فمال القاضي أبو بكر بن الباقلاني إلى الأوّل وصحّحه (^١)، وتبعه جماعة منهم الجعبري لئلا تجتمع الصّحابة على ترك قراءة قبض رسول الله ﷺ عليها، وصرّح الطّبري وجماعة بالثّاني وهو المعتمد (^٢).
وأجيب/عن حجة الأوّلين بأنّ القراءة على الأحرف السّبعة لم تكن على سبيل الإيجاب بل على سبيل الرّخصة، ويدلّ له قوله في الحديث: "فاقرءوا ما تيسر منه" (^٣)، والحق كما في (فتح الباري) و(النشر) و(المنجد) وغيرهم، واللفظ للأوّل: "أنّ الذي جمع في المصحف هو المتفق على إنزاله المقطوع به المكتوب بأمر النّبي ﷺ، وفيه بعض ما اختلف فيه من الأحرف السّبعة لا جميعها كما وقع في المصحف المكي «تجرى من تحتها الأنهار» (^٤) في براءة، وفي غيره بحذف من، وكذا ما وقع من اختلاف مصاحف الأمصار من عدة واوات ثابتة في بعضها دون بعض، وعدة هاءات ونحو ذلك، وهو محمول على أنّه نزل بالأمرين معا، وأمر النّبي ﷺ بكتابته لشخصين، أو أعلم بذلك شخصا واحدا وأمره بإثباتهما على الوجهين، وما عدا ذلك من القراءات مما لا يوافق الرسم فهو مما كانت القراءة جوّزت به توسعة على النّاس وتسهيلا فلما آل الحال إلى ما وقع من الاختلاف في زمن عثمان وكفّر بعضهم بعضا اختاروا الاقتصار على اللّفظ المأذون في كتابته وتركوا الباقي".
قال الطّبري: "وصار ما اقتصر (^٥) عليه الصّحابة من الاقتصار كمن اقتصر مما خيّر فيه على خصلة واحدة" (^٦) اه.
_________________
(١) انظر: الانتصار: ١/ ٦٠، وجمال القراء ١/ ٢٣٩، كنز المعاني ٢/ ٣٠.
(٢) تفسير الطبري ١/ ٦٣، والمرشد الوجيز ٢٤١، الأحرف السبعة للعتر: ٢٧٦.
(٣) متفق عليه، البخاري ٦/ ٢٢٧ (٤٩٩٢)، مسلم ٢/ ٢٠٢ (١٨٥٢).
(٤) التوبة: ١٠٠.
(٥) في الفتح ٩/ ٣٠ [اتفق].
(٦) الفتح ٩/ ٣٠، تفسير الطبري ١/ ٦٣.
[ ١ / ١٥٧ ]
ثمّ لمّا كثر الاختلاف فيما يحتمله الرّسم، وقرأ أهل البدع والأهواء بما لا يحل لأحد تلاوته وفاقا لبدعتهم كمن قال من المعتزلة: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ (^١) بنصب الهاء، ومن الرّافضة ﴿وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ﴾ (^٢) بفتح اللام يعنون أبا بكر وعمر، رأى المسلمون أن يجمعوا على قراءات أئمة ثقات، تجرّدوا للاعتناء بشأن القرآن العظيم، فاختاروا من كلّ مصر وجّه إليه مصحف أئمة مشهورين بالثقة، والأمانة في النّقل، وحسن الدّراية، وكمال العلم أفنوا عمرهم في القراءة والإقراء، واشتهر أمرهم، وأجمع أهل مصرهم على عدالتهم فيما نقلوا، والثقة بهم فيما قرؤا، ولم تخرج قرائتهم عن خط مصحفهم.
فمنهم بالمدينة: أبو جعفر، وشيبة، ونافع.
وبمكة: عبد الله بن كثير، وابن محيص، والأعرج.
وبالكوفة: يحيى بن وثاب (^٣)، وعاصم بن أبي النجود، والأعمش، وحمزة، والكسائى.
وبالشام: عبد الله بن عامر، وعطية بن قيس الكلابي (^٤)، ويحيى بن حارث الذماري (^٥).
_________________
(١) النساء: ١٦٤.
(٢) الكهف/ ٥١.
(٣) حدث عن ابن عباس، وابن عمر، أخد القراءة عرضا عن علقمة، وعبيد بن نضيلة صاحب علقمة، حدث عنه عاصم، وأبو العميس عتبة المسعودي وأبو إسحاق السبيعي، وأبو إسحاق الشيباني، سير أعلام النبلاء ٤/ ٣٧٩.
(٤) عطية بن قيس، أبو يحيى الكلابي، تابعي ولد سنة سبع في حياة النبي، عرض على أم الدرداء، وابن عمر، وروى عنه عبد الرحمن بن زيد، وعبد الله بن العلاء، مات سنة ١٢١ هـ، انظر: الغاية ١/ ٥١٣، المعرفة ١/ ٢٣٨، السير ٥/ ٣٢٤.
(٥) يحيى بن الحارث بن عمرو بن يحيى، أبو عمر الذماري الدمشقي، روى عن واثلة بن الأسقع، وعبد الله بن عامر، وقرأ عليه سعيد بن المسيب وأبي الأشعث، مات سنة ١٤٥ هـ، انظر: الغاية ٢/ ٣٦٧، السير ٦/ ١٨٩.
[ ١ / ١٥٨ ]