القرآن الكريم هو كلام الله المبين، المنزل على الصادق الأمين، ليرشد الأمة ويدلها على خيري الدارين، ويقودها إلى السعادة الأبدية.
وقد نقل القرآن إلينا نقلا متواترا عن جبريل أمين الوحي عن رسول الله ﷺ عن صحابته الكرام عن التابعين وأئمة القراءة، حتى وصل إلينا كما أنزله الله على رسوله الكريم. إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩].
والقرآن الكريم هو الحبل الذي يصل السماء بالأرض، فمتى أوصلت الأمة خيوط هذا الحبل وشدتها وقوت من حبكها، انعكس ذلك على أوضاعها.
القرآن الكريم قاموس اللغة العربية، وسر بقائها، وهو قانون الشريعة الإسلامية، ودستور قيام الدول العادلة الناهضة.
لقد كان القرآن وما يزال نورا يضيء القلوب والعقول، وما نبغ علماء الإسلام السابقون إلا بنبوغهم في القرآن الكريم لأنه مفتاح العقول.
ولقد شاهدت- بحكم عملي في مجال التربية والتدريس- طلابا يهتمون بحفظ القرآن الكريم، وآخرين لا يعنون بتلاوته فضلا عن حفظه، فكان الذين يحفظون أوائل مدارسهم، والتحقوا بأوائل الكليات، وقابلت منهم القاضي والطبيب، والمهندس، والمترجم، فقلت في نفسي: صدقت يا ربنا حيث قلت: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ [آل عمران: ١٩٠]، أي أصحاب العقول.
[ ١٦ ]
وقد أحسن الإمام الشاطبي حين أشار إلى ذكاء قراء القرآن الكريم فقال:
وما كان ذا ضد فإني بضده غني فزاحم بالذكاء لتفضلا (١)
١ - القرآن بشارة: في الدنيا والآخرة. قال تعالى: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل: ٨٩].
٢ - القرآن نور: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[المائدة: ١٥، ١٦].
٣ - القرآن علو ورقي: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» (٢).
فمن أراد من الجنة أعلاها وأرقاها فليرتل دائما القرآن الكريم.
٤ - القرآن شفيع: قال رسول الله ﷺ: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه» (٣).
وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما» (٤) ومعنى تحاجان: أي تدافعان. وذلك من صور الشفاعة.
_________________
(١) متن الشاطبية.
(٢) رواه الترمذي وأبو داود وأحمد في مسنده.
(٣) رواه مسلم.
(٤) رواه مسلم.
[ ١٧ ]
٥ - القرآن عمار: عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب» (١).
٦ - القرآن يجمع لصاحبه سلامة الباطن وحسن الظاهر: عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة: ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة: لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة: ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة: لا ريح لها وطعمها مر» (٢) فانظر إلى المؤمن كيف حكم له الرسول ﷺ بسلامة الباطن وحسن الظاهر مثل الأترجة وذلك بقراءة القرآن.
٧ - حامل القرآن يظفر بصحبة الملائكة: عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران» (٣).
٨ - حامل القرآن يلبس والداه تاجا يوم القيامة: قال رسول الله ﷺ:
«من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس والداه تاجا يوم القيامة ضوؤه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا» (٤).
وإلى هذا المعنى أشار الإمام الشاطبي بقوله:
فيا أيها القاري به متمسكا مجلّا له في كل حال مبجلا
_________________
(١) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
(٢) متفق عليه.
(٣) متفق عليه.
(٤) رواه أبو داود.
[ ١٨ ]
هنيئا مريئا والداك عليهما ملابس أنوار من التاج والحلى (١)
٩ - القرآن ينير قبر صاحبه: وإلى هذا يشير الإمام الشاطبي بقوله:
وحيث الفتى يرتاع في ظلماته من القبر يلقاه سنا متهللا
والمعنى: «إذا كان قارئ القرآن يخشى من أعماله السيئة المظلمة أو من ظلمات القبر فإن القرآن يلقاه مشرقا باسم الوجه، فيأنس به ويتبدل خوفه أمنا وطمأنينة» (٢).