إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد:
فهذا كتاب موسوعي، ومؤلف موسوعي:
أما الكتاب، فهو «لطائف الإشارات لفنون القراءات»، الذي ضم شرحا هو الأول والوحيد في بابه لكتاب «النشر في القراءات العشر» لابن الجزري، إضافة إلى ضمه للقراءات الأربعة التي أطلق عليها علماء القراءات الشواذ، وهو إذ يشرح هذا الكتاب الضخم، ابتدأ بمقدمة موسوعية في علوم القرآن التي تستخدم في القراءات بين فيها تعريف بالقرآن، وفضل تعليمه وتعلمه، وآداب تعلم القرآن وتعليمه، ثم ذكر أسانيد القراءات التي ذكرها ابن الجزري في النشر وأضاف إليها قليلا وحذف منها قليلا، وذكر أسماء الكتب النشرية وأضاف إليها قليلا، ثم ذكر أبواب التجويد، والوقف والابتداء، ورسم المصحف، وعد الآي، وثنّى ذلك بأبواب الأصول متبعا
[ ١ / ٥ ]
تبويبا خاصا يوضع مجملة ويبين غامضه، وهو في شرحه لكتاب النشر يلتزم بنص النشر تماما، ثم أتبع ذلك بذكر فرش القراءات القرآنية وتوجيهها وعد الآي ورسم المصحف وتجزئة القرآن والوقف والابتداء بصورة تفصيلية على ترتيب المصحف الشريف، مما جعل هذا الكتاب موسوعة قرائية شاملة جامعة.
أما المؤلف، فهو الإمام القسطلاني، أحد العلماء الموسوعيين الذين عاشوا في القرن التاسع الهجري، قرن الموسوعات الإسلامية الضخمة، ففيه ألّف «فتح الباري شرح صحيح البخاري»، و«الإتقان في علوم القرآن»، وكتب التفسير الضخمة، وكتب اللغة الموسوعية، وكتب التاريخ والتراجم، وكتب الحديث والعلل التي لا غنى لطالب علم عنها، وفي هذا القرن أخرج القسطلاني كما سنرى في مؤلفاته عددا من الموسوعات العلمية الغنية الفذة منها «إرشاد الساري شرح صحيح البخاري»، و«لطائف الإشارات لفنون القراءات» كتابنا هذا، و«المواهب اللدنية» في السيرة النبوية وغيرها، مما يجعلنا أمام شخصية علمية فذة تعيش للعلم وبالعلم، فإذا علمنا أن هذا العلم كان خطيبا مفوها، وعالما زاهدا متواضعا، ذو خلق وديانة وأمانة، فستجد آثار هذه الشخصية العلمية الضخمة في أثناء تجولك في دوحة هذا الكتاب:
حين يذكر من أي الكتب نقل، ومن أي العلماء أخذ، بل نادرا ما يذكر شيئا دون ذكر المصدر الذي أخذ منه، وحين تعيش مع القراءات الأربعة عشر كلمة كلمة وحرف حرف يكرر لتتعلم ولا تنسى، ويوجه الباب كله، ثم يعيده ملخصّا عند ذكر جزئياته، أو يحيلك إلى مظانه حين يظن أن الكسل قد يعتري طالب العلم الذي يجب عليه أن يبحث ويتذكر.
إننا إذا أمام عمل موسوعي، ورجل موسوعي، كما أننا مع عمل خاص بالقرآن كتاب الله - تعالى - الكريم، عمل يجعلك تعيش مع معاني القرآن وتغوص في أصدافه ودرره، يعلمك كيف تقرأ النص الكريم بلسانك، وكيف تفهمه بقلبك وعقلك، وكيف تعيش معه بروحك، الجميع إذن في حاجه إلى هذا الكتاب النادر؛ طلبة علم
[ ١ / ٦ ]
القراءات، وطلبة علم التفسير، وطلبة علم اللغة، وطلبة الرسم والعد.
لقد عرفت هذا الكتاب منذ أكثر من خمسة عشر عاما حينما اطلعت على المجلد الأول الذي أصدره الدكتور عبد الصبور شاهين والشيخ عامر عثمان والذي يمثل حوالي ٨٧ ورقة من أول الكتاب، وتمنيت حينها أن يخرج الكتاب كاملا، وكم حاولت الوصول إلى نسخ الكتاب المخطوطة، أو الوصول إلى الدكتور عبد الصبور شاهين، حتى تم لي الوصول إلى الدكتور العلامة عبد الصبور شاهين في سنة ٢٠٠٢ ميلادية، ووجدت هذا العلامة - وقد استقبلني في مكتبته - يضع نسختين من الكتاب على مكان خاص في مكتبته، وأهداني مصورة النسختين وبدأت العمل عليهما ثم كانت رحلة العناء في البحث عن مخطوطات الكتاب، فكم ذهبت إلى دور المخطوطات فلا أجد ما أطلب، وربما يذكرون أن الكتاب لم يعد موجودا في المكتبة كما حدث معي عند السؤال عن المجلد الأول من نسخة (حليم) التي وصفها طابعي الجزء الأول من اللطائف ولا تجدها في دار الكتب الآن، وربما بعد عناء تجد نسخة كاملة للكتاب بل نسخة مهمة ليست في مكانها من قسم القرآن كما في نسخة (طلعت) بدار الكتب المصرية، وربما يرد طلبك ويقال لك إن الكتاب يحقق عندنا ولا نستطيع أن نعطيك نسخة المخطوط، ويأتي أحيانا وهذا من فضل الله أن تبحث في دار المخطوطات عن مخطوط معين فتجد أمامك كتاب اللطائف في نسخة نادرة، هذا وقد توفي الدكتور عبد الصبور وأنا في بداية العمل - رحمه الله تعالى -، وأنا أهدي عملي هذا له - رحمه الله تعالى وجعل الفردوس الأعلى مثواه -، فقد كان العامل الوحيد السهل أثناء العمل على هذا الكتاب، الذي بدأ تحقيقه كثير من المحققين ولم يكمله أي منهم، اقرأ إن شئت مقال الشيخ إبراهيم عطوة عن هذا الكتاب في مجلة منبر الإسلام عدد شعبان سنة ١٩٧٦ ميلادية وهو يصف الكتاب وكيف تعب في البحث عن مخطوطاته ولم يتيسر له العمل.
وما زلت أعمل على الكتاب ويحل الله لي مغاليقه، ويضع بين يدي مراجع
[ ١ / ٧ ]
الكتاب بسهولة ويسر، فله الشكر ﷾ حتى تكلل العمل بالتمام بعد عشر سنوات من العمل المتواصل والمراجعة المستمرة، فلله الحمد والمنة.