباس، الصحيح المسبور ٤/ ١٧٣.
(٣) فاطر: ٣٢.
(٤) المعجم الكبير للطبراني حديث ١/ ١٧٣ (٤١٣) قال في مجمع الزوائد ٦/ ٤٧٧ (١١٢٩٣): "رواه الطبراني وفيه محمد بن أبي ليلى، وهو سيء الحفظ "فضعفه، البعث والنشور: ٥٩ (٥٨).
(٥) هو القاضي ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي، نسبة إلى قرية يقال لها البيضاء من أعمال شيراز ولي قضاء شيراز، عالم بالفقه والتفسير والعربية، وله مؤلفات كثيرة أشهرها تفسيره أنوار التنزيل، ومنهاج الوصول توفي سنة ٦٨٥ هـ، الأعلام ٤/ ١١٠، معجم المؤلفين ٦/ ٩٨، وانظر النص في تفسير البيضاوي ٤/ ٤١٩.
(٦) فاطر: ٣٢.
[ ١ / ٩٣ ]
قال مكّي (^١):" هم المذكورون في «الواقعة» (^٢)، فالسّابق بالخيرات: هو المقرّب (^٣)، والمقتصد: أصحاب الميمنة، والظّالم لنفسه: أصحاب المشأمة " (^٤).
وتعقّبه في (البحر) (^٥) " بأنّ الأكثرين على أنّ هؤلاء الثّلاثة هم في أمّة الرّسول ﵇، ومن كان من أصحاب المشأمة مكذبا ضالا لم يورّث الكتاب، ولا اصطفاه الله، وإنّما الذي في الواقعة أصناف الخلق من الأوّلين والآخرين، قال عثمان بن عفان ﵁: "سابقنا أهل جهادنا، ومقتصدنا أهل حضرنا، وظالمنا أهل بدونا، لا يشهدون جماعة ولا جمعة" (^٦).
وقيل: الظّالم: المقصّر في العمل بالقرآن، والمقتصد: العامل به في أغلب الأوقات، والسّابق: الذي يضم التّعليم والإرشاد إلى العمل (^٧).
وقال الحسن (^٨): الظّالم: من خفّت حسناته، والمقتصد من استوت، والسّابق:
من ترجّحت (٩).
_________________
(١) مكي بن أبي طالب - حموش - بن محمد بن مختار الأندلسي القيسي، أبو محمد: المقرئ، من أهل القيروان، ولد فيها سنة ٣٥٥ هـ، سكن قرطبة وأقرأ بجامعها وتوفى فيها سنة ٤٣٧ هـ، ألف: مشكل إعراب القرآن، والكشف عن وجوه القراءات، والتبصرة، الأعلام للزركلي ٧/ ٢٨٦.
(٢) إشارة مكي إلى آيات سورة الواقعة من الآية ٨ حتى الآية ١٢ قوله تعالى ﴿فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩) وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ (١٢).
(٣) في (ب): هم المقربون.
(٤) الهداية إلى بلوغ النهاية، لمكي ٩/ ٥٩٧٥.
(٥) البحر المحيط، لأبي حيان الأندلسي ٩/ ٣٢.
(٦) في (ت) "جمعة ولا جماعة"، وهو الذي في البحر المحيط ٩/ ٣٢، رواه البيهقي في البعث: ٨٥ (٦٢)، وفيه راو مبهم، وانظر: كنز العمال ٢/ ٤٨٦.
(٧) انظر: تفسير السراج للشربيني ٣/ ٢٧٢، فتح القدير للشوكاني ٦/ ١٣٨.
(٨) أي البصري، وهو الحسن بن أبي الحسن يسار، مولى زيد بن ثابت الأنصاري، روى عن عمران بن حصين، والمغيرة بن شعبة، وقرأ القرآن على حطان الرقاشي، وروى عنه يونس بن عبيد، وحميد الطويل، مات سنة عشر ومئة، السير ٤/ ٥٨٧، طبقات ابن سعد ٧/ ١٥٦.
[ ١ / ٩٤ ]
[وعن ابن مسعود عن ابن جرير الطبري (^١) قال: "هذه الأمّة ثلاثة أثلاث يوم القيامة: ثلث يدخلون الجنّة بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا، وثلث يجيئون بذنوب عظام، حتى يقول: ما هؤلاء؟، وهو أعلم ﵎، فتقول الملائكة: هؤلاء جاءوا بذنوب عظام إلاّ أنّهم لم يشركوا بك، فيقول الله ﷿:" أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي "، وتلا عبد الله هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اِصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا﴾ … (^٢) الآية] (^٣).
وقد اختلف في هذه الأصناف على نيّف وأربعين (^٤) قولا، ثمّ عقّب ﷾ الآيات المذكورة بقوله تعالى: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ (^٥)، والظّاهر أنّ الضّمير المرفوع في ﴿يَدْخُلُونَها﴾ عائد على الأصناف الثّلاثة (^٦)، وهو قول عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وأبي الدّرداء (^٧)، وعقبة بن عامر (^٨)، وأبي سعيد (^٩) /،
_________________
(١) تفسير الطبري ١٩/ ٣٦٨، بسند رواته كلهم ثقات، وهو: محمد بن جرير بن يزيد الطبري، أبو جعفر، ولد سنة ٢٢٤ هـ بآمل، له التفسير المشهور، وتاريخ الرسل والملوك وغيرها من الكتب، مات سنة ٣١٠ هـ، الأعلام ٦/ ٦٩، الوفيات ١/ ٤٥٦، تاريخ بغداد ٢/ ١٦٢.
(٢) فاطر: ٣٢.
(٣) ما بين المعقوفين في هامش جميع النسخ ما عدا «ج» واقع قبل جملة التوريث السابق ذكرها.
(٤) قال أبو هلال العسكري في الفروق اللغوية ١/ ٥٥٣:" النيف من واحد إلى ثلاثة .. ولا يقال نيف إلا بعد عقد نحو عشرة ونيف، ومائة ونيف "، وفي المعجم الوسيط ٢/ ٩٦٤:" نيف عليه زاد عليه "، انظر: تاج العروس ٢٤/ ٤٤٤، تهذيب اللغة ١٥/ ٣٤٢، وجمهرة اللغة ٢/ ٤٨.
(٥) فاطر: ٣٣.
(٦) الوجيز، لابن عطية ٤/ ٥٠٤.
(٧) عويمر بن زيد بن قيس، أبو الدرداء، حكيم الأمة وسيد القراء، روى عنه أنس بن مالك، وفضالة بن عبيد ولي قضاء دمشق، مات قبل عثمان بثلاث سنين، السير ٢/ ٣٣٥، أسد الغابة ٦/ ٩٧، الإصابة ٧/ ١٨٢.
(٨) عقبة بن عامر الجهني، أبو عبس، المقرئ، صاحب النبي ﷺ من أصحاب الصفة، ومن الرماة المشهورين، حدث عنه سعيد بن المسيب، وأبو إدريس الخولاني، وغيرهم، مات سنة ٥٨ هـ، السير ٢/ ٤٦٧، أسد الغابة ٤/ ٥٣، الإصابة ٧/ ٢١.
(٩) سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة، أبو سعيد الخدري، شهد الخندق، وبيعة الرضوان، حدث عنه ابن عمر وجابر وعمرو بن سليم، مات سنة ٧٤ هـ، السير ٣/ ١٦٨، أسد الغابة ٢/ ٢٨٩، -
[ ١ / ٩٥ ]
وعائشة، ومحمد بن الحنفية (^١)، وجعفر الصّادق (^٢) وغيرهم.
وقال الزّمخشري (^٣): "هو عائد على السّابق فقط ولهذا جعل ذلك إشارة إلى السّبق المفهوم من قوله: ﴿سابِقٌ﴾ ".
قال: "وفي اختصاص السّابقين بعد التّقسيم بذكر ثوابهم والسّكوت عن الآخرين ما فيه من وجوب الحذر، فليحذر المقتصد، وليهلك الظّالم لنفسه حذرا، وعليهما بالتّوبة النّصوح المخلّصة من عذاب الله، ولا يغترّا بما رواه عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ:" سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له " (^٤) فإنّ شرط ذلك صحّة التوبة لقوله تعالى: ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (^٥)، وقوله تعالى: ﴿إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ﴾
_________________
(١) = - الإصابة ٢/ ٣٥.
(٢) محمد بن علي بن أبي طالب، أمه خولة بنت جعفر الحنفية، ولد في العام الذي مات فيه أبو بكر، رأى عمر وروى عنه، وعن أبيه، وعن عثمان، حدث عنه أولاده، وعبد الله بن عقيل، مات سنة ٨١ هـ، انظر السير ٤/ ١١٠، الطبقات الكبرى ٥/ ٩١، شذرات الذهب ١/ ٨٨.
(٣) جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، الإمام الصادق، ولد سنة ٨٠ هـ، ورأى الصحابة، حدث عن أبيه، وعروة بن الزبير، حدث عنه ابنه موسى الكاظم، وأبان بن تغلب، مات سنة ١٤٨ هـ، انظر السير ٦/ ٢٦٩، وفيات الأعيان ١/ ٣٢٧، شذرات الذهب ١/ ٢٠.
(٤) محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي النحوي اللغوي، المفسر المعتزلي، صاحب تفسير الكشاف، والمفصل، وأساس البلاغة، سمع ببغداد من نصر بن البطر وغيره، وروى عنه إسماعيل بن عبد الله الخوارزمي، وأبو سعد أحمد بن محمود الشاشي، وغيرهما، ولد سنة سبع وستين وأربع مائة، وله نظم جيد، مات سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، انظر: السير ٢٠/ ١٥٤، شذرات الذهب ٤/ ١١٨، لسان الميزان ٣/ ٧، والنص في الكشاف ٢/ ٢٤٤.
(٥) ضعيف جدا رواه ابن مردويه، وسنن سعيد بن منصور ٢/ ١٢٠ (٢٣٠٨) وهو موقوف على عمر، والعقيلي في الضعفاء ٧/ ١٧٨ (١٦٤١) وأعله بالفضل بن عميرة، والديلمي (٢/ ٢١٠)، والرافعي في تاريخ قزوين (٣/ ٣٣١)، والبيهقي في البعث والنشور ٥٩ (٥٩) عن ميمون بن سياه عن عمر مرفوعا وقال: فيه إرسال بين ميمون بن سياه وعمر وهو في السلسلة الضعيفة ٨/ ١٨٥ (٣٦٧٨)، تخريج أحاديث الكشاف ٣/ ١٥٢ (١٠٦١)، والفردوس ٢/ ٣٣٥ (٣٥١١)، والرافعي ٣/ ٣٣١، وهو في الجامع الصغير للسيوطي ١/ ٦٩٥ (٦٩٤٤) وقال: حديث حسن وليس كما قال، وهو في ضعيف الجامع للألباني حديث (٣١٩٩).
(٦) التوبة: ١٠٢.
[ ١ / ٩٦ ]
﴿عَلَيْهِمْ﴾ (^١)، ولقد نطق القرآن بذلك في مواضع من استقرأها أطّلع على حقيقة الأمر، ولم يعلّل نفسه بالخدع (^٢) " اه (^٣)، وهو (^٤) على طريق المعتزلة.
فإن قلت: ما الحكمة في تأخير السّابق وتقديم الظّالم؟.
أجيب: لئلا يعجب السّابق، وييأس الظّالم من رحمته؛ ولما كان الظّالم له ذلّة، والسّابق له صولة (^٥)، رفع تعالى ذلّة الظّالم بقوله: ﴿لِنَفْسِهِ﴾، وكسر صولة السّابق بقوله: ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾، كأنّه يقول: "يا ظالم ارفع رأسك ظلمت؛ ولكن على نفسك، يا سابق اخفض رأسك سبقت؛ ولكن بإذن الله" (^٦).
وفي قوله في بقية الآية: ﴿إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ﴾ (^٧) إشارة إلى دخول الظّالم لنفسه الجنّة، و﴿شَكُورٌ﴾ إشارة إلى السّابق، بأنّه كثير الحسنات، و﴿دارَ الْمُقامَةِ﴾ هي الجنّة، لأنّها دار إقامة لا يرحل عنها (^٨).
وقوله تعالى قبل هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ﴾ (^٩) أي: يقرؤنه
_________________
(١) التوبة: ١٠٦.
(٢) والخدع: بكسر الدال الخدّاع، وبسكون الدال: تغير من حال إلى حال، انظر: المعجم الوسيط مادة خدع ١/ ٢٢٨.
(٣) الكشاف ٣/ ٦٢٢، وفيه "وليملك الظالم لنفسه"، وما أثبته هو ما في النسخ والبحر ٧/ ٣١٤.
(٤) أي الزمخشري، قال ابن المنير في الانتصاف ردّا على الزمخشري: "وقد صدرت هذه الآية بذكر المصطفين من عباد الله، ثم قسمهم إلى الظالم والمقتصد والسابق ليلزم اندراج الظالم لنفسه من الموحدين في المصطفين وإنه لمنهم، وأي نعمة أتم وأعظم من اصطفائه للتوحيد، والعقائد السالمة من البدع، فما بال المصنف يطنب في التسوية بين الموحد المصطفى، والكافر المجترئ" انتهى من هامش تفسير الزمخشري ٢/ ٦٢٢.
(٥) الصولة: السطوة في الحرب ونحوها، ويقال: هو ذو صولة، المعجم الوسيط ١/ ٥٣٩، جمهرة اللغة ٢/ ٣، لسان العرب ١١/ ٣٨٧، القاموس المحيط ٢/ ١٢٢.
(٦) لطائف الإشارات، للقشيري، ٣/ ٢٠٥، وفيه "زلة" بالزاي في الموضعين.
(٧) في (ب): [… لغفور شكور].
(٨) البحر المحيط ٩/ ٣٤.
(٩) فاطر: ٢٩.
[ ١ / ٩٧ ]
ويداومون على تلاوته (^١).
وقال مطرّف بن عبد الله بن الشّخّير (^٢): "هذه آية القراء" (^٣)، أو المراد: "يتبعون كتاب الله فيعملون بما فيه" (^٤)، وقال الكلبي (^٥): "يأخذون بما فيه". وقال السّدّي (^٦):
"هم أصحاب الرسول ﷺ"، وقال عطاء (^٧): "هم المؤمنون" (^٨).
ولما ذكرتعالى وصفهم بالخشية - وهي عمل القلب - ذكر أنّهم: ﴿يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ﴾ وهو عمل اللسان، و﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ وهي عمل الجوارح، ﴿وَأَنْفَقُوا﴾ وهو العمل المالي (^٩).
وقوله: ﴿يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ خبر «إنّ» أي: لن تكسد، ولن يتعذّر الرّبح فيها، وهو إشارة إلى الإخلاص، أي: يفعلون تلك الأفعال من: التّلاوة، وإقام /الصّلاة، والإنفاق؛ يقصدون بذلك وجه الله لا الرّياء والسمعة (^١٠).
_________________
(١) انظر البيضاوي ٤/ ٤١٨، الكشاف ٣/ ٦١١.
(٢) هو مطرف بن عبد الله بن الشخير، ثقة عابد، حدث عن أبيه وعائشة، وحدث عنه الحسن البصري، وغيره مات، سنة ٩٥ هـ، انظر: السير ٤/ ١٨٦، طبقات ابن سعد ٧/ ١٤١.
(٣) الدر المنثور ١٢/ ٢٨٥، تفسير الطبري ١٩/ ٣٦٥، مصنف ابن أبي شيبة ١٣/ ٤٧٦ (٣٦٢٦٧)، الزهد لابن المبارك: ٢٧٤ (٧٩٤)، حلية الأولياء ٢/ ٢٠٣، وإسناده صحيح لغيره.
(٤) البحر المحيط ٩/ ٣١، وفيه أنها بقية قول مطرف.
(٥) محمد بن السائب بن بشر الكلبي، أبو النضر الكوفي، النسابة المفسر، مولده ووفاته بالكوفة، وهو متروك الحديث، يروي عنه ابنه هشام، أخذ عن أبي صالح، مات سنة ١٤٦ هـ الأعلام ١٣٣/ ٦، الوافي بالوفيات ٣/ ٨٣، سير أعلام النبلاء ٦/ ٢٤٨.
(٦) محمد بن مروان السدي، سمع التفسير من الكلبي، قالوا عنه: كوفي متروك الحديث توفي سنة ١٨٩ هـ، شذرات الذهب ١/ ٣٢٥، ميزان الاعتدال ٢/ ٤٤٤.
(٧) عطاء بن أبي رباح القرشي، مولاهم، أبو محمد المكي ثقة فقيه عالم، كثير الحديث، ولد سنة ١٤ هـ باليمن، حدث عن عائشة، وأبي هريرة، وعدة من الصحابة، حدث عنه مجاهد بن جبر، وعمرو بن دينار، وخلق، ومات سنة ١١٤ هـ، السير ٤/ ٧٨، الإعلام ٤/ ٢٣٥.
(٨) البحر المحيط ٩/ ٣١، والفقرة كلها بكمالها منه.
(٩) انظر: البحر المحيط ٩/ ٣١.
(١٠) البحر المحيط ٩/ ٣١، والنص به تقديم وتأخير.
[ ١ / ٩٨ ]
وقوله: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾ متعلق ب ﴿يَرْجُونَ﴾، أو ب ﴿لَنْ تَبُورَ﴾، أو بمضمر تقديره: فعلوا ذلك، أقوال (^١).
وقال الزّمخشري: "وإن شئت جعلت ﴿يَرْجُونَ﴾ في موضع الحال أي:
وأنفقوا راجين ليوفيهم، أي فعلوا جميع ذلك لهذا الغرض"، وخبر «إنّ» قوله:
﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (^٢) على معنى غفور لهم، شكور لأعمالهم (^٣).
﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^٤): قيل: بتشفيعهم فيمن أحسن إليهم، قاله أبو وائل (^٥)، وفي الحديث: "بتضعيف حسناتهم" (^٦).
وقيل: بالنّظر إلى وجه الله الكريم (^٧).
وفي قوله: ﴿إِنَّ اللهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ مع قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اِصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا﴾ (^٨) كأنّه تعالى قال: "إنا علمنا البواطن، وأبصرنا الظّواهر، واصطفينا عبادا ثمّ أورثناهم الكتاب" (^٩).
_________________
(١) البحر المحيط ٩/ ٣١.
(٢) فاطر: ٣٠.
(٣) انظر الكشاف ٣/ ٦١٢، والنقل بتصرف يسير.
(٤) فاطر: ٣٠.
(٥) هو شقيق بن سلمة الأسدي، أبو وائل الأسدي الكوفي، ثقة مخضرم، أدرك النبي ولم يره، يروي عن أبي بكر، وعمر، حدث عنه عمرو بن مرة، وعاصم بن بهدلة، مات في سنة ٨٢ هـ، سير أعلام النبلاء ٤/ ١٦١، طبقات خليفة ١/ ١١٤، تاريخ الإسلام ٣/ ٢٥٥.
(٦) أي ما جاء من أحاديث تضعيف الحسنات كمثل حديث تضعيف الحسنات إلى سبعمائة ضعف، وكما في ثواب الصوم انظره في حديث: عبد الله بن مسعود في المسند (١/ ٤٤٦) قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله ﷿، جعل حسنة ابن آدم بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم، والصوم لي وأنا أجزي به، وللصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره وفرحة يوم القيامة، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك".
(٧) البحر المحيط ٩/ ٣١.
(٨) فاطر: ٣١، ٣٢.
(٩) انظر: تفسير الرازي ٢٦/ ٢٣٩، تفسير النيسابوري ٥/ ٥١٦.
[ ١ / ٩٩ ]
وفي الصّحيحين من حديث عثمان بن عفان ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال:
"خيركم من تعلم القرآن وعلمه" (^١).
وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "إن لله أهلين من الناس، قالوا: من هم يا رسول الله؟. قال: أهل القرآن، أهل الله وخاصته"، رواه النسائي والحاكم (^٢)، أي:
حفظة القرآن العاملون به هم أولياء الله، والمختصّون به اختصاص أهل الإنسان به، وليس من أهله من حفظ لفظه وضيّع حدوده (^٣).
وسئل ذو النّون المصري (^٤) عن حملة القرآن فقال: "هم الذين قطرت عليهم سحائب الأشجان، ونصبوا ركبهم والأبدان، وتسربلوا بالخوف والأحزان، وشربوا بكأس اليقين، وراضوا أنفسهم رياضة المتقين؛ كحّلوا أبصارهم بالسّهر، وغضّوها
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري ٤/ ١٩١٩ (٤٧٣٩)، السنن الكبرى ٧/ ٢٦٧ (٧٩٨٣)، سنن الترمذي ٥/ ٢٣ (٢٩٠٧)، ولم أجده في صحيح مسلم فالله أعلم.
(٢) الحاكم، هو محمد بن عبد الله بن حمدويه بن نعيم، أبو عبد الله، ولد سنة ٣٢١ هـ، حدث عن ابن الأخرم، والشيباني، حدث عنه الدارقطني والهروي، صنف المستدرك، ومعرفة علوم الحديث وغيرها، مات سنة ٤٠٥ هـ، انظر السير ١٧/ ١٦٢، تاريخ بغداد ٥/ ٤٧٣، والحديث رواه الدارمي ٢/ ٥٢٥ (٣٣٢٦)، وأحمد في مسنده ١٩/ ٢٩٦ (١٢٢٧٩، ١٢٢٩٢، ١٣٥٤٢) وقال فيه شعيب الأرناؤوط: إسناده حسن، وابن ماجه ١/ ٧٨ (٢١٥)، والحاكم في المستدرك ١/ ٧٤٣ (٢٠٤٦)، والبيهقي في شعب الإيمان ٢/ ٥٥١ (٢٦٨٨)، والطيالسي: ٢٨٣ (٢١٢٤)، والنسائي في الكبرى ٥/ ١٧ (٨٠٣١)، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٦٣ كلهم عن أنس بن مالك ﵁، وقال المنذري في الترغيب والترهيب ٢/ ٢٣١: إسناده صحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع ١/ ٤٣٢ (٣٩٢٨) وفي صحيح الترغيب والترهيب ٢/ ٨٠ (١٤٣٢)، وأخرجه ابن النجار عن النعمان بن بشير كما في بغية الباحث ٢/ ٧٣٩ (٧٣٣)، وأهله حفظته العاملون به.
(٣) شرح ابن ماجه للسيوطي ٢٠ (٢١٥)، النهاية في غريب الأثر ١/ ١٩٩.
(٤) ذو النون المصري، ثوبان بن إبراهيم الأخميمي المصري، أبو الفياض، أحد العباد المشهورين، من أهل مصر، نوبي الأصل، كانت له فصاحة، وحكمة، وشعر، وهو أول من تكلم بمصر في ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية، فأنكر عليه عبد الله بن الحكم، واتهمه المتوكل بالزندقة فاستحضره إليه وسمع كلامه ثم أطلقه، فعاد إلى مصر وروى عن: مالك، والليث، وطائفة، وعنه: أحمد بن صبيح الفيومي، والجنيد بن محمد وآخرون، وقلّ ما روى من الحديث، ولا كان يتقنه، وتوفي بالجيزة عام ٢٤٥ هـ، الأعلام ٢/ ٨٨، السير ١١/ ٥٣٣.
[ ١ / ١٠٠ ]
عن النّظر، فقاموا ليلهم أرقا، وتبادرت دموعهم فرقا، حتى ضنيت منهم الأبدان، وتغيّرت منهم الألوان، صحبوا القرآن بأبدان ناحلة، وشفاه ذابلة، ودموع وابلة، وزفرات قاتلة، فحال بينهم وبين نعيم المتنعّمين، وشغلهم عن مطامع الرّاغبين، فاضت عبراتهم من وعيده، وشابت ذوائبهم من تحذيره، ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ " (^١).
وعن ابن مسعود عن النّبيّ ﷺ: "من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة /بعشر أمثالها لا أقول ﴿الم﴾ حرف، ولكن: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف" رواة الترمذي وصححه (^٢).
وروى السّلفي (^٣) في (البلدانيات) عن أبي هريرة أنّ رسول ﷺ قال: "يا أبا هريرة تعلّم القرآن وعلّمه النّاس فإنّك إن مت وأنت كذلك زارت الملائكة قبرك كما يزار البيت العتيق" (^٤).
_________________
(١) الزمر ١٨.
(٢) في (ت) [وحسنه]، أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ١/ ٢١٦ (٦٧٩)، والترمذي ٥/ ١٧٥ (٢٩١٠) وقال: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، مسند أحمد ١٠/ ٤٦١ (٣٠٥٥٣)، والدارمي في سننه (٣٢٢٠)، والبيهقي في الشعب ٢/ ٣٤٢ (١٩١٩، ١٩٢٠) وعبد الرزاق في المصنف (٥٨٥٨)، وابن منده في كتابه «الرد على من يقول ألم حرف» ٤١ (٦، ٥، ٤)، والطبراني في الكبير (٨٥٧٤، ٨٥٧٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (١٠/ ٤٦١)، والألباني في أصل صفة الصلاة ١/ ٣٦٨، وهو في الصحيحة ١٣/ ١٣٠ (٣٣٢٧).
(٣) والسّلفي هو الإمام الحافظ: أحمد بن محمد بن سلفة الأصبهاني، صدر الدّين أبو طاهر السّلفي، حافظ مكثر من أهل أصبهان، رحل في طلب الحديث، وله كتاب (البلدانيات)، كانت ولادته سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة تقريبا بأصبهان، وتوفي سنة ست وسبعين وخمسمائة بثغر الإسكندرية، وفيات الأعيان ١/ ١٠٦، شذرات الذهب ٤/ ٢٥٥، الأعلام ١/ ٢٠٩.
(٤) رواه السلفي في الأربعين البلدانيات: ٨٧ (٣٩)، وفي معجم السفر (١٨٣)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢٣١٦)، مسند الفردوس ٥/ ٣٢٠ (٨٣١٤)، تاريخ بغداد ٤/ ٣٨٠، وآفة الحديث أبو همام محمد بن مجيب القرشي قال عنه يحيى بن معين كذاب عدو الله، وقال الرازي: ذاهب الحديث، وذكره الألباني في الضعيفة ١/ ٢٦٧ (٢٦٥) وقال: "موضوع"، وهو في اللآلي المصنوعة ١/ ٢٠٣، وفي الموضوعات: ١٦٤، وفي تنزيه الشريعة ١/ ٢٦٨ (٤٩).
[ ١ / ١٠١ ]
وعن جبير بن مطعم (^١) عن النّبيّ ﷺ: "أبشروا إنّ هذا القرآن سبب طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فتمسّكوا به فإنّكم لن تهلكوا ولن تضلّوا بعده أبدا" (^٢) رواه الطّبراني في الكبير.
وعنه ﷺ: "كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض" (^٣).
وعن ابن عباس ﵄ في قوله - تعالى -: ﴿وَاِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا﴾ (^٤)، "هو كتاب الله" (^٥).
وهذا من أبلغ الاستعارات، وألطف الإشارات، لمّا كان يتوصّل بالحبل والسّبب إلى نيل الأغراض استعير للقرآن الموصّل إلى نيل السّعادة الدّنيوية والأخروية.
_________________
(١) ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف، أبو محمد، صاحب رسول الله أسلم يوم الفتح، وكان من حلماء قريش وأشرافهم، روى عنه ابناه محمد ونافع، وسليمان بن صرد، مات سنة ٥٩ هـ، الاستيعاب ١/ ٦٩، الإصابة ١/ ٤٦٢.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير ١٦/ ٦١ (١٧٩٤١)، وفي المعجم الصغير ٢/ ٢١٠ (١٠٤٤)، وابن حبان في صحيحه ١/ ٣٢٩ (١٢٢)، والبزار في مسنده ٨/ ٣٤٦ (٣٤٢١)، والبيهقي في الشعب ٣/ ٣٩١ (١٧٩٢، ١٨٥٨)، وابن أبي شيبة في المصنف ١٠/ ٤٨١ (٣٠٦٢٨)، أخبار أصبهان ٨/ ١١٤ (١٤٧٠)، معجم الصحابة ٥/ ٦٦ (٢٠١٨)، ومسند عبد بن حميد ١/ ١٧٥ (٤٨٣)، ومختصر قيام الليل للمروزي (٢٨٢)، الألباني في الصحيحة ٢/ ٢١٢ (٧١٣)، وصحيح الجامع ١/ ٣٤ (٣٤).
(٣) أخرجه أحمد في مسنده ١٧/ ١٧٠ (١١١٣١، ١١٥٦١) قال الأرناؤوط: حديث صحيح بشواهده، والترمذي ٥/ ٦٦٣ (٣٧٨٨)، وابن أبي شيبة في مصنفه ١٠/ ٥٠٦ (٣٠٧٠٤)، وأبو يعلي في مسنده ٢/ ٢٩٧ (١٠٢١، ١١٤٠)، وقال محققه حسين أسد: إسناده ضعيف، وابن الجعد في مسنده: ٣٩٧ (٢٣٧٤)، والطبراني في الكبير ٣/ ١١٠ (٢٦١٣)، والأوسط ٣/ ٣٧٤ (٣٤٣٩)، والألباني في صحيح الجامع (٢٤٥٧)، وقال في الصحيحة ٤/ ٢٦٠: وهو إسناد حسن في الشواهد ".
(٤) آل عمران ١٠٣.
(٥) تفسير الطبري تحقيق أحمد شاكر ٧/ ٧٢ مؤسسة الرسالة قال المحقق:" رواه في مجمع الزوائد بغير هذا اللفظ، وهو قريب منه. ونسبه إلى الطبراني وقال: "رواه عن شيخه عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، وهو ضعيف"، وهذا الذي رواه الطبري إسناد صحيح "، وهو في السنة للمروزي: ١٢ (٢١).
[ ١ / ١٠٢ ]
وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ:" إن هذا القرآن مأدبة الله فاقبلوا مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله، والنّور المبين، والشّفاء النّافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يزيغ فيستعتب، ولا يعوج فيقوّم، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق من كثرة الرّد، اتلوه فإنّ الله يأجركم على تلاوته كلّ حرف عشر حسنات، أما إنّي لا أقول: ﴿الم﴾ حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف " (^١) رواه الحاكم من رواية صالح بن عمر (^٢) عن إبراهيم الهجري (^٣) عن أبي الأحوص (^٤) عنه، وقال:" تفرّد به صالح بن عمر عنه، وهو صحيح".
_________________
(١) رواه الطبراني في الكبير ٨/ ٣٤ (٨٥٦٣، ٨٥٧٢، ٨٥٧٣)، والبيهقي في الشعب ٣/ ٣٣٣ (١٧٨٦)، والبيهقي في السنن الصغير ١/ ٣٣٣ (٧٣١)، وابن أبي شيبة في المصنف ١٠/ ٤٨٢ (٣٠٦٣٠)، وابن أبي شيبة في مسنده: ١٩٣ (٣٧٦)، ومصنف ابن عبد الرزاق ٣/ ٣٧٥ (٦٠١٧)، وأخبار أصبهان ٨/ ٢١٥ (١٥٣٥)، والحاكم في المستدرك ١/ ٧٤١ (٢٠٤٠)، وسعيد بن منصور ١/ ٤٣ (٧)، والدارمي في سننه ٢/ ٥٢٣ (٣٣١٥)، والألباني في الضعيفة ١٤/ ٧٨٥ (٦٨٤٢)، وفي ضعيف الجامع: ٢٩٤ (٤٨٣٤)، وضعيف الترغيب والترهيب ١/ ٢١٦ (٨٦٧)، وضعفه أبو إسحاق الحويني في النافلة (٦٩)، وقال البوصيري في اتحاف المهرة: ورواه الحاكم من طريق صالح بن عمر، عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص وقال: تفرد به صالح بن عمر عنه، وليس كما زعم فإن صالح بن عمر لم ينفرد به عن الهجري تابعه أبو معاوية الضرير محمد بن حازم، كما روى أبو بكر بن أبي شيبة، والحديث آفته إبراهيم الهجري فهو ضعيف، انظر: مجمع الزوائد ٧/ ٧٨ (١١٦٦١)، والعلل المتناهية لابن الجوزي ١/ ١٠٩ (١٤٥) وقال:" يشبه أن يكون من كلام ابن مسعود ".
(٢) الواسطي، روى عن أشعث بن سوار، وبهز بن حكيم، والأعمش، روى عنه إبراهيم المصيصي، والقطيعي وثقه أبو زرعة وغيره مات سنة ١٨٧ هـ، الجرح والتعديل ٤/ ٤٠٩، تهذيب الكمال ١٣/ ٧٥.
(٣) أبو إسحاق، إبراهيم بن مسلم العبدي الهجري، حدث عن عبد الله بن أبي أوفى، وأبي الأحوص، وروى عنه شعبة وكان يقول:" رقاع "، وابن عيينة وكان يضعفه، وقال يحيى بن معين: "ليس بشيء "، انظر: الجرح والتعديل ٢/ ١٣٢ (٤١٧)، تهذيب الكمال ٢/ ٢٠٧ (٧٤٢).
(٤) سلام بن سليم الحنفي، أبو الأحوص الكوفي، حدث عن إبراهيم بن مهاجر، وسماك بن حرب، وحدث عنه عبد الرحمن بن مهدي، وسعيد بن منصور، كان ثقة صاحب سنة، قرأ القرآن على حمزة، وثقه أبو زرعة والنسائي وأبو حاتم، مات سنة ١٧٩ هـ، انظر: السير ٨/ ٢٨١، الجرح والتعديل ٤/ ٢٥٩.
[ ١ / ١٠٣ ]
وفي فتاوى ابن الصّلاح (^١): "قراءة القرآن كرامة أكرم الله بها البشر، فقد ورد أنّ الملائكة لم يعطوا ذلك، وأنّها حريصة لذلك على استماعه من الإنس" (^٢).
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "الماهر بالقرآن مع السّفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران"، وفي رواية: "والذي يقرؤه وهو يشتد عليه له أجران" رواه البخاري ومسلم واللفظ له، وأبو داود والترمذي وابن ماجه (^٣).
والسّفرة: جمع سافر ك «كاتب» و«كتبة»، والسّافر: الرّسول، والسّفرة: الرّسل لأنّهم يسفرون إلى الناس برسالات الله - تعالى -، وقيل: السّفرة: الكتبة/، والبررة:
المطيعون؛ من البرّ وهو الطاعة، والماهر: الحاذق الكامل الحفظ الذي لا يتوقّف ولا يشق عليه القراءة لجودة حفظه وإتقانه.
قال القاضي عياض (^٤): "يحتمل أن يكون معنى كونه مع الملائكة أنّ له في الآخرة منازل يكون فيها رفيقا للملائكة السّفرة؛ لاتّصافه بصفتهم من حمل كتاب الله"، قال:
"ويحتمل أن يراد أنّه عامل بعملهم، وسالك مسلكهم".
وأمّا الذي يتعتع فيه فهو الذي يتردّد في تلاوته لضعف حفظه؛ فله أجران: أجر
_________________
(١) عثمان بن عبد الرحمن بن موسى، الشهرزوري الكردي، أبو عمرو أحد فضلاء المتقدمين في التفسير والحديث والفقه والرجال ألف مقدمة ابن الصلاح، والفتاوى، ولد سنة: ٥٧٧، وتوفي: ٦٤٣ هـ، انظر: الأعلام ٤/ ٣٦٩.
(٢) فتاوى ابن الصلاح ١/ ٢٣٤، والنص بتصرف، وذلك في إجابة المسألة (٨٢).
(٣) البخاري ٨/ ١٩٦ (٤٥٥٦)، مسلم ٢/ ١٩٥ (١٨٩٨)، أبو داود ٢/ ١٠٠ (١٢٤٢)، الترمذي ٥/ ٨٢ (٢٩٠٤)، ابن ماجه ١/ ٧٦ (٢١١).
(٤) الخبر في إكمال المعلم ٣/ ١٦٦، وهو عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي، أبو الفضل المالكي، إمام أهل الحديث في وقته، ولد في سنة ٤٧٦ هـ، سكن سبتة، أخذ عن الحافظ أبي علي الغساني، وأبي علي الصدفي ولازمه، ألف الشفا، وترتيب المدارك، والمعلم شرح صحيح مسلم، عنه أخذ ابن بشكوال، والجابري، توفي سنة ٥٤٤ هـ، انظر السير ٢٠/ ٢١٢، وفيات الأعيان ٣/ ٤٨٣.
[ ١ / ١٠٤ ]
القراءة، وأجر بتعبه ومشقته (^١).
فإن قلت: يلزم أن يكون المتعتع أفضل من الماهر من حيث أنّ له أجرين، ولم يذكر للماهر أجرين؟.
أجيب: بأنّه ﷺ قد ذكر لكلّ واحد فضيلة حثّا له على القراءة؛ فذكر للمتعتع أجرين، وللماهر كونه مع السّفرة، والكون مع السّفرة لا يتقاعد عن حصول الأجرين.
وقال القاضي عياض: "ليس معناه أن الذي يتعتع له من الأجر أكثر من الماهر به؛ بل الماهر أفضل وأكثر أجرا فإنّه مع السّفرة، وله أجور كثيرة، وكيف يلتحق به من لم يعتن بكتاب الله وحفظه وإتقانه وكثرة تلاوته ودراسته، كاعتنائه به حتى مهر فيه" (^٢).
وفي الأصل التّاسع من (نوادر الأصول) لأبي عبد الله الترمذي (^٣) عن أبي هريرة، وأبي الدرداء قالا: قال رسول الله ﷺ: "إنّ بيوتات المؤمنين لمصابيح إلى العرش يعرفها مقرّبوا السّموات السّبع، يقولون: هذا النّور من بيوتات المؤمنين التي يتلى فيها القرآن" (^٤).
وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من قرأ القرآن فاستظهره، فأحل حلاله، وحرّم حرامه، أدخله الله الجنّة، وشفّعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت له النار" (^٥) رواه الترمذي أبو عيسى، وقال: "حديث غريب".
_________________
(١) انظر: شرح النووي على مسلم ٣/ ١٥٢.
(٢) شرح مسلم للنووي ٣/ ١٥٢، إكمال المعلم ٣/ ١٦٧.
(٣) هو محمد بن علي بن الحسن بن بشر أبو عبد الله، الحكيم الترمذي، صوفي من أهل ترمذ، له مصنفات كثير في فنون مختلفة منها (نوادر الأصول في أحاديث الرسول) حدث عن: أبيه، وسفيان بن وكيع، وكان ذا رحلة ومعرفة، حدث عنه: يحيى بن منصور القاضي، والحسن بن علي، توفي حوالي ٣٢٠ هـ، الأعلام ٧/ ١٥٦، السير ١٣/ ٤٣٩.
(٤) نوادر الأصول للحكيم الترمذي ١/ ١٠١، كنز العمال ١/ ٥٥٤ (٢٤٨١)، قلت: والحديث ظاهره الضعف، والله أعلم.
(٥) أخرجه الترمذي ٥/ ١٧١ (٢٩٠٥٠)، وابن ماجه (٢١٢)، وأحمد في مسنده ٢/ ٤١٦ -
[ ١ / ١٠٥ ]
وخرّج أبو داود، وصحّحه الحاكم من حديث معاذ بن أنس (^١) قال: قال رسول الله ﷺ: "من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس والداه يوم القيامة تاجا من نور ضوءه أحسن من ضوء الشّمس في بيوت الدّنيا فما ظنّكم بالذي عمل بهذا" (^٢).
وروى الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، من حديث بريدة (^٣) قال: قال رسول الله ﷺ: "من قرأ القرآن وتعلّمه، وعمل بما فيه، ألبس والداه يوم القيامة تاجا من نور، ضوءه مثل ضوء الشمس، ويكسى [والداه حلّتين] (^٤) لا تقوم لهما الدّنيا، فيقولان: بما كسينا هذا؟. فيقال: بأخذ ولدكما القرآن" (^٥).
وروى الترمذي وحسنّه، من حديث أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ/قال: "يجيء صاحب القرآن يوم القيامة فيقول القرآن: يا ربّ حلّه فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا
_________________
(١) = - (١٢٦٨)، قال الأرناؤوط: إسناده ضعيف، أخبار أصبهان ٣/ ٤٩٠ (٩٤٠)، والبيهقي في الشعب ٤/ ٢٢٨ (٢٤٣٦)، وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب ١/ ٢١٦ (٨٦٨): ضعيف جدا.
(٢) معاذ بن أنس الجهني حليف الأنصار، صحابي كان بمصر والشام، روى عن النبي ﷺ، روى عنه ابنه سهل، بقي إلى خلافة عبد الملك بن مروان، الإصابة ٦/ ١٣٦، الاستيعاب ٣/ ١٤٠٢، أسد الغابة ٤/ ٣٧٥.
(٣) أخرجه أحمد ٣/ ٤٤٠ (١٥٧٣٠)، والبيهقي في الشعب ٣/ ٣٤٢ (١٧٩٧)، وأبو يعلى في مسنده ٣/ ٦٥ (١٤٩٢)، وقال حسين أسد: إسناده ضعيف، والحاكم في المستدرك ١/ ٧٥٦ (٢٠٨٥) وقال: صحيح الإسناد، وأبو داود ١/ ٥٤٣ (١٤٥٥)، والألباني في ضعيف الجامع (٥٧٦٢)، وضعيف أبي داود ٣/ ٤٥٣ (١٤٥٣).
(٤) بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث، أبو عبد الله، أسلم عام الهجرة، استعمله النبي على صدقة قومه، غزا خراسان في زمن عثمان، حدث عنه أبو نضرة العبدي، والشعبي، وأبو المليح بن أسامة، مات سنة ٦٢ هـ، السير ٢/ ٢٦٩، تاريخ الإسلام ٢/ ٦٢١، أسد الغابة ١/ ٢٠٩، الإصابة ١/ ٢٤١.
(٥) هكذا في الأصل، في (ت، ج) [والده حلتين]، وفي باقي المخطوطات [والداه حلتين] كما في الشعب ٣/ ٣٧٤، وابن أبي شيبة ١٠/ ٤٩٣، ومسند أحمد ٣٨/ ٤٢، وفي المستدرك للحاكم ١/ ٥٦٨ طبعة دار المعرفة [والديه حلتين]، وفي الدارمي ٢/ ٥٤٣:" والديه حلتان ".
(٦) رواه الحاكم في المستدرك ١/ ٧٥٦ (٢٠٨٦)، وسنن الدارمي ٢/ ٥٤٣ (٣٣٩١)، شعب الإيمان ٣/ ٣٧٤ (١٨٣٥)، وأخرجه أحمد ٣/ ٤٤٠، مصنف ابن أبي شيبة ١٠/ ٤٩٣ (٣٠٦٦٨)، وأبو داود (١٤٥٣) عن سهل بن معاذ الجهني، وضعيف أبي داود (١٢٤١).
[ ١ / ١٠٦ ]
رب زده فيلبس حلّة الكرامة، ثم يقول: يا ربّ ارض عنه، فيقال له: اقرأ وارق، ويزداد بكل آية حسنة" (^١).
وروى الترمذي أيضا وصحّحه، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "يقال لصاحب القرآن: أقرأ وارق ورتّل كما كنت ترتّل في الدّنيا فإنّ منزلتك عند آخرآية تقرؤها" (^٢).
قال الخطّابي (^٣) فيما نقله عنه الحافظ عبد العظيم المنذري (^٤) وغيره: "جاء في الأثر: أنّ عدد آي القرآن على قدر درج الجنّة، فيقال للقارئ: ارق في الدّرج على قدر ما كنت تقرأ من آي القرآن، فمن استوفى (^٥) جميع القرآن استولى على أقصى درج الجنّة في الآخرة، ومن قرأ جزءا منه كان رقيّة في الدّرج على قدر ذلك، فيكون منتهى الثّواب عند منتهى القراءة" (^٦).
_________________
(١) أخرجه الترمذي ٥/ ١٧٨، (٢٩١٥) وقال: حسن صحيح، وأحمد ٢/ ٤٧١، والحاكم ١/ ٧٣٨ (٢٠٢٩) وقال: صحيح الإسناد، والبيهقي في شعب الإيمان ٢/ ٣٤٧ (١٩٩٧)، والألباني في الجامع الصغير (١٣٩٩٠) وقال: حسن.
(٢) حسن، أخرجه الترمذي ٥/ ١٧٧ (٢٩١٤) وقال: حسن صحيح، وأحمد في المسند ١١/ ٤٠٣ (٦٧٩٩)، وأبو داود ٢/ ٧٣ (١٤٦٤)، والحاكم في المستدرك (١٩٦٩)، والنسائي في الكبرى ٥/ ٢٢ (٨٠٥٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢٢٢٣)، والفردوس ٥/ ٤٥٨ (٨٧٤١)، والبيهقي في الصغرى (٤٩٣)، والبيهقي في الشعب ٣/ ٣٨١ (١٨٤٤)، وابن حبان في صحيحه ٣/ ٤٣ (٧٦٦) وقال الأرناؤوط: إسناده حسن، والألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٢/ ٧٩ (١٤٢٦).
(٣) الخطابي: أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي، أبو سليمان، فقيه محدث، من نسل زيد بن الخطاب، أخي عمر بن الخطاب، له (معالم السنن) في شرح سنن أبي داود، وإصلاح غلط المحدثين وغريب الحديث ولد سنة ٣١٩، ومات سنة ٣٨٨ هـ، الأعلام ٢/ ٣٠٤.
(٤) زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري الشامي الأصل المصري، ولد سنة ٥٨١ هـ، سمع من أبي الجود غياث بن فارس، والحافظ المقدسي، حدث عنه: اليونيني وابن دقيق العيد، ألف: الترغيب والترهيب، والتكملة لوفيات النقلة، مات سنة ٦٥٦ هـ، تذكرة الحفاظ ٤/ ١٥٣.
(٥) في الترغيب والترهيب ٢/ ١٣٤، ومعالم السنن للخطابي ١/ ٢٥٠ وفيه: "استوفى قراءة".
(٦) انظر الترغيب والترهيب ٢/ ١٣٤، ومعالم السنن للخطابي ١/ ٢٥١، والنقل بتصرف.
[ ١ / ١٠٧ ]
ففضائل القرآن وحملته لا تعدّ ولا تحصر بالحدّ.
وإذا تقرّر هذا فاعلم أنّ القرآن هو: "كلام الله القائم بذاته، غير مخلوق ولا حالّ في المصاحف، ولا في القلوب والألسنة والآذان، بل معنى قديم قائم بذات الله - تعالى -، مكتوب في مصاحفنا بنقوش وصور وأشكال موضوعة للحروف الدّالة عليه" (^١).
قال - تعالى -: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ (^٢)، مقروء بألسنتنا بحروفه المنظومة المسموعة، قال ﵊: "لا يقرأ القرآن حائض ولا جنب" (^٣).
مسموع بآذاننا قال - تعالى -: ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ (^٤)، محفوظا في صدورنا بألفاظه المخيّلة (^٥)، قال - تعالى -: ﴿بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (^٦)، وهذا كما يقال: "النّار جوهر محرق، يذكر باللفظ، ويكتب بالقلم، ولا يلزم منه كون حقيقة النار صوتا وحرفا" (^٧).
_________________
(١) هذا من كلام الأشاعرة الذين يقولون أن كلام الله مجرد المعنى دون الحروف، أمّا عند السّلف فإنّ المقروء كلام الله لفظه ومعناه، وحيثما وجد فهو كلام الله، وهو المعجزة التي تحدى العرب أن يأتوا بمثله، أما أصوات القراءة فلا علاقة لها بالقرآن بل هي فعل الناس وأصواتهم، قال في أعلام السنة المنشورة: ١٠٦: "القرآن كلام الله ﷿ حقيقة حروفه ومعانيه، ليس كلامه الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف، تكلم الله به قولا وأنزله على نبيه وحيا، وآمن به المؤمنون حقا، فهو وإن خط بالبنان وتلي باللسان وحفظ بالجنان وسمع بالآذان وأبصرته العينان لا يخرجه ذلك عن كونه كلام الرحمن، فالأنامل والمداد والأقلام والأوراق مخلوقة، والمكتوب بها غير مخلوق، والألسن والأصوات مخلوقة، والمتلو بها غير مخلوق، والصدور مخلوقة والمحفوظ فيها غير مخلوق، والأسماع مخلوقة والمسموع غير مخلوق، الفتاوى ١٢/ ٤١٦.
(٢) الواقعة: ٧٧، ٧٨.
(٣) أخرجه الترمذي ١/ ٢٣٦، وابن ماجه (٥٩٥)، وابن عدي في الكامل ٢/ ١٠، والبيهقي في السنن الصغير ١/ ٨٩، عن ابن عمر، ورواه عن جابر ابن عدي في الكامل ١/ ٢٩٥، والدارقطني ١/ ٢٩٩، وقال الألباني في إرواء الغليل ١/ ٢٠٦ ضعيف، البدر لابن الملقن ٢/ ٥٠١.
(٤) التوبة: ٦.
(٥) القوة التي تخيل الأشياء وتصورها، وهي مرآة العقل، الوسيط ١/ ٢٧٦ مادة: خيل.
(٦) العنكبوت: ٤٩.
(٧) انظر: أنوار البروق في أنواع الفروق: ٥.
[ ١ / ١٠٨ ]
وتحقيقه: أنّ للشيء وجودا في الأعيان، ووجودا في الأذهان، ووجودا في العبارة، ووجودا في الكتابة؛ فالكتابة تدلّ على العبارة، وهي على ما في الأذهان، وهو على ما في الأعيان، فحيث يوصف القرآن بما هو من لوازم القديم كما في قولنا:" القرآن غير مخلوق "، فالمراد حقيقته الموجودة في الخارج، وحيث يوصف بما هو من لوازم المخلوقات والمحدثات يراد به الألفاظ المنطوقة المسموعة، كما في قولنا:" قرأت نصف القرآن "، أو المخيلة كما في قولنا:" حفظت القرآن "، أو الأشكال المنقوشة، كما في قولنا:" يحرم على المحدث مس القرآن".
وأمّا قول بعضهم: الإجماع على أنّ ما بين دفتي المصحف/كلام الله - تعالى -، فقال العارف الرّباني سيدي علي الوفوي (^١):" إن أراد بما بين دفّتي المصحف كلّ ما كتب فيه فالإجماع ممنوع لأنّ فيه أسماء السّور وتراجمها، وليس ذلك قرآنا إجماعا (^٢)، وإن أراد غير هذا لم يفده دعوى الإجماع عليه في كون البسملة قرآنا لأنّ الخصم يدّعي أنّ الإجماع إنّما انعقد على أنّ ما بين دفتي المصحف من السّور دون البسامل والتّراجم كلام الله - تعالى - "اه.