إن نشأة القراءات القرآنية كانت بتبليغ أمين الوحي جبريل ﵇ أول كلمة قرآنية للنبي ﷺ وهي كلمة (اقرأ) فلهذه الكلمة قراءتان متواترتان الأولى بتحقيق الهمزة والثانية بإبدالها ألفا. ثم تتابع نزول القرآن بعد ذلك بالأحرف السبعة (١).
عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف» (٢).
كما ثبت عن عمر بن الخطاب أنه قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة الرسول ﷺ فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبرت حتى سلم، فلببته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ. فقلت: كذبت فإن رسول الله ﷺ أقرأنيها على غير ما قرأت.
فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ. فقلت: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها. فقال رسول الله ﷺ: «أرسله. اقرأ يا هشام».
فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله ﷺ: «كذلك أنزلت». ثم قال: «اقرأ يا عمر» فقرأت القراءة التي أقرأني. فقال رسول الله ﷺ: «كذلك أنزلت. إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه» (٣).
وعن أبي بن كعب قال: كنت في المسجد فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه ثم دخل آخر، فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة، دخلنا جميعا على رسول الله ﷺ، فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأمرهما رسول الله ﷺ فقرءا، فحسن النبي ﷺ
_________________
(١) علم القراءات للشيخين عطية نصر قابل، ومحمد عوض زائد
(٢) متفق عليه.
(٣) متفق عليه.
[ ٤٥ ]
شأنهما فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى رسول ﷺ ما قد غشيني ضرب في صدري، ففضت عرقا، وكأنما أنظر إلى الله ﷿ فرقا. فقال لي: «يا أبيّ أرسل إليّ أن أقرأ القرآن على حرف فرددت إليه:
أن هون على أمتي. فرد إليّ الثانية: اقرأه على حرفين فرددت إليه أن هون على أمتي. فرد إليّ الثالثة: اقرأه على سبعة أحرف، ولك بكل ردة رددتها مسألة تسألنيها. فقلت: اللهم اغفر لأمتي. اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليّ الخلق كلهم حتى إبراهيم ﵇» (١).
وقد بلّغ النبي ﷺ القرآن لأصحابه وقرأه عليهم كما أنزل عليه. قال تعالى:
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [المائدة: ٦٧] وقال تعالى: وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا [الإسراء: ١٠٦] وربما علّم النبي ﷺ بعض أصحابه قراءة لم يسمعها غيرهم «فكل ميسر لما خلق له» فصار كل صحابي يقرأ القراءة التي سمعها من رسول الله ﷺ.
ومن الصحابة من أخذ القرآن بحرفين ومنهم من زاد حتى جمع القراءات مثل أبيّ بن كعب وسوف تجد اسمه مكتوبا عند عرض سند كل قارئ في هذا الكتاب، ولهذا قال النبي ﷺ: «خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود وسالم مولى حذيفة ومعاذ وأبيّ بن كعب» (٢).
_________________
(١) رواه مسلم.
(٢) رواه البخاري. ويسمى أبيّ سيد القراء.
[ ٤٦ ]