تسهيل حفظه، وتكرير لفظه؛ لأنّه لو نزل جملة واحدة على أمّة أمّيّة لا يقرأ غالبهم ولا يكتب؛ لشقّ عليهم حفظه، وثقل لفظه كما أشار إلى ذلك سبحانه بقوله ردّا على الكفّار: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا/لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ﴾ (^٢)، أي:
أنزلناه مفرّقا، ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ (^٣)، أي: لنقوي بتفريقه فؤادك حتى تعيه وتحفظه؛ لأنّ المتلقّن إنما يقوى قلبه على حفظ العلم شيئا بعد شيء، وجزءا بعد جزء، ولو ألقي عليه جملة واحدة لعجز عن حفظه، وبقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ (^٤) أي على حسب الوقائع، فقد يسّره تعالى للذّكر، وإلاّ فالطّاقة البشرية تعجز [قرّاؤها] (^٥) عن حفظه وحمله، ولقد شهد بذلك قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ (^٦)، ﴿الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ (^٧)، [وانظر] (^٨) إلى قوله سبحانه: ﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ (^٩)، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى﴾ (^١٠) أي لكان هذا القرآن الذي أنزلناه إليك.
_________________
(١) العلق: ١، والنص من فتح الباري ٩/ ٥.
(٢) الفرقان: ٣٢.
(٣) الفرقان: ٣٢.
(٤) الإسراء: ١٠٦.
(٥) في جميع النسخ ما عدا الأصل [قواها].
(٦) القمر: ١٧، ٢٢، ٣٢، ٤٠.
(٧) الرحمن: ١، ٢.
(٨) ما بين المعقوفين سقط من الأصل.
(٩) الحشر: ٢١.
(١٠) الرعد: ٣١، النص بكماله من فتح الباري ٩/ ٨، بتصرف.
[ ١ / ١١٩ ]
ومنها: ما يستلزم من الشّرف له ﵇ والعناية به لكونه تردد به إليه يعلّمه أحكام ما يقع له، وأجوبة ما يسئل عنه من الأحكام والحوادث، وقال في (المرشد): "فيه تفخيم أمره وأمر من نزل عليه؛ وذلك بإعلام سكّان السّموات السّبع أنّ هذا آخر الكتب المنزّلة على خاتم الرّسل لأشرف الأمم قد قرّبناه إليهم لننزّله عليهم" (^١).
وقال السّخاوي (^٢) في (جمال القرّاء): "في نزوله إلى السّماء جملة تكريم لبني آدم، وتعظيم شأنهم عند الملائكة، وتعريفهم عناية الله بهم، ورحمته لهم، وزاد سبحانه في هذا المعنى بأن أمر جبريل بإملائه على السّفرة الكرام وانتساخهم إيّاه، وتلاوتهم له" (^٣) اه.
ومنها: أنّه أنزل على سبعة أحرف فناسب أن ينزل مفرقا، إذ لو نزل دفعة واحدة لشقّ بيانها عادة.
وقد ضبط النّقل ترتيب نزول الآيات إلاّ قليلا، وأوّل سورة نزلت ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (^٤) فنزل من أوّلها خمس آيات ثمّ نزل باقيها بعد ذلك، وكذلك سورة المدثر نزلت بعدها، نزل أوّلها ثمّ نزل سائرها [بعد، وقد أخرج أصحاب السنن الثلاثة، وصحّحه الحاكم وغيره من حديث ابن عباس عن عثمان قال: "كان رسول الله ﷺ تنزل عليه الآيات فيقول:" ضعوها في السورة التي يذكر فيها كذا " (^٥).
_________________
(١) المرشد الوجيز لأبي شامة: ١٢٩، طبع مكتبة الإمام الذهبي الكويت.
(٢) علي بن محمد بن عبد الصمد الهمداني، ولد ٥٥٨ هـ، عالم بالقراءات والأصول واللغة، من كتبه: جمال القراء، وفتح الوصيد شرح الشاطبية، الوسيلة في شرح العقيلة، سمع من أبي طاهر السلفي، ومن أبي الجيوش، وقرأ على الشاطبي، مات سنة ٦٤٣ هـ، سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٢٢، الأعلام ٤/ ٣٣٢، والوفيات ١/ ٣٤٥.
(٣) جمال القراء، السخاوي، دار البلاغة ١/ ١٥٥.
(٤) العلق: ١.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ٢٦٧ (٣٥٩٥٣)، وأحمد ١/ ٦٩ (٤٩٩) وقال محققه شعيب الأرنائوط إسناده ضعيف ومتنه منكر، وأبو داود ١/ ٢٠٨ (٧٨٦)، والحاكم ٢/ ٢٤١ (٢٨٧٥)، والنقل من فتح الباري مع تصرف في النقل ٩/ ٨.
[ ١ / ١٢٠ ]
و] (^١) قد كان نزوله كلّه بمكة، والمدينة خاصة، ونزل منه كثير في غير الحرمين، حيث كان ﷺ في سفر حج أو غزو، لكن الاصطلاح: [" أن كلّ ما نزل قبل الهجرة فهو مكّي، وما نزل بعد الهجرة فهو مدني؛ سواء] (^٢) نزل في البلد حال الإقامة، أو في غيرها حال السفر " (^٣).
وقد اعتنى بعضهم ببيان ما نزل من الآيات المدنيّة والمكيّة، ففي (الدّلائل) للبيهقي: عن عكرمة (^٤) والحسن بن أبي الحسن (^٥) قالا:" أنزل الله من القرآن بمكة:
﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، و﴿ن وَالْقَلَمِ﴾، و«المزمل»، و«المدثر» /، و﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾، و﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، و﴿سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى﴾، و﴿وَالْفَجْرِ﴾، و﴿وَالضُّحى﴾، و﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾، ﴿وَالْعَصْرِ﴾، و«العاديات»، و«الكوثر»، و«ألهاكم»، و«أرأيت»، و﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾، و«أصحاب الفيل»، [و«الفلق»] (^٦)، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، و«النجم»، و﴿عَبَسَ وَتَوَلّى﴾، و﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ﴾، و﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾، و﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ﴾، و﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، و﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾، و«القارعة»، و﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾، و«الهمزة»، و«المرسلات»، و﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، و﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ﴾، و﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ﴾، و﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾، و﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾، و«الجن»، و«يس»، و«الفرقان»، [و«الملائكة»، و«طه»، و«الواقعة»،] (^٧) و«طسم»، و«طس»،
_________________
(١) ما بين المعقوفين من جميع النسخ ما عدا الأصل.
(٢) زيادة من جميع النسخ يستقيم بها السياق.
(٣) النص بتمامه من فتح الباري ٩/ ٥ مع تصرف يسير.
(٤) عكرمة، أبو عبد الله القرشي، مولاهم المدني، البربري الأصل، مولى ابن عباس، أخذ من أكابر الصحابة، وحدث عنهم، وحدث عنه: النخعي، والشعبي، مات بالمدينة سنة أربع ومائة، وقيل: خمس ومائة من الهجرة، السير ٥/ ١٢، الجرح والتعديل ٧/ ٧، وفيات الأعيان ٣/ ٢٦٥.
(٥) هو الحسن البصري، تقدمت ترجمته.
(٦) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل.
(٧) ما بين المعقوفين سقط من الأصل، والملائكة هي سورة فاطر.
[ ١ / ١٢١ ]
و«طسم»، و«بني إسرائيل»، و«السابعة» (^١)، و«هود»، و«يوسف»، و«أصحاب الحجر»، و«الأنعام»، و«الصافات»، و«لقمان»، و«سبأ»، و«الزمر»، و«حم المؤمن»، و«حم الدخان»، و«حم السجدة»، و«حم عسق»، و«حم الزخرف»، و«الجاثية»، و«الأحقاف»، و«الذاريات»، و«الغاشية»، و«أصحاب الكهف»، و«النحل»، و«نوح»، «وإبراهيم»، و«الأنبياء»، و«المؤمنون»، و«ألم السجدة»، و«الطور»، و«تبارك الملك»، و«الحاقة»، و﴿سَأَلَ سائِلٌ﴾، و﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾، و«النازعات»، و﴿إِذَا السَّماءُ اِنْشَقَّتْ﴾، و﴿إِذَا السَّماءُ اِنْفَطَرَتْ﴾، و«الروم»، و«العنكبوت» ".
وقد سقط من هذه الرواية ذكر: «فاتحة الكتاب»، و«الأعراف»، و«كهيعص»، فيما نزل بمكة، وما نزل بالمدينة: و﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، و«البقرة»، و«آل عمران»، و«الأنفال»، و«الأحزاب»، و«المائدة»، و«الممتحنة»، و«النّساء»، و«إذا زلزلت»، و«الحديد»، و«محمد»، و«الرّعد»، و«الرحمن»، و﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ﴾، و«الطّلاق»، [و«لم يكن»] (^٢)، و«الحشر»، و﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ﴾، و«النّور»، و«الحج»، و«المنافقون»، و«المجادلة»، و«الحجرات»، و﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾، و«الصّف»، و«الجمعة»، و«التّغابن»، و«الفتح»، و«براءة».
قال البيهقي (^٣): والسابعة يريد [«يس»] (^٤)، انتهى، ففسرها ب «يس» مع تقدمها، والله أعلم.
_________________
(١) قصد المؤلف بها هنا يونس حيث أخبر بعد نهاية الرواية أن الأعراف سقطت، وفي (أ) ذكر أن السابعة هي الأعراف، ثم ذكر في جميع النسخ بعدها [التاسعة]، وهي يونس انظر الإتقان ١/ ٥٠، انظر دلائل النبوة للبيهقي ٧/ ١٤٢، وفيها (التاسعة).
(٢) ما بين المعقوفين سقط من الأصل.
(٣) دلائل النبوة، البيهقي ٧/ ١٤٣، وصحح البيهقي إسناد الأثر مرسلا ٧/ ١٤٤.
(٤) في (ق) [والتاسعة يريد يونس]، وما في دلائل النبوة ٧/ ١٤٣:" والتاسعة يريد بها يونس "، والرّاجح أنّ ما في الدلائل بطبعاته المختلفة من ذكر:" والتاسعة يريد بهاسورة يونس "خطأ من النّساخ، وقد علّق محقق الإتقان طبعة مجمع الملك فهد بتعليق نفيس في هامش ١/ ٥٢ قال: "اتّفقت نسخ الإتقان هنا في رواية البيهقي وتفسيره على السابعة قلت وكذلك هنا في اللطائف -، -
[ ١ / ١٢٢ ]
وفي بعض السور التي نزلت بمكة آيات نزلت بالمدينة فألحقت بها، يأتي بيان ما تيسر منها أوّل كلّسورة من هذا المجموع إن شاء الله تعالى.
وأخرج ابن الضّريس في (فضائل القرآن) من طريق عثمان بن عطاء الخراساني (^١) عن أبيه عن ابن عباس: "إنّ الذي نزل بالمدينة: «البقرة»، ثمّ «آل عمران»، ثمّ «الأنفال»، ثمّ «الأحزاب»، ثمّ «المائدة»، ثمّ «الممتحنة»، ثمّ «النّساء»، ثمّ «إذا زلزلت»، ثمّ «الحديد»، ثمّ «القتال»، ثمّ «الرّعد»، ثمّ «الرّحمن» /، ثمّ «الإنسان»، ثمّ «الطّلاق»، ثمّ «الحج»، ثمّ «إذا جاء نصر الله»، ثمّ «النّور»، ثمّ «الحشر»، ثمّ «المنافقون»، ثمّ «المجادلة»، ثمّ «الحجرات»، ثمّ «التّحريم»، ثمّ «لم يكن»، ثمّ «الجاثية»، ثمّ «التّغابن»، ثمّ «الصّف»، ثمّ «الفتح»، ثمّ «براءة» " (^٢).
_________________
(١) = - وهو كذلك في شعب الإيمان للبيهقي ٢/ ٤٦٥ في فضائل السبع الطوال عن ابن عباس وسعيد بن جبير، وحددها بست سور بدءا من سورة البقرة، وروى عنهما أنّ السابعة هي سورة يونس، ومثله في جامع البيان ١٤/ ٥٢/٨، وتفسير ابن كثير ٤/ ٤٦٤، والدر المنثور ٥/ ٩٦، وأخرج الحاكم ٢/ ٣٣٩ بإسناده عن أبي سعد مولى أبي أسيد الأنصاري قال: سمع عثمان بن عفان ﵁ أن وفد أهل مصر قد أقبلوا … فقالوا له: ادع لنا بالمصحف، وافتتح السابعة وكانوا يسمون سورة يونس السابعة فقرأها … "قال الحاكم صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، … وذكر السيوطي بعضا من هذه الروايات في خاتمة النوع الثامن عشر ٢/ ٤١٢، وهذه الروايات تدل على أن سورة يونس اشتهرت عندهم بالسابعة أكثر من اسمها وعلى هذا ما جاء في الدلائل للبيهقي ٧/ ١٤٣"، وذكر هنا ما بين المعقوفين [يس] وهو خطأ، وصوابه كما في الدلائل ٧/ ١٤٣، والإتقان ١/ ٥٢ وغيرهما من الكتب التي نقلت الرواية [يونس]، وهو الصواب والله أعلم.
(٢) عثمان بن عطاء الخراساني، أبو مسعود المقدسي، روى عن أبيه، وابن ذؤيب، روى عنه ابن المبارك، وجماعة، ولد سنة ٨٨ هـ، وتوفي سنة ١٥٥ هـ، تاريخ الإسلام للذهبي ٣/ ١٤٨.
(٣) فضائل القرآن، ابن الضريس: ٧٣ (١٧)، وابن الضّريس هو: محمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس، أبو عبد الله البجلي الرازي، صاحب كتاب فضائل القرآن، ولد في حدود سنة ٢٠٠ هـ، وسمع من الطيالسي، والعبدي، كان ثقة يرحل إليه، مات بالري سنة ٢٩٤ هـ، سير أعلام النبلاء ٣/ ٤٤٩، الوافي بالوفيات ٢/ ٢٣٤، والنص به تقديم وتأخير وهو: "ثم أنزل بالمدينة: سورة البقرة، ثم الأنفال، ثم آل عمران، ثم الأحزاب، ثم الممتحنة، ثم النساء، ثم إذا زلزلت، ثم الحديد، ثم سورة محمد، ثم الرعد، ثم سورة الرحمن، ثم هل أتى على الإنسان، ثم يا أيها النبي إذا طلقتم، ثم لم يكن، ثم الحشر، ثم إذا جاء نصر الله، ثم النور، ثم الحج، ثم المنافقون، ثم -
[ ١ / ١٢٣ ]
وثبت في صحيح مسلم من حديث أنس" أنّسورة «الكوثر» مدنية " (^١)، فهو المعتمد.
واختلف في: «الفاتحة»، و«الرحمن»، و«المطففين»، و«إذا زلزلت»، و«العاديات»، و«القدر»، و«أرأيت»، و«الإخلاص»، و«المعوذتين»، وغيرها مما يأتي إن شاء الّه تعالى بيانه أوّل السور.
وكذا اختلف مما تقدّم في: «الصف»، و«الجمعة»، و«التّغابن».
وعن زين العابدين:" أوّل سورة نزلت بالمدينة: ويل للمطففين".
وعن عكرمة:" البقرة".
وعن هشام بن عروة (^٢) عن أبيه (^٣):" كلّ شئ نزل على رسول الله ﷺ من القرآن فيه ذكر الأمم والقرون، وما يثبّت به الرّسول، فإنّما نزل بمكة، وما كان من الفرائض والسّنن فإنّما نزل بالمدينة " (^٤).
وعن علقمة (^٥) عن عبد الله قال:" ما كان: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نزل بالمدينة،
_________________
(١) = - المجادلة، ثم الحجرات، ثم لم تحرم، ثم الجمعة، ثم التغابن، ثم الحواريون [أي الصف]، ثم الفتح، ثم المائدة، ثم التوبة، فذلك ثمان وعشرون سورة "، وهذا خبر ضعيف السند لوجود عمر بن هارون بن يزيد الثقفي فيه وهو متروك الحديث كما في التقريب: ٧٢٨ (٥٠١٤).
(٢) صحيح مسلم ١/ ٣٠٠ (٤٠٠)، وفيه:" بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا …، الحديث "، قال ابن حجر ٩/ ٤١:" بين أظهرنا في المسجد مما يدل على أن السورة مدنية ".
(٣) هشام بن عروة بن الزبير، الفقيه أحد الحفاظ، أبو المنذر القرشي الأسدي، ولد سنة ٦١ هـ، وسمع من أبيه وعمه، وطائفة من كبار التابعين، وروى عنه جمع كبير، توفي سنة ١٤٦ هـ، سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٤، وفيات الأعيان ٦/ ٥٨٠.
(٤) عروة بن الزبير بن العوام الأسدي، أبو عبد الله، أحد الفقهاء السبعة، ولد سنة ٢٢ هـ، مات سنة ٩٣ هـ، الأعلام ٤/ ٢٢٦، الوفيات ١/ ٣١٦.
(٥) الخبر أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٧/ ١٤٤ بسند فيه أحمد بن عبد الجبار العطاردي، وهو ضعيف كما في التقريب: ٩٣ (٦٤).
(٦) علقمة بن قيس النخعي الكوفي صاحب عبد الله بن مسعود، أبو شبل الكوفي، ولد في عهد -
[ ١ / ١٢٤ ]
وما كان ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ فبمكة" (^١).
ويقال: إنّ مصحف علي ﵁ كان على ترتيب النّزول أوّله: اقرأ، ثمّ المدثر، ثمّ نون والقلم، ثمّ المزمل، ثمّ تبت، ثمّ التكوير، ثمّ سبح، وهكذا إلى آخر المكّي، ثمّ المدني: وأوّل سورة أعلن بهاسورة والنجم (^٢).
وأمّا ترتيب المصحف على ما هو عليه الآن فقال القاضي أبو بكر ابن الباقلاني:
"يحتمل أن يكون النّبيّ ﷺ هو الذي أمر بترتيبه هكذا، ويحتمل أن يكون من اجتهاد الصحابة، ورجّح الأوّل بأنّه ﷺ كان يعارض به جبريل في كلّ سنة، فالذي يظهر أنّه عارضه به هكذا على هذا الترتيب، وبهذا جزم ابن الأنباري، وفيه نظر، بل الذي يظهر أنّه كان يعارضه به على ترتيب النزول، نعم ترتيب بعض السور على بعض أو معظمها لا يمتنع أن يكون توقيفيا" (^٣).
وقد روى الإمام أحمد، وابن أبي داود (^٤)، والطّبري من طريق عبيدة بن عمرو السلماني (^٥): "أنّ الذي جمع عليه عثمان الناس موافق للعرضة الأخيرة"، ومن طريق
_________________
(١) = - النبي ولم يلقه، وأخذ عنه يحيى بن وثاب وغيره، توفي سنة ٦٢ هـ، سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٣، تاريخ بغداد ٥/ ٥٥٢، الغاية ١/ ٥١٦.
(٢) هذا القول ليس على إطلاقه، وإنما هو ضابط فقط، وليس للحصر، وقال مكي: "هذا إنّما على الأكثر وليس بعام"، انظر: الإتقان ١/ ١٠٦، والخبر أخرجه الحاكم ٣/ ٢٠ (٤٢٩٥)، البيهقي في الدلائل ٧/ ١٤٤، وابن أبي شيبة في مصنفه ١٠/ ٥٢٣ (٣٠٧٧٣)، والبزار ٣/ ٣٩.
(٣) انظر: المصاحف ١/ ١٨٠، فضائل القرآن لابن كثير: ٤١، وابن حجر في الفتح ٩/ ١٢ وقال: إسناده ضعيف، وذكر الخبر بصيغة التمريض: "يقال": ٩/ ٤٢، وانظر الإتقان ٢/ ٤٦٥.
(٤) الانتصار ١/ ١٢، فتح الباري ٩/ ٤٢.
(٥) ابن أبي داود، عبد الله بن سليمان الأشعث، أبو بكر السجستاني، صاحب كتاب المصاحف، شيخ بغداد، ولد سنة ٢٣٠ هـ، روى عن أبيه وعمه، صنف السنن، والتاريخ، والناسخ والمنسوخ، حدث عنه ابن حبان والحاكم، والدارقطني، وغيرهم، توفي سنة ٣٠٩ هـ، انظر: سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٢٢، وفيات الأعيان ٢/ ٤٠٤.
(٦) عبيدة بن عمرو السلماني، الكوفي، أبو مسلم بن قيس السلماني، التابعي الكبير، أسلم في عام فتح مكة باليمن، ولا صحبة له، أخذ عن علي بن أبي طالب، وابن مسعود، روى عنه النخعي، -
[ ١ / ١٢٥ ]
محمد بن سيرين (^١) قال: "كان جبريل يعارض النّبيّ ﷺ بالقرآن … الحديث"، وفي آخره: "فيرون أن قراءتنا أحدث القراءات (^٢) عهدا بالعرضة الأخيرة" (^٣).
وكان من تيسير الله تعالى ورحمته بنا أن أنزله على سبعة أحرف، /فعن ابن عباس أنّ رسول الله ﷺ قال: "أقرأني جبريل على حرف واحد فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف" رواه البخاري (^٤)، وعن المسور بن مخرمة (^٥)، وعبد الرحمن القاريّ (^٦) بتشديد الياء نسبة إلى القارة بطن من خزيمة -:
أنّهما سمعا عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "سمعت هشام بن حكيم (^٧) يقرأسورة
_________________
(١) = - والشعبي، وابن سيرين، توفي سنة ٧٢ هـ، انظر: سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٠، تاريخ بغداد ١١/ ١١٧.
(٢) محمد بن سيرين البصري، أبو بكر، ولد سنة ٣٣ هـ، سمع من أبي هريرة، وابن عباس، روى عنه قتادة، ويونس بن عبيد، مات سنة ١١٠ هـ، الأعلام ٦/ ١٥٤، السير ٤/ ٦٠٦، وفيات الأعيان ١/ ٤٥٣.
(٣) في فضائل القرآن للقاسم بن سلام ٢/ ١٨٨ (٧٨٦) [القراءتين]، وهو الصواب.
(٤) النص بكماله من:" وأما ترتيب "حتى هنا من فتح الباري ٩/ ٤٢، والحديث أخرجه في فضائل القرآن القاسم بن سلام ٢/ ٨٨١ (٧٨٦)، وفي الطبقات الكبرى لابن سعد (١٧٨٧) عن محمد بن سيرين، وهو من أقواله وغير مرفوع إلى النبي، وفي آخر قول ابن سيرين:" فيرون أو فيرجون أنتكون قراءتنا هذه أحدث القراءتين عهدا بالعرضة الأخيرة "وفي (أ) بالعرضية.
(٥) صحيح البخاري ٤/ ١٩٠٩ (٤٧٠٥) باب أنزل القرآن على سبعة أحرف، وفيه:" على حرف "بدون" واحد ".
(٦) المسور بن مخرمة بن نوفل بن أهيب، كان مولده بعد الهجرة بسنتين، ومات سنة ٦٤ هـ، له صحبة ورواية، حدث عن جمع من الصحابة، منهم الصديق، وعمر، وعثمان، وحدث عنه علي بن الحسين، وعروة وغيرهم، انظر: السير ٣/ ٣٩٠، الاستيعاب ١٣٩٩.
(٧) في هامش (ج) القارّي، بتشديد الراء، وفي (ط) بزيادة (بن عبد)، وهو عبد الرحمن بن عبد القاريّ، اختلف في صحبته، ولد أيام النبوة، وأتي به النبي وهو صغير، روى عن عمر، وطلحة، وأبي أيوب، وروى عنه الزهري، وعروة بن الزبير مات سنة ٨٠ هـ بالمدينة، انظر: طبقات ابن سعد ٥/ ٥٧، أسد الغابة ٣/ ٤٠٦، سير أعلام النبلاء ٤/ ١٤.
(٨) هشام بن حكيم بن حزام بن خويلد القرشي، أسلم يوم الفتح، روى عنه جبير وعروة بن الزبير، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، مات سنة ١٥ هـ، تاريخ الإسلام ٢/ ٣٧٨، الأعلام ٨/ ٨٥، أسد الغابة ٥/ ٦١.
[ ١ / ١٢٦ ]
الفرقان في حياة رسول الله ﷺ قال: فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ علي حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ فكدت أساوره في الصلاة فتصبّرت حتى سلّم فلببته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السّورة التي سمعتك تقرأ؟. قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ، فقلت: كذبت فإنّ رسول الله ﷺ قد أقرأنيها على غير ما قرأت فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ، فقلت: إنّي سمعت هذا يقرأسورة الفرقان على حروف لم تقرأنيها، فقال رسول الله ﷺ: اقرأ (^١) يا هشام، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله ﷺ: كذلك أنزلت ثمّ قال: أقرأ يا عمر، فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله ﷺ: كذلك أنزلت، إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤا ما تيسر منه "، رواه البخاري (^٢) أيضا.
وقوله:" أساوره ": أي آخذ برأسه، و" لببته ": أي جمعت عليه ثيابه عند لبّته (^٣) لئلا ينفلت مني، وكان عمر ﵁ شديدا في الأمر بالمعروف (^٤).
وفي قوله:" فاقرءوا ما تيسر منه ": إشارة إلى الحكمة في التّعدد المذكور في الحديث، وأنّه للتّيسير على القارئ، وهذا يقوّي قول من قال:" المراد بالأحرف اللفظ المرادف، ولو كان من لغة واحدة؛ لأنّ لغة هشام بلسان قريش وكذلك عمر، ومع ذلك فقد اختلفت قراءتهما "، نبّه على ذلك ابن عبد البر (^٥)، ونقل عن أكثر أهل العلم أنّ هذا هو المراد بالأحرف السبعة (^٦).
_________________
(١) في البخاري:" أرسله، اقرأ ".
(٢) صحيح البخاري ٤/ ١٩٠٩ (٤٧٠٦).
(٣) ولبه: جمع ثيابه عند نحره في الخصومة ثم جره، انظر: الوسيط ٢/ ٨٤٤ مادة لبب.
(٤) انظر: فتح الباري ٩/ ٢٥.
(٥) أبو عمرو يوسف بن عبد الله بن محمد النمري القرطبي سمع من عبيد الله بن يحيى، وروى عنه عمر بن نمارة، ألف التمهيد، والاستذكار في شرح الموطأ، وبيان العلم وفضله، توفي سنة (٣٤١) هـ، انظر: سير أعلام النبلاء ١٥/ ٤٩٨، جذوة المقتبس: ٥٩.
(٦) انظر فتح الباري ٩/ ٢٦، والنقل بتمامه من هناك، وانظر: التمهيد ٣/ ٤٨٩، والمرشد الوجيز: ١٠٦، والإتقان ١/ ٣٠٨.
[ ١ / ١٢٧ ]
وقال أبو علي الأهوازي:" هي لغات قريش، ومن ينتهي نسبه إليها، لنزوله بلغتهم، لأنهم قوم الرسول ﷺ، وهي أفصح اللغات".
وقال الفرّاء (^١):" لأنّهم جاوروا البيت فكانت تفزع (^٢) إليهم القبائل على تنوعها، ويخاطبونهم فيختارون من كلّ لغة فصحاها، /ومن كلّ وجه أحسنه، [فجاؤوا] (^٣) فصاحا صباحا (^٤) ".
ومن ثمّ كتب عمر ﵁ إلى ابن مسعود:" إنّ الله أنزل القرآن بلغة هذا الحي من قريش فأقرئ النّاس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل "، حين أقرأ «عتى» (^٥) بالعين.
وذهب أبو عبيد وآخرون إلى أنّ المراد اختلاف اللغات، وهو اختيار ابن عطية، وتعقب بأنّ لغات العرب أكثر من سبعة، وأجيب بأنّ المراد أفصحها (^٦).
وقال أبو حاتم السجستاني (^٧):" نزل بلغة قريش، وهذيل، وتيم، والأزد، وربيعة، وهوازن، وسعد بن بكر "، واستنكره ابن قتيبة، واحتجّ بقوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا﴾
_________________
(١) الفراء، يحيى بن زياد بن عبد الله، أبو بكر الأسلمي النحوي الكوفي، توفي ٢٠٧ هـ، يروي عن الكسائي، وروى عنه سلمة بن عاصم وغيره، له كتاب معاني القرآن، سير أعلام النبلاء ١٠/ ١١٨، مراتب النحويين ٨٦، وفيات الأعيان ٦/ ١٧٦.
(٢) فزع إليه: لجأ واستغاث، وفزع القوم: أغاثهم ونصرهم، الوسيط ٢/ ٧١٢ مادة فزع.
(٣) ما بين المعقوفين سقط من الأصل.
(٤) فصاحا صباحا: فصاحا جمع فصح، وهو ما خلص من الشوائب، وفصح الرجل انطلق لسانه بكلام صحيح واضح، الوسيط ٢/ ٧١٦، والصباح جمع صبح، وصبح الوجه أشرق وجمل، الوسيط ١/ ٥٢٤.
(٥) أي: «حتى حين» كما في سورة يوسف: ٣٥.
(٦) غريب الحديث ٢/ ٦٤٢، المحرر لابن عطية ١/ ٢٧.
(٧) أبو حاتم السجستاني، سهل بن محمد بن عثمان بن يزيد، إمام البصرة في النحو، والقراءة، واللغة، والعروض، أخذ عن يزيد بن هارون، والأصمعي، ويعقوب وقرأ عليه القرآن الكريم، حدث عنه أبو داود، والنسائي، في كتابيهما، له كتاب (إعراب القرآن)، و(ما يلحن فيه العامة)، و(اختلاف المصاحف)، مات سنة ٢٥٥ هـ، انظر: السير ٢/ ٢٦٨، وفيات الأعيان ٢/ ٤٣٠.
[ ١ / ١٢٨ ]
﴿مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ (^١)، فعلى هذا فتكون اللّغات السّبع في بطون قريش، وبذلك جزم أبو علي الأهوازي كما مرّ (^٢).
والحق أنّه لا يلزم من هذه الآية أن يكون النّبي ﷺ أرسل بلسان قريش فقط لكونهم قومه، بل أرسل بلسان جميع العرب، لأنّه أرسل إليهم كلّهم، ولا يرد على هذا كونه ﷺ بعث إلى النّاس كافة عربا وعجما؛ لأنّ اللسان الذي نزل عليه به الوحي عربي، وهو بلّغه إلى طوائف العرب، وهم يترجمونه لغير العرب بألسنتهم.
وقال أبو عبيد:" ليس المراد [أن] (^٣) كلّ كلمة تقرأ على سبع لغات بل اللغات السبع مفرّقة فيه؛ فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة اليمن، وغيرهم " (^٤).
ولا يوجد في القرآن كلمة تقرأ على سبعة أحرف إلاّ الشيء القليل مثل: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ (^٥)، ﴿وَجِبْرِيلَ﴾ (^٦)، و﴿أَرْجِهْ﴾ (^٧).
وقيل: نزل بلغة مضر خاصّة لقول عمر ﵁:" نزل القرآن بلغة مضر " (^٨).
وعيّن بعضهم فيما حكاه ابن عبد البر:" السبع من مضر أنّهم: هذيل، وكنانة، وقيس، وضبة، وتيم الرّباب، وأسد بن خزيمة، وقريش، فهذه قبائل مضر تستوعب سبع لغات " (^٩).
_________________
(١) إبراهيم: ٤.
(٢) انظر: الإتقان ١/ ٣٢٢، والمرشد الوجيز: ٩٣، ٩٣، وتأويل مشكل القرآن: ٣٩.
(٣) ما بين المعقوفين سقط من الأصل.
(٤) فضائل القرآن لأبي عبيد ٢/ ١٦٨، وغريب الحديث ٢/ ٦٤٢.
(٥) الإسراء: ٢٣.
(٦) في موضعين في القرآن: البقرة: ٩٨، التحريم: ٤.
(٧) في موضعين في القرآن: الأعراف: ١١١، الشعراء: ٣٦.
(٨) أخرجه ابن أبي داود في المصاحف: ١٦٤ (٣٤).
(٩) التمهيد، ابن عبد البر ٥/ ٤٥٥، الاستذكار ٢/ ٣٨٧.
[ ١ / ١٢٩ ]
لكن قال القاضي الباقلاني فيما عزاه له في فتح الباري:" إن ظاهر قوله - تعالى -:
﴿إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (^١) أنّه نزل بجميع ألسنة العرب، ومن زعم أنّه أراد مضر دون ربيعة، أو هما دون اليمن، أو قريشا فعليه البيان، لأنّ اسم العرب يتناول الجميع تناولا واحدا، ولو ساغت هذه الدّعوى لساغ لآخر أن يقول: "نزل بلسان بني هاشم مثلا"، لأنّهم أقرب نسبا إلى النّبي ﷺ من سائر قريش " (^٢).
ونقل العلامة أبو شامة عن بعضهم:" أنّه نزل أولا بلسان قريش ومن جاورهم/ من العرب الفصحاء، ثمّ أبيح للعرب أن يقرؤه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والإعراب " (^٣) انتهى.
ويدل على ما قاله ما ثبت أنّ ورود التّخفيف كان بعد الهجرة كما في حديث أبيّ بن كعب:" أنّ جبريل لقي النّبي ﷺ وهو عند أضاة بني غفّار فقال: "إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف"، فقال: "أسأل الله معافاته ومغفرته فإن أمتي لا تطيق ذلك … الحديث"، رواه مسلم (^٤).
وأضاة بني غفار بفتح الهمزة، والضّاد المعجمة بغير همز، وآخره تاء تأنيث:
موضع بالمدينة النبوية نسب لبني غفار بكسر المعجمة.
وحاصل ما ذهب إليه هؤلاء أنّ معنى قوله: أنزل على سبعة أحرف: أي أنزل توسعا على القارئ أن يقرأه على سبعة أوجه أي يقرأ بأيّ حرف أراد منها، على البدل من صاحبه كأنّه قال: "أنزل على هذا الشرط أو على هذه التوسعة، وذلك لتسهل قراءته".
_________________
(١) الزخرف: ٣.
(٢) فتح الباري ٩/ ٩.
(٣) المرشد الوجيز: ٩٥، والإتقان ١/ ٣٢١ وما بعدها، وانظر: فتح الباري ٩/ ٩ والنقل بتصرف يسير.
(٤) الحديث أخرجه مسلم ١/ ٥٦٢ (٨٢١).
[ ١ / ١٣٠ ]
وقال ابن قتيبة فى أوّل تفسير «المشكل» له: "وكان من تيسير الله أن أمر نبيّه أن يقرئ كلّ قوم بلغتهم، وما جرت عليه عادتهم؛ فالهذلي يقرأ: «عتّى عين»، يريد «حتى حين»، والأسدي يقرأ: «تعلمون» بكسر أوّله، والتميمي: يهمز، والقرشي:
لا يهمز"، قال: "ولو أراد كلّ فريق منهم أن يزول عن لغته وما جرى على لسانه لشقّ عليه غاية المشقة، فيسر الله عليهم ذلك بمنّه" (^١).
وقال ابن عبد البر: "أنكر أكثر أهل العلم أن يكون معنى الأحرف: اللّغات لما تقدّم من اختلاف هشام وعمر ولغتهما واحدة، قالوا: وإنّما المعنى سبعة أوجه من المعاني المتّفقة بالألفاظ المختلفة نحو: أقبل، وهلم، وتعال" (^٢) اه.
قال الحافظ ابن حجر: "ويمكن الجمع بين القولين بأن يكون المراد بالأحرف تغاير الألفاظ مع اتفاق المعنى مع انحصار ذلك في سبع لغات، لكن لاختلاف القولين فائدة أخرى وهي ما نبّه عليه أبو عمرو الدّاني: أنّ الأحرف السّبعة ليست متفرقة في القرآن كلّها، ولا موجودة فيه في ختمة واحدة، فإذا قرأ القارئ بقراءة من القراءات أو برواية من الروايات فإنّما قرأ ببعض الأحرف السبعة لا بكلّها، وهذا إنّما يتأتّى على القول بأنّ المراد بالأحرف اللغات، وأمّا على قول من يقول بالآخر فيتأتّى ذلك في ختمة واحدة بلا ريب؛ بل يمكن على ذلك القول أن تحصل الأوجه السّبعة في بعض/القرآن" (^٣).
واعلم أنّ الاختلاف في الأحرف السّبعة اختلاف تنوع وتغاير؛ لا تضاد وتناقض، إذ هو محال أن يكون في كتاب الله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ (^٤)، ولا يخلوا الاختلاف من ثلاثة أحوال لأنه:
_________________
(١) مشكل القرآن، ابن قتيبة: ٣٠ بتصرف.
(٢) التمهيد، ابن عبد البر ٥/ ٤٥٩، والنقل بتصرف.
(٣) انظر: جامع البيان للداني: ٢٣ والنص منه بتصرف، الفتح ٩/ ٢٨، والنشر ١/ ٤٢.
(٤) النساء: ٨٢، وانظر فتح الباري ٩/ ٢٣.
[ ١ / ١٣١ ]
إمّا أن يكون اختلاف لفظ والمعنى واحد ك ﴿الصِّراطَ﴾ (^١) و﴿الْقُدُسِ﴾ (^٢) ونحوهما ممّا يطلق عليه أنّه لغات فقط.
وإمّا أن يختلفا جميعا مع جواز اجتماعهما في شيء واحد، كالاختلاف في ﴿كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ (^٣) بالرّاء والزّاي، فمعنى الرّاء (^٤): أنّ الله أحيا العظام، ومعنى الزّاي (^٥): أنّه رفع بعضها إلى بعض حتى قامت، فضمّن الله تعالى المعنيين في القراءتين.
وإمّا أن يختلفا جميعا مع امتناع جواز اجتماعهما في شئ واحد بل يتّفقا من وجه آخر لا يقتضي التّضاد [نحو ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ (^٦) بالتّشديد والتّخفيف فإنّ ذلك ونحوه وإن اختلف لفظا ومعنى، وامتنع اجتماعه في شيء واحد فإنّه يجتمع من وجه آخر ممتنع فيه التّضاد] (^٧) والتّناقض، فإنّ وجه التّشديد أي: "وتيقّن الرّسل أنّ قومهم قد كذبوهم"، [ووجه التخفيف: أي: "وتوهّم المرسل إليهم أنّ الرّسل قد كذبوهم] (^٨) فيما أمروهم به"، فالظّنّ في الأولى يقين، والضّمائر الثّلاثة للرّسل، وفي القراءة الثّانية: شك، والضّمائر الثّلاثة للمرسل إليهم، فليس في ذلك تناف ولا تناقض (^٩).
وقد حمل ابن قتيبة وغيره العدد المذكور على الوجوه التي يقع بها التّغاير في سبعة أشياء:
_________________
(١) الفاتحة: ٦.
(٢) البقرة: ٨٧.
(٣) البقرة: ٢٥٦.
(٤) أي في قوله تعالى: «ننشرها».
(٥) أي في قوله تعالى: «ننشزها».
(٦) يوسف: ١١٠.
(٧) ما بين المعقوفين في جميع المخطوطات ما عدا الأصل، وهي زيادة يقتضيها السياق.
(٨) ما بين المعقوفين ليس في الأصل، وهي زيادة يقتضيها السياق.
(٩) الأحرف السبعة للداني: ٤٦، شرح ابن بطال للبخاري ١٠/ ٢٣٥، والنشر ١/ ٥٠.
[ ١ / ١٣٢ ]
الأوّل: ما تتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته مثل: ﴿وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ بنصب الرّاء ورفعها.
الثاني: ما يتغير بتغير الفعل مثل: «بعّد بين أسفارنا»، و﴿باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا﴾ بصيغة الطّلب، والفعل الماضي.
الثّالث: ما يتغير بنقط بعض الحروف المهملة مثل ﴿نُنْشِزُها﴾ بالرّاء والزّاي.
الرّابع: ما يتغير بإبدال حرف قريب من مخرج الآخر، مثل ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ في قراءة عليّ «وطلع منضود».
الخامس: ما يتغير بالتّقديم والتّأخير: مثل ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ (^١) في قراءة أبي بكر الصديق (^٢)، وطلحة بن مصرف (^٣)، وزين العابدين (^٤) «وجاءت سكرة الحق بالموت».
السّادس: ما يتغير بزيادة أو نقصان مثل: «والليل إذا يغشى. والنهار إذا تجلى.»
«والذكر والأنثى» (^٥)، هذا النّقصان، وأمّا الزّيادة فكما في حديث ابن عباس: " «وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين» (^٦).
_________________
(١) البقرة: ٢٨٢، سبا: ١٩، البقرة: ٢٥٩، الواقعة: ١٩، ق: ١٩، على الترتيب.
(٢) ورد عن أبي بكر روايتان، الأولى: موافقة للمصحف فعليها العمل، والأخرى رواية شاذة عنه لا تجوز القراءة بها والرواية في تفسير الطبري ٢١/ ٤٢٧ (٣٢١٤٤)، فضائل القرآن لابن سلام: ٣١٢.
(٣) طلحة بن مصرف بن عمرو بن كعب، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله الهمداني اليامي، الكوفي، تابعي كبير، قرأ على يحيى بن وثاب، وروى عن أنس بن مالك، وحدث عنه الأعمش وشعبة مات سنة ١١٢ هـ وله اختيار في القراءة ينسب إليه، وكان أقرأ أهل الكوفة، انظر: المعرفة ١/ ٣٤٣، والسير ٥/ ١٩١.
(٤) علي بن الحسين بن علي المعروف بزين العابدين، انظر: تاريخ الإسلام ٢/ ١١٤٤.
(٥) سورة الليل: ١، ٢، ٣.
(٦) الشعراء: ٢١٤، متفق عليه من حديث ابن عباس، رواه مسلم ١/ ١٩٣ (٣٥٥)، البخاري ٤/ ١٩٠٢ (٤٩٨٧)، وانظر: فتح الباري ٨/ ٥٠٢.
[ ١ / ١٣٣ ]
السّابع: ما يتغير بإبدال كلمة بكلمة ترادفها مثل: ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ (^١) في قراءة ابن مسعود، وسعيد بن جبير «كالصوف المنفوش»، انتهى ما قاله ابن قتيبة فيما نقله عنه الحافظ أبو الفضل العسقلاني (^٢).
ونقله عنه أيضا في (النشر) بنحوه لكنه/قال:" الرّابع: أن يكون الاختلاف في الكلمة بما يغير صورتها ومعناها نحو: «طلع نضيد» في موضع: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ (^٣) في آخر " (^٤).
ثمّ قال:" وهو وجه حسن إلاّ أنّ تمثيله ب «طلع نضيد»، و﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ لا تعلّق له باختلاف القراءات، ولو مثّل عوض ذلك بقوله ﴿بِضَنِينٍ﴾ (^٥) بالضاد، و«بظنين» بالظّاء، و﴿أَشَدَّ مِنْكُمْ﴾ (^٦) و﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ لاستقام وطلع بدر حسنه في تمام، على أنّه قد فاته كما فات غيره أكثر أصول القراءات كالإدغام، والإظهار، والإخفاء، والإمالة، والتفخيم، وبين بين، والمد، وبعض أحكام الهمزة، وكذلك الرّوم والإشمام على اختلاف أنواعه " (^٧) اه.
وقال أبو الفضل الرازي (^٨):" الكلام لا يخرج عن سبعة أوجه في الاختلاف:
الأوّل: اختلاف الأسماء من إفراد وتثنية وجمع، أو تذكير وتأنيث.
_________________
(١) القارعة: ٥.
(٢) تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة: ٢٨، ٢٩. بتصرف كبير، واختلاف في الأمثلة، وانظر: فتح الباري، ابن حجر ٩/ ٢٠٠ شرح حديث (٤٦٠٨)، والعبارة بها تقديم وتأخير.
(٣) الواقعة: ٢٩.
(٤) النشر ١/ ٣٩
(٥) التكوير: ٢٤.
(٦) التوبة: ٦٩.
(٧) النشر ١/ ٢٧، ٢٨.
(٨) عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن الرازي، المكي المولد، ولد سنة ٣٧١ هـ، ثقة ورع كبير القدر في القراءات، قرأ على المجاهدي، أخد عنه ابن الخطيب، ومحمد الدقاق وغيرهم، مؤلف كتاب (جامع الوقوف) توفي سنة ٤٥٤ هـ، انظر: الغاية ١/ ٣٦١، المعرفة ١/ ٣٣٥.
[ ١ / ١٣٤ ]
الثّاني: اختلاف تصريف الأفعال وما يسند إليه من: ماض، ومضارع، وأمر، والإسناد إلى المذكر والمؤنث، والمتكلم والمخاطب، والفاعل والمفعول به.
الثّالث: وجوه الإعراب.
الرّابع: النّقص والزّيادة.
الخامس: التّقديم والتّأخير.
السّادس: القلب والإبدال في كلمة بأخرى، وفي حرف بآخر.
السّابع: اختلاف اللّغات كالفتح والإمالة، والتّرقيق والتّفخيم، والإدغام والإظهار، ونحو ذلك " (^١)، وقد أخذ كلام ابن قتيبة ونقّحه (^٢).
وقال ابن الجزري (^٣):" تتبعت القراءات صحيحها، وشاذها، وضعيفها، ومنكرها فإذا [هي ترجع] (^٤) إلى سبعة أوجه من الاختلاف لا تخرج عنها وذلك:
إمّا في الحركات بلا تغيّر في المعنى والصّورة نحو ﴿بِالْبُخْلِ﴾ (^٥)، و﴿يَحْسَبُ﴾ (^٦) بوجهين، أو بتغير في المعنى فقط نحو: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ (^٧) و﴿وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ (^٨)، «وأمّة»، وإمّا في الحروف بتغير المعنى لا الصّورة نحو «تبلوا»
_________________
(١) هذا النص من كتابه "شرح حديث أنزل القرآن على سبعة أحرف" ٢٣ /أ، واللوامح كما في الإتقان ١/ ٣١٣، والكتاب في عداد المفقود حتى الآن.
(٢) النشر ١/ ٣٧.
(٣) النشر ١/ ٣٧، وستأتي كل قراءة مثل لها في مكانها من الكتاب.
(٤) ما بين المعقوفين في النشر ١/ ٣٧: [هو يرجع اختلافها].
(٥) النساء: ٣٤، الحديد: ٢٤، فيها أربعة أوجه: هي: (البخل) بضم الباء وسكون الخاء، قراءة الجمهور، و(البخل) بفتحهما، حمزة والكسائي، (والبخل) بضمهما عيسى بن عمر، والحسن، و(البخل) بفتح فسكون، الزبير، وقتادة وجماعة.
(٦) الهمزة: ٣.
(٧) البقرة: ٢٨٣.
(٨) يوسف: ٤٥.
[ ١ / ١٣٥ ]
و«(تتلوا)» (^١)، و﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ (^٢)، («(وننحيك ببدنك)» (^٣)، أو عكس ذلك نحو ﴿بَسْطَةً﴾ و(«(بصطة)») (^٤)، و(«(السراط)»)، و﴿الصِّراطَ﴾ (^٥)، أو بتغيرهما نحو ﴿أَشَدَّ مِنْكُمْ﴾، («(ومنهم)») (^٦)، و﴿يَأْتَلِ﴾ (^٧)، و(«(يتأل)»)، و«(فامضوا إلى ذكر الله)» (^٨)، وإمّا في التّقديم والتّأخير نحو: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ (^٩)، و«جاءت سكرة الحق بالموت» (^١٠)، أو في الزّيادة والنّقصان نحو «أوصى»، و﴿وَوَصّى﴾ (^١١) و﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ (^١٢)، وأمّا نحو اختلاف الإظهار والإدغام، والرّوم والإشمام ممّا يعبر عنه بالأصول فليس من الاختلاف الذي يتنوع فيه اللفظ أو المعنى؛ لأنّ هذه الصّفات المتنوعة في أدائه لا تخرجه عن أن يكون لفظا واحدا/ ولإن فرض فيكون من الأوّل "اه.
وذهب قوم إلى أن السّبعة أحرف:" سبعة أصناف من الكلام، واحتجّوا بحديث ابن مسعود عن النّبي ﷺ: "كان الكتاب الأوّل ينزل من باب واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زاجر، وآمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال … الحديث" (^١٣)، أخرجه أبو عبيد وغيره، لكن قال ابن عبد البر: "هذا حديث
_________________
(١) يونس: ٣٠.
(٢) يونس: ٩٢، في (ج) [ننجيك ببدنك]، في (أ) [ننجيك] فقط.
(٣) قراءة ابن السميفع وغيره، وهي قراءة شاذة، في (أ، ط، ق) [ننجيك]، فقط.
(٤) البقرة: ٢٤٧.
(٥) الفاتحة: ٦.
(٦) التوبة: ٦٩، غافر: ٢١.
(٧) النور: ٢٢.
(٨) الجمعة: ٩. قراءة ابن مسعود، وهو مخالف للإجماع.
(٩) آل عمران: ١١١.
(١٠) ق: ١٩.
(١١) البقرة: ١٣٢.
(١٢) الليل: ٣، في الأصل: [يريد قراءة ابن مسعود المروية في البخاري بإسقاط «وما خلق»].
(١٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (١٩٧٠، ٣٠٧٥)، وأحمد ٢/ ١٢٠، وابن حجر في المطالب -
[ ١ / ١٣٦ ]
لا يثبت لأنّه من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن (^١)، عن ابن مسعود، ولم يلق ابن مسعود، وقد ردّه قوم من أهل النّظر؛ منهم أبو جعفر أحمد بن أبي عمران (^٢) " (^٣).
وقال أبو العلاء الهمداني، والأهوازي (^٤): "قوله: زاجر وآمر … إلى آخره، استئناف كلام آخر أي هو زاجر أي القرآن، ولم يرد به تفسير الأحرف السبعة، وإنّما توهّم ذلك من توهّمه من جهة الاتّفاق في العدد".
ومما يقوّي ذلك أنّ الصّحابة الذين اختلفوا وترافعوا إلى النّبي ﷺ كما تقدّم في حديث عمر وهشام، وثبت عن أبي، وابن مسعود، وعمرو بن العاص وغيرهم، لم يختلفوا في تفسيره، ولا أحكامه، وإنّما اختلفوا في قراءة حروفه، وقد نقل القرطبي عن ابن حبان أنّه بلغ الاختلاف في معنى الأحرف السّبعة إلى خمسة وثلاثين قولا (^٥)، ولم يذكر القرطبي منها سوى خمسة.
وكان قد اشتهر في الزّمن النّبوي بحفظ القرآن، والتّصدي لتعليمه أربعة: عبد الله بن مسعود، وسالم بن معقل (^٦)، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب كما في البخاري بلفظ:
_________________
(١) = - العالية (٣٤٩٩)، وابن حبان في صحيحه ٣/ ٢٠ (٧٤٥)، الألباني في الصحيحة ٢/ ٨٦ (٥٨٧).
(٢) أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، اسمه عبد الله، وقيل اسمه كنيته، روى عن أبيه، وعثمان، وابن عباس، مدني ثقة، مكثر، ولد سنة بضع وعشرين، ومات سنة ٩٤ هـ، انظر: الوافي بالوفيات ٥/ ١٠٣، الطبقات الكبرى ٥/ ١٥٥.
(٣) أحمد بن أبي عمران، موسى بن عيسى البغدادي، أبو جعفر، الإمام الفقيه، ولد في حدود المائتين، سكن مصر، حدث عن ابن حمدويه، وابن الوليد الكندي، لازمه الطحاوي وتفقه عليه، توفي في محرم سنة ثمانين ومائتين، انظر: سير أعلام النبلاء ١٣/ ٣٣٤.
(٤) التمهيد، ابن عبد البر ٥/ ٤٥٣.
(٥) قول الهمداني في الإيضاح، والأهوازي في كتاب المقاطع، كما ذكر في المرشد: ١٠٨، والفتح ٩/ ٢٩، انظر: الاتقان ١/ ٣٢٦.
(٦) القرطبي ١/ ٤٢.
(٧) سالم بن معقل بفتح الميم، وكسر القاف مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة، أبو عبد الله الصحابي الكبير، أعتقته زوجة أبو حذيفة، كان من كبار المقرئين، يؤم المهاجرين والأنصار، استشهد يوم اليمامة في ربيع الأول سنة ١٢ هـ: انظر: سير أعلام النبلاء ١/ ١٦٧، الاستيعاب -
[ ١ / ١٣٧ ]
"خذوا القرآن عن أربعة … " (^١) فذكرهم، أي: تعلّموه منهم.
قال في (فتح الباري): "ولا يلزم من ذلك أن لا يكون أحد في ذلك الوقت شاركهم في حفظ القرآن، بل يكون الذين يحفظونه مثل الذين حفظوه أو أزيد، وقد قتل في غزوة بئر معونة (^٢) جماعة من الصحابة كان يقال لهم القرّاء وكانوا سبعين" (^٣).
وقال الكرماني (^٤): "يحتمل أنّه ﵇ أراد الإعلام بما يكون بعده أي أنّ هؤلاء الأربعة يبقون حتى ينفردوا بذلك"، وتعقّب بأنّهم لم ينفردوا بل الذين مهروا في تجويد القرآن بعد العصر النّبوي أضعاف المذكورين " (^٥).
وخطب عبد الله بن مسعود فقال:" والله قد أخذت من فيّ رسول الله ﷺ بضعا وسبعين سورة، والله لقد علم أصحاب رسول الله ﷺ أنّي أعلمهم بكتاب/الله، وما أنا بخيرهم "رواة البخاري (^٦).
وروى عنه مسروق (^٧) أنّه قال:" والذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله
_________________
(١) = - ٤/ ١٠١، أسد الغابة ٢/ ٣٠٧.
(٢) متفق عليه؛ البخاري ٣/ ١٣٨٥ (٣٥٩٧).
(٣) وقعت في السنة الرابعة من الهجرة، وفيها أرسل الرسول أربعين من القراء ليعلموا أهل نجد الدين فلما نزلوا بئر معونة غدر بهم عامر بن الطفيل وقتلهم عن آخرهم إلا كعب بن زيد، فجعل رسول الله يدعو عليهم حتى أمره ربه أن يتوقف عن الدعاء، الرحيق المختوم: ٢٦٨.
(٤) الفتح ٩/ ٤٨.
(٥) الكرماني، شمس الدين محمد بن يوسف بن علي بن عبد الكريم الكرماني الشافعي، نزيل بغداد، ولد سنة ٧١٧ هـ، وتوفي راجعا من مكة بمنزله سنة ٧٨٦ هـ، اشتهر بتأليفه لكتاب الكواكب الدراري شرح صحيح البخاري، حاشية على أنوار التنزيل، وغير ذلك، الأعلام ٧/ ١٥٣، معجم المؤلفين ١٢/ ١٢٩، الدرر الكامنة ٤/ ٣١٠، الكواكب الدراري ١٥/ ٢٣١.
(٦) فتح الباري ٩/ ٣٨ والعبارة بتصرف.
(٧) صحيح البخاري ٤/ ١٩١٢ (٤٧١٤).
(٨) مسروق بن الأجدع بن مالك بن أمية، أبو عائشة الوادعي الهمداني، حدث عن أبي بن كعب وعائشة وابن مسعود وعلي وعثمان، وعنه الشعبي والنخعي وغيرهم، مات سنة ٦٢ هـ، انظر: السير ٤/ ٦٣، أسد الغابة ٤/ ٣٥٤، تاريخ بغداد ١٣/ ٢٣٢.
[ ١ / ١٣٨ ]
إلاّ أنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلاّ أنا أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحدا أعلم منّي بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه "رواه البخاري (^١).
وعن أنس:" مات النّبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد (^٢)، قال: ونحن ورثناه "رواه البخاري (^٣).
قال الماوردي (^٤) كما عزاه له في (فتح الباري):" لا يلزم من قول أنس لم يجمعه غيرهم أن يكون الواقع في نفس الأمر كذلك؛ لأنّ التّقدير أنّه لا يعلم أنّ سواهم جمعه، وإلاّ فكيف الإحاطة بذلك مع كثرة الصّحابة وتفرّقهم في البلاد، وهذا لا يتم إلاّ إن كان لقي كلّ واحد منهم على انفراده، وأخبره عن نفسه أنّه لم يكمل له جميع القرآن في عهد النّبي ﷺ، وهذا في غاية البعد في العادة، وإذا كان المرجع على ما في علمه لم يلزم أن يكون الواقع كذلك " (^٥) اه.
وعن قتادة (^٦):" سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد النّبي ﷺ؟.
قال: أربعة كلّهم من الأنصار أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد "، رواه البخاري (^٧)، وفى رواية الطّبري في أوّله:" افتخر الحيّان: الأوس والخزرج، فقال
_________________
(١) البخاري (٤٦١٨).
(٢) اختلف في ترجمته كثيرا، انظر الإصابة ١/ ٣٨٨، ٣/ ٦٨، ٥/ ٤٧٦، ٦/ ١٤٥ قال في هذه الترجمة: "وهو بكنيته أشهر واختلف في اسمه اختلافا كثيرا"، الاستيعاب ٤/ ١٦٦٥، طبقات ابن سعد ٧/ ٢٧، ٤/ ٤٣٨، السير ١/ ٣٣٥.
(٣) البخاري ٤/ ١٩١٣ (٤٧١٨)، باب القراء من أصحاب النبي ﷺ.
(٤) وفي فتح الباري ٩/ ٥٢: "قال المازري"، وهو الصواب، والنص في المعلم شرح صحيح مسلم ٣/ ١٥٠.
(٥) فتح الباري ٩/ ٥٢، وانظر المعلم شرح صحيح مسلم للمازري ٣/ ١٥٠ وما بعدها.
(٦) قتادة بن دعامة بن قتادة، أبو الخطاب السدوسي، حافظ العصر، البصري، الضرير، الأكمه، روى عن أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وخلق كثير، وكان من أوعية العلم، روى عنه الأوزاعي، وأيوب السختياني، ولد سنة ستين، مات سنة ١١٧ هـ، انظر: سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٦٩، شذرات الذهب ١/ ١٥٣.
(٧) صحيح البخاري ٤/ ١٩١٣ (٤٧١٧)، وصحيح مسلم ٧/ ١٤٩ (٦٤٩٥).
[ ١ / ١٣٩ ]
الأوس: منّا أربعة: من اهتزّ له عرش الرّحمن سعد بن معاذ، ومن عدلت شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت، ومن غسّلته الملائكة حنظلة بن عامر، ومن حمته الدّبر عاصم بن ثابت، فقال الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن لم يجمعه غيرهم فذكرهم " (^١).
وهذا يحتمل أن يكون مراد أنس:" لم يجمعه غيرهم "، أي من الأوس، بقرينة المفاخرة المذكورة، ولم يرد نفي ذلك عن المهاجرين، وقد أجاب القاضي أبو بكر الباقلاني (^٢) وغيره عن حديث أنس هذا بأجوبة:
أحدها: أنّه لا مفهوم له فلا يلزم أن لا يكون غيرهم جمعه.
ثانيها: المراد لم يجمعه على جميع الوجوه والقراءات التي نزل بها إلاّ أولئك.
ثالثها: لم يجمع ما نسخ منه بعد تلاوته وما لم ينسخ إلاّ أولئك، وهو/قريب من الثاني.
رابعها: أنّ المراد بجمعه تلقّيه من فيّ رسول الله ﷺ لا بواسطة بخلاف غيرهم، فيحتمل أن يكون تلقّى بعضه بالواسطة.
خامسها: أنّهم تصدوا لتعليمه فاشتهروا به، وخفي حال غيرهم عن من عرف حالهم فحصر ذلك فيهم بحسب علمه وليس الأمر في نفس الأمر كذلك.
سادسها: المراد بالجمع الكتابة، فلا ينفي أن يكون غيرهم جمعه حفظا عن ظهر قلبه، وأمّا هؤلاء فجمعوه كتابة، وحفظوه عن ظهر قلب (^٣).
قال في (فتح الباري):" والذي يظهر من كثير من الأحاديث أنّ أبا بكر ﵁ كان
_________________
(١) المعجم الكبير ٣/ ٤٩٤ (٣٤١٠)، المستدرك ٤/ ٨٠ (٦٩٧٧)، ومسند البزار ١٣/ ٣٩٥ (٧٠٩٠)، ومسند أبي يعلى ٥/ ٣٢٩ (٢٩٥٣).
(٢) الانتصار ١/ ١٨٠ وما بعدها.
(٣) فتح الباري ٩/ ٥١، بتصرف كبير.
[ ١ / ١٤٠ ]
يحفظ القرآن في حياة النّبي ﷺ، وقد روى البخاري: "أنّه بنى مسجدا بفناء داره فكان يقرأ فيه القرآن" (^١)، وهو محمول على ما كان نزل منه إذ ذاك، وهذا مما لا يرتاب فيه مع شدّة حرص أبي بكر على تلقّي القرآن من النّبي ﷺ، وفراغ باله له وهما بمكة، وكثرة ملازمة كلّ منهما للآخر " (^٢) اه.
قال الحافظ عماد الدين بن كثير كما عزاه له ابن الجزري في طبقاته:" أنا لا أشك أنّ الصّدّيق ﵁ قرأ القرآن " (^٣)، ثمّ قال:" وقد رأيت نصّ الإمام أبي الحسن الأشعرى رحمه الله تعالى على حفظه القرآن "، واستدلّ على ذلك بدليل لا يرد وهو أنّه صحّ عنه ﷺ بلا نظر أنّه قال:" يؤم القوم اقرؤهم لكتاب الله وأكثر قرآنا " (^٤)، وتواتر عنه ﷺ أنّه قدّمه للإمامة، ولم يكن ﷺ ليأمر بأمر ثمّ يخالفه بلا سبب، فلولا أنّ أبا بكر ﵁ كان متّصفا بما يقدمه في الإمامة على سائر الصّحابة وهو القراءة لما قدّمه، وذلك على كلّ تقدير؛ سواء قلنا: المراد بالأقرأ الأكثر قراءة كما هو ظاهر اللّفظ، وذهب إليه الإمام أحمد وغيره، أو الأعلم كما ذهب إليه الإمام الشافعي وغيره، لأنّ زيادة العلم في ذلك العصر كان ناشئا عن زيادة القراءة كما فسر الإمام الشافعي:" كنّا إذا قرأناالآية لا نجاوزها حتى نعلم فيم أنزلت " (^٥).
وهذا يدلّ على أنّه أقرأ الصّحابة، وليس ذلك بمنكر فإنّه أفضل الصّحابة مطلقا، وإن كنّا لا ندّعي له الأفضليّة في كلّ فرد فرد كما في سائر الفضائل كما ادّعاه غيرنا؛ بل
_________________
(١) البخاري ١/ ١٨١ (٤٦٤).
(٢) فتح الباري ٩/ ٥١.
(٣) غاية النهاية ١/ ٤٣١ وفيه:" وقد حدثني شيخنا الحافظ أبو الفداء إسماعيل بن كثير من لفظه، وقد دار بيننا الكلام في حفظه ﵁ القرآن فقال: أنا لا أشك أنه قرأ القرآن … "، ثم ذكر النص بتصرف.
(٤) نص الحديث في صحيح مسلم ٢/ ١٣٣ (١٥٦٦):" يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وأقدمهم قراءة فإن كانت قراءتهم سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة فإن كانوا فى الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سنّا "، قلت: أما" وأكثرهم قرآنا "فلم أجده.
(٥) غاية النهاية ١/ ٤٣١، وهو بتصرف.
[ ١ / ١٤١ ]
نقول كما قال إمامنا الشّافعي: إنّ الأفضليّة/ [في القراءة تستلزم الأفضلية في العلم، وكذلك] (^١) الأفضليّة في العلم إذ كان عندهم الأقرأ هو الأعلم، وكيف يسوغ لأحد نفي حفظ القرآن عن أبي بكر ﵁ بغير دليل ولا حجّة بل بمجرد الظّن مع أنّه لا يسوغ لنا ذلك في أحاد النّاس" انتهى (^٢).
وأخرج النّسائي بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو قال: "جمعت القرآن فقرأت به كلّ ليلة فبلغ النّبي ﷺ فقال: اقرأه في شهر" (^٣).
وتقدّم في الحديث الماضي ذكر ابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وكل هؤلاء من المهاجرين.
وقد ذكر أبو عبيد القرّاء من الصّحابة بعد الخلفاء الأربعة: طلحة، وسعدا، وابن مسعود، وحذيفة (^٤)، وسالما (^٥)، وأبا هريرة، وعبد الله بن السائب (^٦)، والعبادلة (^٧).
ومن النساء: عائشة، وحفصة، وأم سلمة، ولكن بعض هؤلاء إنّما أكمله بعد النّبي ﷺ فلا يرد على الحصر المذكور في حديث أنس.
_________________
(١) ما بين المعقوفين زيادة من غاية النهاية ١/ ٤٣١، يقتضيها السياق.
(٢) غاية النهاية ١/ ٤٣١.
(٣) الحديث في السنن الكبرى للنسائي ٧/ ٢٧٦ (٨٠١٠)، ومسند أحمد ٢/ ١٦٣ (٦٥١٦)، وابن حبان في صحيحه ٣/ ٤٣ (٧٥٧).
(٤) أي: طلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان.
(٥) سالم مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة أبو عبد الله أمر رسول الله بأخذ القرآن عنه، مات شهيدا سنة ١٢ هـ، انظر: سير أعلام النبلاء ١/ ١٦٧، الاستبصار: ٢٩٤، الاستيعاب ٤/ ١٠١، أسد الغابة ٢/ ٣٠٧، الإصابة ٢/ ٧٠.
(٦) عبد الله بن السائب بن أبي السائب، صيفي بن عابد بن عمرو بن مخزوم، أبو السائب، وقيل: أبو عبد الرحمن، يعرف بالقارئ، أخذ عنه أهل مكة القراءة، وعليه قرأ مجاهد وغيره من قراء أهل مكة، سكن مكة وتوفي بها في حدود سنة سبعين قبل قتل ابن الزبير بيسير، انظر: الاستيعاب ١/ ٢٧٧، أسد الغابة ٣/ ٢٥٤، الإصابة ٢/ ٣١٤.
(٧) العبادلة هم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن مسعود ﵃.
[ ١ / ١٤٢ ]
وعدّ ابن أبي داود في كتاب (الشّريعة): من المهاجرين أيضا: تميم بن أوس الدّاري (^١)، وعقبة بن عامر، ومن الأنصار: عبادة بن الصامت (^٢)، ومعاذا الذي يكنى أبا حليمة (^٣)، ومجمّع بن جارية (^٤)، وفضالة بن عبيد (^٥)، ومسلمة بن مخلّد (^٦) وغيرهم، وصرّح بأنّ بعضهم إنّما جمعه بعد النّبي ﷺ، وممّن جمعه أيضا: أبو موسى الأشعري (^٧)، ذكره أبو عمرو الداني.
وكان القرآن كلّه كتب على عهده ﷺ في الصّحف، والألواح، والعسب لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السّور، كما رواه ابن أبي داود (^٨).
_________________
(١) تميم بن أوس بن خارجة بن سود بن جذيمة الداري بطن من لخم ولخم من يعرب بن قحطان أسلم سنة ٩ من الهجرة، حدث عنه ابن عباس، وأنس بن مالك، وزرارة بن أوفى، صاحب حديث الجساسة، مات سنة ٤٠ هـ، انظر: الإستيعاب ٢/ ٥٨، أسد الغابة ١/ ٢٥٦، الإصابة ١/ ٣٠٤.
(٢) بن قيس، أبو الوليد الخزرجي، بدري، أحد النقباء، روى عنه: أبو أمامة، حطان بن عبد الله، وأنس بن مالك، ولي قضاء فلسطين، مات بالرملة سنة ٣٤ هـ، تاريخ الإسلام ٢/ ٢٢٨، الاستيعاب ٢/ ٨٠٩، الإصابة ٣/ ٦٢٤.
(٣) أبو حليمة: هو معاذ بن الحارث الانصاري المزني المعروف بالقارئ له صحبة شهد غزوة الخندق، وقيل: إنه لم يدرك من حياة رسول الله ﷺ إلا ست سنين وهو الذي أقامه عمر بن الخطاب فيمن أقام في شهر رمضان ليصلي بالناس التراويح، روى عنه نافع، وابن سيرين، مات بالحرة سنة ٦٣ هـ، انظر الاستيعاب: ٣/ ١٤٠٧، أسد الغابة: ٥/ ١٩٧، الإصابة ٩/ ٢٢١.
(٤) مجمع بن جارية بن عامر العطاف الأنصاري، أحد الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله مات سنة ٥٠ بالمدينة، الأعلام ٥/ ٢٨٠، الغاية ٢/ ٤٢.
(٥) فضالة بن عبيد بن نافذ بن قيس بن صهيب بن أصرم الأنصاري الأوسي، أبو محمد: صحابي، ممن بايع تحت الشجرة، شهد أحدا وما بعدها، وشهد فتح الشام ومصر، وسكن الشام حدث عنه عبد الرحمن بن جبير، وعلي بن رباح، مات سنة ٥٣ هـ، انظر: أسد الغابة ٤/ ١٨٢، الإصابة ٣/ ٢٠٦، السير ٣/ ١١٣.
(٦) أبو معن، مسلمة بن مخلد بن صامت الأنصاري الخزرجي، الصحابي، حدث عنه أبو أيوب الأنصاري، وابن سيرين، قال مجاهد صليت خلف مسلمة بن مخلد فقرأسورة البقرة فما ترك واوا ولا ألفا، مات سنة ٦٢ هـ، انظر: السير ٣/ ٤٢٤، أسد الغابة ٥/ ١٧٤، الإصابة ٣/ ٤١٨.
(٧) عبد الله بن قيس بن سليم التميمي، أمّره عمر وعثمان، أحد معلمي القرآن وحفاظه الكبار، مات سنة ٥٠ هـ، انظر: السير ٢/ ٣٨٠، الإصابة ٤/ ٢١١.
(٨) المصاحف: ١٦٢ (٣٣).
[ ١ / ١٤٣ ]
ولمّا توفي النّبي ﷺ وقام بالأمر بعده الصديق، وقتل من الصّحابة جمع كثير في قتال أهل الردة، وأصحاب مسيلمة؛ أشير على الصديق بجمع القرآن بالكتابة كما روى عن زيد بن ثابت قال: أرسل إلىّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب ﵁ عنده، فقال أبو بكر: إنّ عمر أتاني فقال: إنّ القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقرّاء القرآن، وإنّي أخشى إن استحرّ بهم القتل بالمواطن كلّها فيذهب كثير من القرآن، وإنّي أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ؟، قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر: إنّك رجل شاب عاقل لا نتّهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول/الله ﷺ تتبّع القرآن فاجمعه، فو الله لو كلّفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علىّ ممّا أمرني به من جمع القرآن قلت:
كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ؟، قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فتتبّعت القرآن أجمعه من العسب، واللّخاف، وصدور الرّجال حتى وجدت آخرسورة [التوبة] (^١) مع أبي (^٢) خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ﴾
_________________
(١) في الأصل: توبة.
(٢) قال محققي الجزء الأول من اللطائف: "وردت روايات تذكر (أبا خزيمة الأنصاري)، وروايات أخرى تذكر (خزيمة بن ثابت الأنصاري)، وعلى الرغم من أن ابن حجر في فتح الباري قال في ٨/ ٢٧٧ ما نصه:" والتحقيق ما قدمناه عن موسى بن إسماعيل أن آية التوبة مع أبي خزيمة، وآية الأحزاب مع خزيمة - فإن ابن حجر نفسه قد أورد في الإصابة ٢/ ١١٢ رواية عن الخطيب قال: "وجزم الخطيب بأنه ليس من الصحابة من يسمى خزيمة، واسم أبيه ثابت سوى ذي الشهادتين"، فإذا رجعنا إلى الإصابة في ترجمة خزيمة بن ثابت بن الفاكه الأنصاري الأوسي، أبو عمارة، ذو الشهادتين، والذي قتل بصفين، وقارنا هذه المعلومات بما ورد في تقريب التهذيب ١/ ٢٢٣، لنفس المؤلف حيث قال: إن أبا خزيمة يكنى أبا عمارة المدني، وهو ذو الشهادتين - علمنا بذلك أن خزيمة بن ثابت وهو أبو خزيمة الأنصاري، وليس من الممكن في ضوء هذه الحقائق الفصل بينهما، كما فعل ابن حجر حين نسب آية التوبة لأبي خزيمة وآية الأحزاب لخزيمة، فأوهم أنهما صحابيان لا صحابي واحد.
[ ١ / ١٤٤ ]
﴿أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ﴾ … (^١) حتى خاتمة براءة، فكانت الصّحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثمّ عند عمر حياته، ثمّ عند حفصة بنت عمر، رواه البخاري.
قال في (فتح الباري) ممّا عزاه للخطّابي: "يحتمل أن يكون ﷺ إنّما لم يجمع القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلمّا انقضى نزوله بوفاته ﷺ ألهم الله [ذلك] الخلفاء الراشدين وفاء بوعده الصّادق بضمان حفظه على هذه الأمة المحمدية زادها الله تعالى شرفا فكان ابتداء ذلك على يد الصّديق ﵁ بمشورة عمر" (^٢)، انتهى.
قال ابن الباقلاني: وكان الذي فعله الصّديق فرض كفاية بدلالة قوله ﷺ: "لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن"، مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾، وقوله: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾، قال: فكلّ أمر يرجع لإحصائه وحفظه فهو واجب على الكفاية، وكان ذلك من النّصيحة لله ورسوله وكتابه وأئمة المسلمين وعامتهم.
[واستدل غيره من العلماء بقوله تعالى: ﴿الم * ذلِكَ الْكِتابُ﴾، وقوله تعالى:
﴿وَكُتُبِهِ﴾ (^٣)، وذلك إرشاد إلى أن كلامه الموحى إلى رسله طريق تخليده تدوينه في الصحف، وأكد ذلك ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "قيدوا العلم بالكتاب"، أي بالكتابة، وهما مصدر «اكتب» فدل هذا الأمر على مشروعية كتابة القرآن العظيم وغيره من العلوم الأمية] (^٤).
وقوله في الحديث: "استحرّ"، بسين مهمله ساكنة، ومثناه مفتوحة بعدها، ثمّ حاء مهمله مفتوحة، ثمّ راء مشدّدة أي: اشتدّ وكثر.
_________________
(١) التوبة: ١٢٨، البخاري ٤/ ١٩٠٧ (٤٧٠١).
(٢) فتح الباري ٩/ ١٢، وأعلام الحديث للخطابي ٣/ ١٨٥٦.
(٣) الآيات على الترتيب: القيامة: ١٧، الأعلى: ١٨، البينة: ٢، والبقرة: ١، ٢، ٢٨٥.
(٤) سقط من الأصل و(ط، ت)، والحديث في الدارمي ١/ ٧٣٤، والصحيحة ٥/ ٠٤ (٦٢٠٢).
[ ١ / ١٤٥ ]
وقوله: "قلت": هو خطاب أبي بكر لعمر حكاه ثانيا لزيد بن ثابت لمّا أرسل إليه.
وقوله: "من العسب" بضم المهملة ثمّ موحدة جمع "عسيب"، وهو جريد النّخل، كانوا يكشطون الخوص ويكتبون في الطّرف العريض، وقيل: العسب: طرف الجريد العريض الذي لم ينبت عليه الخوص، والذي [ينبت] (^١) عليه هو السّعف.
ووقع في رواية شعيب: "من الرّقاع" جمع «رقعة»، وقد تكون من جلد أو ورق أو كاغد (^٢)، وفي رواية عمارة بن غزيّة (^٣): "وقطع الأديم".
و"اللخاف": جمع لخفة بفتح اللام وسكون المعجمة، قال أبو داود الطّيالسي (^٤) /في روايته: "هي الحجارة الرّقاق"، وقال الخطّابي: "صفائح الحجارة الرقاق" (^٥)، وفي كتاب الأحكام من البخاري عن أبي ثابت (^٦) أحد شيوخه: أنّه فسّره بالخزف بفتح المعجمة والزّاي، ثمّ فاء؛ وهي الآنية التي تصنع من الطّين المشوي.
_________________
(١) في الأصل [لم ينبت]، وهو خطأ، كما في الفتح ٩/ ١٤.
(٢) القرطاس فارسي معرب، انظر تاج العروس ٩/ ١١٠ مادة: «كغد»، المعجم الوسيط ٢/ ٧٩١.
(٣) عمارة بن غزية بن الحارث، بن عمرو بن غزية، الأنصاري، الخزرجي، البخاري، المازني، المدني، أحد الثقات، روى عن أبي صالح السمان، والشعبي، وغيرهم، وروى عنه: بكر بن مضر، وسليمان بن بلال، وابن لهيعة، وإسماعيل بن جعفر، قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، واحتج به مسلم، واستشهد به البخاري، وأما ابن حزم، فضعفه ولم يصب، مات سنة أربعين ومئة، انظر: سير أعلام النبلاء ٦/ ١٣٩، شذرات الذهب ١/ ١٠٨.
(٤) الطيالسي، سليمان بن داود بن الجارود، الحافظ الكبير، صاحب المسند، أبو داود الفارسي، ثم الأسدي، ثم الزبيري، مولى آل الزبير بن العوام، سمع أيمن بن نابل، وهو تابعي، وشعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، وقرة بن خالد، والحمادين، وابن أبي ذئب، وخلقا كثيرا، وينزل إلى ابن المبارك، وابن عيينة، وقيل: إنه لقي ابن عون، وما ذاك ببعيد، روى عنه: جرير بن عبد الحميد أحد شيوخه، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن بشار، وخلق، وعمّر إلى سنة ثلاث وتسعين ومئتين، ولقيه الطبراني، وكان من أحفظ الناس، ثقة كبير، توفي بالبصرة سنة ٢٠٣، انظر: سير أعلام النبلاء ٩/ ٣٨٤، تاريخ بغداد ٩/ ٢٤، شذرات الذهب ٢/ ١٢.
(٥) أعلام الحديث ٣/ ١٩٤٢.
(٦) أبو ثابت، محمد بن عبيد الله بن محمد بن زيد المدني، مولى آل عثمان بن عفان، يروي -
[ ١ / ١٤٦ ]
وفي رواية شعبة (^١): "والأكتاف": جمع: كتف، وهو: العظم الذي للبعير أو الشّاة كانوا إذا جفّ كتبوا عليه.
وفى رواية ابن شهاب عند ابن أبي داود: "والأضلاع"، وعنده من وجه آخر:
"والأقتاب"، بقاف ومثناة، وآخره موحدة جمع: قتب، وهو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه.
وعند ابن أبي داود من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب (^٢) قال: قام عمر فقال: "من كان تلقى من رسول الله ﷺ شيئا من القرآن فليأت به، وكانوا كتبوا ذلك في الصّحف، والألواح، والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شهيدين، وهذا يدلّ على أنّ زيدا كان لا يكتفي بمجرد وجدانه مكتوبا حتى يشهد به من تلقاه سماعا، مع كون زيد كان يحفظه، فكان يفعل ذلك مبالغة في الاحتياط" (^٣).
وعند ابن أبي داود أيضا من طريق هشام بن عروة عن أبيه: أنّ أبا بكر قال لعمر ولزيد: "أقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شئ من كتاب الله تعالى فاكتباه"، ورجاله ثقات مع انقطاعه (^٤).
وكان المراد بالشّاهدين: الحفظ، والكتاب، أو المراد: أنّهما يشهدان على أنّ ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله ﷺ، أو المراد أنّهما يشهدان على أنّ ذلك
_________________
(١) = - عن إبراهيم بن سعد، وابن أبي حازم، وعنه البخاري، وأبو زرعة، قال الدارقطني ثقة حافظ، مات سنة ٢٢٧ هـ، التاريخ الكبير ١/ ١٧٠ (٥٠٦)، الثقات لابن حبان ٩/ ٨٠ (١٥٢٨٨)، تهذيب الكمال ٢٦/ ٤٦ (٥٤٣٦)، تهذيب التهذيب ٩/ ٣٢٤.
(٢) الصواب كما في فتح الباري ٩/ ١٥: "شعيب".
(٣) ابن أبي بلتعة، أبو محمد المدني، روى عن أسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر، روى عنه بكير بن عبد الله، وعروة بن الزبير، وكان ثقة، مات سنة ١٠٤ هـ، تهذيب الكمال ٣١/ ٤٣٥، تاريخ الإسلام ٤/ ٤٠٩.
(٤) المصاحف ١/ ١٨١ (٣٣)، الخبر منقطع لعدم ملاقاة يحيى بن عبد الرحمن لعمر بن الخطاب، انظر الفتح ٩/ ١٥.
(٥) هكذا قال في الفتح ٩/ ١٤، وهو في المصاحف ١/ ١٦٨ (٢٣).
[ ١ / ١٤٧ ]
من الوجوه التي نزل بها القرآن، وكان غرضهم أن لا يكتب إلاّ من عين ما كتب بين يدي رسول الله ﷺ لا من مجرّد الحفظ (^١).
وقوله: "وصدور الرجال" أي: حيث لا أجد ذلك مكتوبا، أو الواو بمعنى: مع، أي: اكتبه من المكتوب الموافق للمحفوظ في الصّدور.
وقوله: "حتى وجدت آخرسورة التوبة". .. إلى قوله: "لم أجدها مع أحد غيره" أي: مكتوبة لما تقدّم من أنّه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة، ولا يستلزم من عدم وجدانه إيّاها حينئذ أن لا تكون تواترت عند من لم يتلقّاها منه ﷺ وإنّما كان زيد يطلب التّثبت، وهذا يوهم أنّه كان يكتفي في إثبات الآية بالشّخص الواحد وليس كذلك؛ فقد اجتمع في هذه الآية زيد بن ثابت، وأبو خزيمة، وعمر، اه، والحقّ: أنّ المراد بالنّفي نفي وجودها مكتوبة، لا نفي كونها محفوظة (^٢) /.
وروى موسى بن عقبة (^٣) في (المغازي) عن ابن شهاب قال: "لمّا أصيب المسلمون باليمامة فزع أبو بكر وخاف أن يهلك من القرآن (^٤) طائفة، فأقبل النّاس بما كان معهم وعندهم حتى جمع على عهد أبي بكر في الورق، فكان أبو بكر أوّل من جمع القرآن في الصحف.
_________________
(١) النص في الفتح ٩/ ١٤، وقد أسقط منه المؤلف أسماء الكتب اختصارا، والنص قال ابن حجر:" وكان المراد بالشّاهدين: الحفظ، والكتاب، وقال السخاوي في (جمال القراء): "المراد: أنّهما يشهدان على أنّ ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله ﷺ، أو المراد أنّهما يشهدان على أنّ ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن"، قال أبو شامة: "وكان غرضهم أن لا يكتب إلاّ من عين ما كتب بين يدي رسول الله ﷺ لا من مجرّد الحفظ"، انظر جمال القراء ١/ ٨٦، المرشد: ٥٧.
(٢) انظر الفتح ٩/ ١٤، ١٥، والنقل بنصه بداية من قول الباقلاني.
(٣) ابن أبي عياش، أبو محمد القرشي، أدرك ابن عمر، وجابرا، وحدث عن عروة بن الزبير، وابن المنكدر، وحدث عنه شعبة، وابن أبي الزناد، ألف المغازي في مجلد كبير، وكان ثقة، مات سنة ١٤١ هـ، انظر: السير ٦/ ١١٤، الجرح والتعديل ٨/ ١٥٤، الوافي بالوفيات ٢/ ١٣٧.
(٤) هكذا في الفتح ٩/ ١٦، وجميع النسخ المخطوطة من اللطائف، ولعل الصواب [القراء]، وانظر أيضا الإتقان ٢/ ٣٨٧، والنص من الفتح ٩/ ١٦.
[ ١ / ١٤٨ ]
ولمّا توفّي الصّديق ﵁ وقام بالأمر بعده عمر بن الخطاب ثمّ عثمان بن عفان ﵁ أشير على عثمان ﵁ بجمع القرآن في المصحف، فعن أنس بن مالك: أنّ حذيفة بن اليمان قدم على عثمان ﵁، وكان يغازي أهل الشّام في فتح أرمينية (^١) وأذربيجان (^٢) بفتح الهمزة، والذّال المعجمة، وسكون الرّاء، وكسر الموحدة بعدها تحتيّة ساكنة، ثمّ جيم مخفّفة آخره نون مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: أدرك هذه الأمّة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنّصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي بالصّحف ننسخها في المصاحف ثمّ نردّها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان وأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزّبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثّلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنّما نزل بلسانهم ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصّحف في المصاحف ردّ عثمان الصّحف إلى حفصة، وأرسل إلى كلّ أفق بمصحف
_________________
(١) إرمينية: بكسر أوله ويفتح، وسكون ثانيه وكسر الميم وياء ساكنة وكسر النون وياء خفيفة مفتوحة، والنسبة إليها أرمني، هي المنطقة الجبلية الوسطى العالية التي تحدها آسية الصغرى من الغرب وهضبة أذربيجان والشاطئ الجنوبي لبحر قزوين من الشرق والشرق الجنوبي وساحل بحر الأسود والقوقاز من الشمال والشمال الشرقي والركن الشمالي الغربي من أرض الجزيرة من الجنوب وهي بلاد واسعة بين روسيا وتركيا، وفارس، فتحها المسلمون في عهد معاوية ﵁، دائرة معارف القرن العشرين ١/ ٢١٣، معجم البلدان ١/ ١٥٩.
(٢) وقيل بمد الهمزة في أولها أي «آذربيجان»، والنسبة إليها أذري بالتحريك إقليم يقع في أقصى الجنوب الغربي من بحر قزوين ويمتد على ساحله ويتصل حده من جهة الجنوب ببلاد الديلم ومن الغرب والشمال بأرمينية ويجري في شماله نهر «الرس»، ويفصل هذا النهر بينه وبين بلاد القوقاز كما يجري في جنوبه نهر «سفيدرود» أي النهر الأبيض ويفصل هذا النهر بينه وبين منطقة الجبال «بلاد الديلم»، أهم مدنه: أردبيل، أرمية، مرند، خوى، مراغة، تبريز، وكانت مدينة أردبيل قاعدة الإقليم ثم مدينة تبريز في أواخر عهد بني العباس وبعد الغزو المغولي أخذت مدينة «مراغة» مكانها ثم عادت تبريز إلى مجدها أيام الملوك الصفويين، وتقع أذربيجان اليوم في الجزء الشمالي الغربي من إيران. أشهر مدنها «تبريز»، فتحت في عهد عمر بن الخطاب، انظر: معجم البلدان ١/ ١٢٩، دائرة معارف القرن العشرين ١/ ١٣١.
[ ١ / ١٤٩ ]
ممّا نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كلّ صحيفة أو مصحف أن يحرق.
قال ابن الشّهاب: "فأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت: أنّه سمع زيد بن ثابت قال:
"فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ (^١) فألحقناها في سورتها في المصحف "رواه البخاري (^٢).
قال الحافظ أبو الفضل العسقلاني:" وكانت هذه القصة في سنة خمس وعشرين في السّنة الثّالثة أو الثّانية من خلافة عثمان " (^٣)، وقال ابن الجزري:" في حدود سنة ثلاثين من الهجرة " (^٤).
وأخرج ابن أبي داود:" أنّ اثنين اختلفا في آية من سورة البقرة قرأ هذا/: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ (^٥)، وقرأ هذا: «وأتمّوا الحجّ والعمرة للبيت» فغضب حذيفة واحمرت عيناه " (^٦).
وأخرج ابن أبي داود أيضا من طريق أبي قلابة (^٧) قال:" لمّا كان في خلافة عثمان جعل المعلّم يعلّم قراءة الرجل، والمعلّم يعلّم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتقون
_________________
(١) الأحزاب: ٢٣.
(٢) البخاري ١/ ٢٥٨٧ (٤٩٨٧).
(٣) الفتح ٩/ ١٧.
(٤) النشر ١/ ٧، قال في الإتقان ٢/ ٣٨٩: "وغفل بعض من أدركناه فزعم أنه كان في حدود سنة ثلاثين ولم يذكر لذلك مستندا".
(٥) البقرة: ١٩٦.
(٦) الخبر في المصاحف لابن أبي داود ١٦٦ (٣٨)، قال سليم الهلالي محقق الكتاب: أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٤١/ ١٥٧ من طريق المصنف به، قال: والأثر ذكره الحافظ في الفتح ٩/ ١٨ وسكت عنه مشيرا بذلك إلى تقويته.
(٧) أبو قلابة، عبد الله بن زيد بن عمرو، الجرمي البصري، حدث عن ثابت بن الضحاك، ومالك بن الحويرث، وعنبسة بن سعيد بن العاص، وعمرو بن سلمة، وحدث عنه يحيى بن كثير، وثابت البناني، ثقة صالح، مات سنة ١٠٤ هـ، انظر: السير ٤/ ٤٧٤ (١٧٨)، تاريخ الإسلام ٤/ ٢٢١.
[ ١ / ١٥٠ ]
فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المسلمين حتى كفّر بعضهم بعضا، فبلغ ذلك عثمان فخطب فقال: "أنتم عندي تختلفون، فمن نأى عني من الأمصار أشدّ اختلافا" (^١).
قال الحافظ ابن حجر: "ويظهر لي أنّ حذيفة لمّا رأى اختلاف أهل الشّام والعراق اشتدّ خوفه، وركب إلى عثمان، فصادف أنّ عثمان أيضا وقع له ذلك، فلمّا أعلمه باختلاف أهل الأمصار تحقق عنده ما ظنّه من ذلك، فأرسل إلى حفصة أن أرسلي بالصّحف ننسخها في المصاحف، فنسخها في المصاحف" (^٢).
والفرق بين الصّحف والمصحف: أنّ الصّحف الأوراق المجردة التي جمع فيها القرآن في عهد أبي بكر وكانت سورا مفرّقة، كلّسورة مرتّبة بآياتها على حدة، لكن لم يرتب بعضها إثر بعض، فلمّا نسخت ورتّب بعضها إثر بعض صارت مصحفا (^٣).
وفى رواية ابن أبي داود من طريق [محمد بن إسحاق] (^٤)، عن يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: أتى الحارث بن خزيمة (^٥) بهاتين الآيتين من آخر سورة براءة، فقال: "أشهد أني سمعتهما من رسول الله ﷺ، ووعيتهما"، فقال عمر:
"وأنا أشهد لقد سمعتهما"، ثمّ قال: "لو كانت ثلاث آيات لجعلتهاسورة على حدة فانظرواسورة من القرآن فألحقوها في آخرها" (^٦)، فظاهره أنّهم كانوا يؤلّفون آيات السّور باجتهادهم، وسائر الأخبار يدل على أنّهم لم يفعلوا شيئا من ذلك إلاّ بالتّوقيف.
وروى أحمد وأصحاب السنن الثّلاثة، وصحّحه ابن حبان، والحاكم من حديث
_________________
(١) أخرجه في المصاحف ٢٠٤ (٧٣)، وتفرّد به وهو ضعيف للانقطاع بين أبي قلابة وعثمان.
(٢) الفتح ٩/ ١٨، والكلام بتصرف كبير من المؤلف.
(٣) الفتح ٩/ ١٨.
(٤) ما بين المعقوفين في الأصل: [إسحاق].
(٥) حارث بن خزمة بفتح الخاء والزاي -، وقيل: خزيمة، بالتصغير، بن عدي، أبو خزمة الأنصاري ويكنى أيضا أبا بشر شهد بدرا وأحدا وما بعدهما، مات بالمدينة سنة أربعين من الهجرة، انظر: معجم الصحابة ٤/ ١٣٣٣ (١٩٠)، أسد الغابة ١/ ٣٨٩، الإصابة ١/ ٢٩٠.
(٦) رواه أحمد ١/ ١٩٩ (١٧١٥) وقال الأرناؤوط: "إسناده ضعيف"، وانظر: معجم الصحابة -
[ ١ / ١٥١ ]
عبد الله بن عباس قال: "كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان ينزل عليه من السّور ذوات العدد فكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول:" ضعوا هذا في السّورة التي يذكر فيها كذا " (^١)، الحديث.
نعم ترتيب السّور بعضها أثر بعض كان يقع بعضه منهم بالاجتهاد.
وهل يتعين ترتيب السّور في القراءة؟، قال ابن بطال (^٢):" لا نعلم أحدا قال بوجوبه بل يجوز أن يقرأ/الكهف قبل البقرة، والحج قبل الكهف مثلا " (^٣).
وأمّا ما جاء عن السّلف من النّهي عن قراءة القرآن منكوسا فالمراد به: أن يقرأ من آخر السّورة إلى أوّلها (^٤).
وقد جاء عن عثمان: أنّه إنّما أمر بكتابة المصاحف بعد أن استشار الصّحابة
_________________
(١) = - ١/ ١٣٣٣ (١٩٠)، والمصاحف: ٢٢٠ (٩٤)، والخبر ضعيف سندا ومتنا، ففي إسناده محمد بن إسحاق، وهو مدلس وقد عنعن، قال الهيثمي في المجمع ٧/ ٣٥:" رواه أحمد وفيه ابن إسحاق وهو مدلس وبقية رجاله ثقات "، ولانقطاعه كما ذكر الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه للمسند ٣/ ١٧١٥:" عباد بن عبد الله بن الزبير ثقة، لكنه لم يدرك قصة جمع القرآن بل ما أظنه أدرك الحارث بن خزمة "، وضعيف متنا قال أحمد شاكر:" إن الذي رواه البخاري في قصة آخر براءة هو الثبت، أما هذا فإنه منكر شاذ مخالف للمتواتر المعلوم من الدين بالضرورة أن القرآن بلّغه رسول الله ﷺ لأمته سورا معروفة مفصلة، ليس لعمر ولا لغيره أن يرتب فيه شيئا ولا أن يضع آية مكان آية، ولا أن يجمع آيات وحدها فيجعلهاسورة، ومعاذ الله أن يجول شئ من هذا في خاطر عمر "، وانظر تعليق محقق كتاب المصاحف هامش: ٢٢٠، وانظر النص في الفتح ٩/ ١٥.
(٢) أحمد ١/ ٥٧ (٣٩٩) وأشار له الأرناؤوط بالضعف، رواه الترمذي ٥/ ٢٧٢ (٣٠٨٦)، والحاكم ٢/ ٣٦٠ (٣٢٧٢) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وأبو داود ١/ ٢٠٨ (٧٨٦)، والنسائي ٥/ ١٠ (٨٠٠٧)، وابن حبان ١/ ٢٣٠ (٤٣)، وابن أبي شيبة ٧/ ٢٦٧ (٣٥٩٥٣)، ومعرفة السنن ٢/ ٣٦٥، ومشكل الآثار ١/ ١٢٠ (١٣١)، والمصاحف ٢٢٥ (٩٧)، وضعيف الترمذي ١/ ٣٨٠، انظر: بحث محقق كتاب المصاحف: ٢٢٦، فإنه مهم.
(٣) علي بن خلف بن بطال القرطبي، المعروف بابن اللجام، أخذ عن أبي عمر الطلمنكي، وابن عفيف، ألف شرح البخاري، مات سنة ٤٤٩ هـ، السير ١٨/ ٤٧، الصلة ٢/ ٤١٤.
(٤) شرح صحيح البخاري لابن بطال ١٠/ ٢٣٩، وفتح الباري لابن حجر ٩/ ٤٠.
(٥) الفتح ٩/ ٤٠.
[ ١ / ١٥٢ ]
فأخرج ابن أبي داود بإسناد صحيح من طريق سويد بن غفلة (^١) قال: قال علي: لا تقولوا في عثمان إلاّ خيرا فو الله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلاّ عن ملأ منّا، قال:
ما تقولون في هذه القراءة؟، فقد بلغني أنّ بعضهم يقول: إنّ قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كفرا، قلنا: فما ترى؟، قال: أرى أن نجمع النّاس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف، قلنا: نعم ما رأيت" (^٢).
وفى رواية مصعب بن سعد (^٣): "فقال عثمان: من أكتب النّاس؟، قالوا: كاتب رسول الله ﷺ زيد بن ثابت، قال: فأيّ النّاس أعرب؟ وفي رواية: أفصح؟ قالوا: سعيد بن العاص (^٤)، قال: فليمل سعيد، وليكتب زيد" (^٥).
ومن طريق سعيد بن عبد العزيز (^٦): "إنّ عربية القرآن أقيمت على لسان سعيد بن العاص بن أمية لأنّه كان أشبههم لهجة برسول الله ﷺ" (^٧).
_________________
(١) سويد بن غفلة بن عوسجة بن عامر، قيل له صحبة ولم يصح، حدث عن أبي بكر، وعمر وعثمان وعلي، وعنه أبو ليلى والشعبي والنخعي، مات سنة ٨٢ هـ، وكان زاهدا متواضعا، انظر: السير ٤/ ٦٩، أسد الغابة ٢/ ٢٧٩، شذرات الذهب ١/ ٩٠.
(٢) الخبر أخرجه أبو داود في المصاحف ٢٠٦ (٧٦) وأشار محققه له بالضعف، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٤١/ ١٦.
(٣) مصعب بن سعد بن أبي وقاص القرشي، روى عن أبيه، وعبد الله بن عمر وعلي بن ابي طالب، روى عنه سماك بن حرب، وعاصم بن بهدلة، كان ثقة كثير الحديث، مات سنة ١٠٣ هـ، انظر: تهذيب الكمال ٢٨/ ٢٤، السير ٤/ ٣٥٠.
(٤) ابن أبي أحيحة، مات رسول الله ﷺ وله تسع سنين، ولم يرو عن النبي ﷺ شيئا، روى عن عمر وعائشة، روى عنه عروة بن الزبير، وسالم بن عبد الله، اعتزل الفتنة، مات سنة ٥٩ هـ، انظر: السير ٣/ ٤٤٤، الطبقات الكبرى ٥/ ٣٠، أسد الغابة ٢/ ٣٩١.
(٥) أخرجه ابن أبي داود في المصاحف: ٢٠٩ (٨٠)، بسند صحيح، وابن شبة ٣/ ٢٢١.
(٦) ابن أبي يحيى، أبو محمد التنزخي الدمشقي، ولد سنة ٩٠ هـ، قرأ القرآن على ابن عامر، وحدث عن مكحول والزهري، حدث عنه الوليد بن مسلم، وأبو مسهر، اختلط قبل موته، مات سنة ١٦٧ هـ، انظر: السير ٨/ ٣٢ (٥)، غاية النهاية ١/ ٣٠٧.
(٧) المصاحف: ٢١١ (٨٢)، وأشار المحقق للخبر بالضعف لأن سعيدا لم يدرك سعيد بن -
[ ١ / ١٥٣ ]
قال في فتح الباري: "ووقع من تسمية بقيّة من كتب أو أملى عند ابن أبي داود مفرقا جماعة منهم: مالك بن أبي عامر (^١) جد مالك بن أنس، وكثير بن أفلح (^٢)، وأبيّ بن كعب، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عباس" (^٣).
وأخرج ابن أبي داود من طريق عبد الله بن مغفل (^٤)، وجابر بن سمرة (^٥).
قال: قال: عمر بن الخطاب: "لا يملين في مصاحفنا إلاّ غلمان قريش" (^٦)، وليس في الذين سمّيناهم أحد من ثقيف (^٧) بل إمّا قرشي أو أنصاري.
وكأنّ ابتداء الأمر كان لزيد ولسعيد، ثمّ احتاجوا إلى من يساعد في الكتابة بحسب الحاجة إلى عدد المصاحف التي ترسل إلى الآفاق فأضافوا إلى زيد من ذكر
_________________
(١) = - العاص، واختلط سعيد بن عبد العزيز.
(٢) ابن عمرو بن الحارث بن غيمان ابن خثيل حليف عثمان بن عبيد الله، جد مالك بن أنس، روى عن عمر وعثمان وعائشة وروى عنه سليمان بن يسار وابنه أبو سهيل، مات سنة ٧٤ هـ، انظر: تهذيب التهذيب ١٠/ ١٧، تهذيب الكمال ٢٧/ ١٤٨، تاريخ الإسلام ٢/ ٨٧٩، الثقات لابن حبان ٥/ ٣٨٣ (٥٣١٠).
(٣) كثير بن أفلح المدني، مولى أبي أيوب الأنصاري، أحد كتاب المصاحف التي كتبها عثمان، روى عن أبي بن كعب، وعثمان بن عفان روى عنه محمد بن سيرين والزهري، أصيب يوم الحرة، ووثقه علماء الجرح والتعديل، انظر: تهذيب الكمال ٢٤/ ١٠٥، والعبر ١/ ٦٨.
(٤) الفتح ٩/ ١٩.
(٥) ابن عبد غنم بن عفيف بن أسحم بن ربيعة بن عدي بن ثعلبة، أبو سعيد، صاحب النبي ﷺ، من أصحاب الشجرة، روى عن النبي ﷺ، والصديق، روى عنه ثابت بن أسلم، ومطرف بن الشخير، مات سنة سبع وخمسين، انظر تهذيب الكمال ١٦/ ١٧٣، الاستيعاب ٣/ ٩٩٦، السير ٢/ ٤٨٣.
(٦) جابر بن سمرة بن جنادة، أبو عبد الله، نزل الكوفة ومات بها سنة ست وسبعين، روى عن النبي ﷺ، وعن أبي أيوب الأنصاري، روى عنه الأسود بن سعيد وعبد الملك بن عمير، انظر: السير ٣/ ١٨٦، الإصابة ١/ ٢١٢، وأسد الغابة ١/ ٢٥٤.
(٧) المصاحف: ١٦٥ (٣٧).
(٨) قبيلة نسبت إلى ثقيف بن منبه، والثقيف في اللغة الحاذق، نزلوا الطائف، ومن هنا يقال للطائف بلاد ثقيف، ثم انتشروا في البلاد، وهناك خلق كثير من العلماء وغيرهم نسبوا إليها من أشهرهم الحجاج بن يوسف الثقفي، اللباب ١/ ٢٤١، نهاية الإرب ١/ ٦٩.
[ ١ / ١٥٤ ]
ثمّ استظهروا (^١) في الإملاء (^٢).
وقد شقّ على ابن مسعود صرفه عن كتابة المصحف حتى قال ما أخرجه الترمذي في آخر حديث إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب من طريق عبد الرحمن بن مهدي عنه، قال ابن شهاب: فأخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أنّ عبد الله بن مسعود كره لزيد بن ثابت نسخ المصاحف وقال: "يا معشر المسلمين أعزل عن كتابة المصاحف ويتولاّها رجل، والله لقد أسلمت وإنّه لفي صلب رجل كافر" (^٣) يريد زيد بن ثابت/.
والعذر (^٤) لعثمان ﵁ في ذلك أنّه فعله بالمدينة وعبد الله بالكوفة، ولم يؤخّر ما عزم عليه من ذلك إلى أن يرسل إليه ويحضر، وأيضا: فإنّ عثمان إنّما أراد نسخ الصّحف التي كانت جمعت في عهد أبي بكر وكاتبها هو زيد بن ثابت كما تقدّم لكونه كان كاتب الوحي فكانت له أولوية ليست لغيره (^٥).
واختلف في عدّة المصاحف التي أرسل بها عثمان إلى الآفاق فالمشهور:
أنّها خمسة، وقال ابن أبي داود: "سمعت أبا حاتم السّجّستاني يقول: كتبت سبعة مصاحف: إلى مكة، وإلى الشام، وإلى اليمن، وإلى البحرين، وإلى البصرة، وإلى
_________________
(١) استظهر به: استعان، المعجم الأوسط ٢/ ٥٧٨.
(٢) الفتح ٩/ ١٩.
(٣) أخرجه الترمذي ٥/ ٢٨٤ (٣١٠٤)، الإمامة لأبي نعيم: ٣٠٩، مسند أبي يعلى ١/ ٦٣ (٦٣)، المصاحف: ١٨٦ (٦٣) والخبر رجاله ثقات لكنه منقطع، فعبيد الله بن عبد الله أرسل عن عم أبيه عبد الله بن مسعود، وانظر فتح الباري ٩/ ١٧، قال محقق المصاحف: إسناده ضعيف، وأفاض في بيان علة ترك عثمان لابن مسعود فليراجع.
(٤) قال محققي اللطائف المطبوع: الواقع أن عمل عثمان لا يحتاج أن يعتذر به عنه، وما يروى عن ابن مسعود في هذا المقام لو صح هو صادق كذلك على موقف أبي بكر ﵁، حين خص زيد بن ثابت بنفس العمل منذ بدأ، وكان حديث أبي بكر في صفة زيد ما يكفي لتزكيته لدى جميع من جاؤوا بعده، حتى عند ابن مسعود، الذي تواترت روايات موافقته للجماعة.
(٥) الفتح ٩/ ١٩.
[ ١ / ١٥٥ ]
الكوفة، وحبس بالمدينة، واحد، وأحرق ما سوى ذلك" (^١).
وإنّما أمر بإحراق ما سوى المصحف الذي استكتبه والمصاحف التي نقلت منه و[سوى] (^٢) الصّحف التي كانت عند حفصة خشية أن يقع لأحد منها توهّم أنّ فيها ما يخالف المصحف الذي استقرّ عليه الأمر، وكانت كتابتهم هذه المصاحف بإجماع منهم على اللفظ الذي استقر في العرضة الأخيرة التي قرأ بها رسول الله ﷺ على جبريل عام قبض دون ما أذن فيه، وعلى ما صحّ مستفاضا عنه ﵇ دون غيره قطعا لمادة الخلاف، فصار ما يخالف خط المصحف في حكم المنسوخ والمرفوع كسائر ما نسخ ورفع فليس لأحد أن يتعد الرسم (^٣).
وجرّدوا كتابتها من النقط والشكل ليحتمل ما صحّ نقله وثبتت تلاوته عن النّبي ﷺ؛ إذ كان الاعتماد على الحفظ لا على مجرد الخط وقرأ أهل كلّ مصر بما في مصحفهم، وأخذوا ما فيه عن الصّحابة الذين أخذوه من فيّ رسول الله ﷺ.
وكان أوّل من أحدث نقط المصحف وشكله الحجّاج بأمر عبد الملك بن مروان كما قاله ابن عطية في (تفسيره)، وزاد تحزيبه، وقيل: إنّه أمر وهو وال على العراق الحسن ويحيى بن يعمر (^٤) بذلك، وقيل: أبو الأسود الدؤلي (^٥)، وقيل: إنّ المأمون العباسي أمر بوضع الأعشار، وقيل: الحجّاج (^٦).
_________________
(١) المصاحف ١/ ١٤٢ (١١٦)، الفتح ٩/ ٢٠.
(٢) زيادة يقتضيها السياق من الفتح ٩/ ٢١.
(٣) ، انظر الفتح ٩/ ٢٠، ٢١، ٣٠.
(٤) يحيى بن يعمر، أبو سليمان العدواني البصري، عرض على ابن عمر، وابن عباس، عرض عليه أبو عمرو بن العلاء، توفي قبل سنة ٩٢٠ هـ، انظر: الغاية ٢/ ٣٨١، المعرفة ١/ ١٦٢، السير ٤/ ٤٤١.
(٥) ظالم بن عمرو، ولد أيام النبوة، حدث عن عمر وعلي، وعنه نصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر، قاتل مع علي يوم الجمل، مات سنة ٦٩ هـ، انظر: سير أعلام النبلاء ٤/ ٨١، وفيات الأعيان ٢/ ٥٣٥.
(٦) المحرر الوجيز ١/ ٥٠، والنقل بتصرف كبير.
[ ١ / ١٥٦ ]