كان لدانية شأن، ولكن تعاظم شأنها في أيام ملوك الطوائف بعد سقوط الخلافة؛ إذ جاءها مجاهد العامري أبو الجيش (١)، فقد باين سائر الملوك في العلم والمعرفة، قال ابن الخطيب: «لم يكن في الأحرار، ولا في الموالي أثبت قدما منه في العلم لا سيما علم العربية، فإنه تحقق به إلى ما يتصرف من علم القرآن قراءته ومعانيه، وغريبه وتفسيره».
وجمع من الكتب ما لم يجمعه أحد من نظرائه، وأتت إليه العلماء من كل صقع، فاجتمع بفنائه جملة من مشيختهم ومشهور طبقاتهم؛ كأبي عمرو المقرئ، وابن عبد البر، وابن معمر اللغوي، وابن سيده، فشاع العلم في حضرته، حتى فشا في جواريه وغلمانه، فكان له من المصنفين عدة يقومون على قراءة القرآن، ويشاركون في فنون من العلم» (٢).
قال ياقوت الحموي: «وكانت قاعدة ملك أبي الجيش مجاهد العامري، وأهلها أقرأ أهل الأندلس، لأن مجاهدا كان يستجلب القراء، ويفضل عليهم، وينفق عليهم الأموال، فكانوا يقصدونه، ويقيمون عنده، فكثروا في بلاده» (٣) وألفوا له تواليف مفيدة في سائر العلوم.
_________________
(١) انظر: الحلل السندسية ٣/ ٢٩٥، بغية المتلمس للضبي ٤٧٢.
(٢) أعمال الأعلام ٢١٧، ٢١٨.
(٣) معجم البلدان ٢/ ٤٣٤.
[ ١ / ٣٤ ]
وقال علي بن بسام المتوفى ٥٤٢ هـ: «كان مجاهد فتى أمراء دهره، وأديب ملوك عصره، لمشاركته في علم اللسان، ونفوذه في علم القرآن، عني بذلك من صباه، ولم يشغله عن ذلك شاغل حتى صار في المعرفة نسيج وحده، وجمع من دفاتر العلوم خزائن جمة».
وكانت دولته أكثر الدول خاصة، وأسراها صحابة، لانتحاله العلم والفهم، فأمّه جماعة العلماء، وأنسوا بمكانه، وخيموا في ظل سلطانه، واجتمع عنده من طبقات علماء قرطبة وغيرها جملة وافرة» (١).
وذكر العلامة ابن خلدون أن أبا داود سليمان بن نجاح كان من مواليه، فحينئذ لا شك أنه استفاد منه ومن كتبه (٢).
وموطن أبي داود الأصلي هو بلنسية، ولد فيها وتوفي فيها، وكانت مركزا من مراكز العلوم. وهي شرق الأندلس، وهي حاضرة من حواضر الأندلس الكبرى، وما زالت هذه المدينة منذ أن خيم عليها الإسلام إلى أن تقلص ظله عنها دار علم، وتفكير وفضل غزير، ونعيم وملك كبير، وكانت دائما معقل العروبة، ومركز العربية، وموطن بحث وتحقيق، ومحط تصنيف وتنميق، وفيها من كل نزعة عربية صحيحة وكل عرق في العرب عريق (٣).
وقال شكيب أرسلان: «وكان الأقدمون يقولون: إن بلنسية قطعة نزلت
_________________
(١) الذخيرة في محاسن الجزيرة ق ٣ ج ١ ص ٢٣.
(٢) انظر: تاريخ ابن خلدون ١/ ٣٦٦.
(٣) انظر: الحلل السندسية ٣/ ٤٤.
[ ١ / ٣٥ ]
من السماء» (١). «وأهلها خير أهل الأندلس، يسمون عرب الأندلس» (٢)، وقال: «وبها مكتبة عظيمة وخزانة كتبها تشتمل على ستين ألف مجلد، وفي هذه الخزانة مئات من الكتب المخطوطة» (٣).
وينتسب إلى كل من بلنسية ودانية وشاطبة وغيرها من بلاد الأندلس جماعة من أهل العلم لكل فن، ونبغ منهم جماعة ومشاهير في اللغة والتفسير والقراءات والأدب والفقه والحديث والتاريخ وغيره فعدد منهم لسان الدين ابن الخطيب في كتابه «أعمال الأعلام» (٤) وحذا حذوه شكيب أرسلان (٥).
قال لسان الدين ابن الخطيب، وهو يعدد من نبغ في العلم والمعرفة، فقال: «وكان على عهد بيعة هشام بن الحكم مولى أبي داود من الأعلام هضاب راسية، وبحار في العلم زاخرة، وأعلام قولهم مسموع، وبرهم مشروع، وأثرهم متبوع». ثم أحصى عددا كثيرا منهم، فذكر حوالى ثمانية وثلاثين ومائة عالم ووصفهم بالوصف المتقدم.
ومن أهم ملوك بني أمية الذين أقاموا للعلم سوقا نافقة الحكم المستنصر بالله. فكان محبا للعلوم مكرما لأهلها، جماعا للكتب بأنواعها مما لم يجمعه أحد من الملوك قبله.
_________________
(١) انظر: الحلل السندسية ٣/ ٤٦.
(٢) انظر: الحلل السندسية ٣/ ٤٧.
(٣) انظر: الحلل السندسية ٣/ ٢١٢.
(٤) انظر: أعمال الأعلام ص ٤٨.
(٥) انظر: الحلل السندسية ٣/ ٣٠١.
[ ١ / ٣٦ ]
قال أبو محمد بن حزم عن صاحب خزانته العلمية: «إن عدة الفهارس التي فيها تسمية الكتب أربع وأربعون فهرسة في كل فهرسة عشرون ورقة ليس فيها إلا ذكر الدواوين فقط».
وأقام للعلم والعلماء سوقا نافقة جلبت إليه بضائعه من كل قطر.
وكان يبعث في الكتب إلى الأقطار رجالا من التجار، ويرسل إليهم الأموال لشرائها، حتى جلب منها إلى الأندلس ما لم يعهدوه.
وجمع في داره الحذاق في صناعة النسخ، والمهرة في الضبط، والإجادة في التجليد، واجتمعت بالأندلس خزائن من الكتب لم تكن لأحد من قبله ولا من بعده».
وكان ذا غرام بالمصنفات، وله ورّاقون بأقطار البلاد ينتخبون له غرائب التواليف، وقلما يوجد كتاب من خزائنه إلا وله فيه قراءة أو نظر، في أي فن كان، فاستوسع علمه، ودق نظره وجمت استفادته (١).
ولم يعقب إلا هشاما مولى أبي داود، ولا عقب له ولا لأبيه، وحينئذ فلا شك أن هذه الخزائن من الكتب قد استفاد منها أبو داود، إن لم تكن قد آلت إليه.
يقول أبو العباس القلقشندي ت ٨٢١ هـ: «ويقال: إن أعظم خزائن الكتب في الإسلام ثلاث خزائن، منها خزانة خلفاء بني أمية بالأندلس، وكانت من أجل خزائن الكتب أيضا، ولم تزل إلى انقراض دولتهم
_________________
(١) انظر: نفح الطيب ١/ ٣٩٥، الذخيرة لابن بسام ٢٠٢، أعمال الأعلام ٤١، جمهرة أنساب العرب ١٠٠.
[ ١ / ٣٧ ]
باستيلاء ملوك الطوائف على الأندلس، فذهبت كتبها كل مذهب» (١).
وذكر خزانة خلفاء العباسيين ببغداد، وخزانة الفاطميين بمصر.
ولما جاء ملوك الطوائف- وكان كثير منهم من أتباع الأمويين- نهجوا على ذلك المنهاج، فكان منهم الكتاب والشعراء، وكذلك كان وزراؤهم، فاتسعت آفاق الفكر وكثر الإنتاج العلمي، فكانت الأندلس روضة من رياض العلم والأدب، فلم يضعف العلم بضعف السياسة، ولم يأفل نجم العلماء كما أفل نجم الأمراء وأصحاب السياسة.
وبلغت الحياة العلمية في بلاد الأندلس نشاطا ملحوظا، فبرز عبد الرحمن ابن محمد بن فطيس ت ٤٠٢ هـ، كان ﵀ من كبار المحدثين وصدور العلماء المسندين، حافظا للحديث، متقنا لعلومه، وله مشاركة في سائر العلوم.
جمع من الكتب في أنواع العلوم ما لم يجمعه أحد من أهل عصره في الأندلس، وكان له ستة وراقين ينسخون له دائما، وكان قد رتب لهم على ذلك راتبا معلوما، وكان لا يسمع بكتاب حسن إلا اشتراه أو استنسخه.
ولما توفي اجتمع أهل قرطبة لبيع كتبه، فأقاموا في بيعها مدة عام كامل في المسجد (٢).
وكان المظفر بن الأفطس أبو بكر بن محمد بن عبد الله بن مسلمة التجيبي صاحب بطليوس ت ٤٦٠ هـ «كثير الأدب جمّ المعرفة محبا لأهل
_________________
(١) انظر: صبح الأعشى في صناعة الإنشا ١/ ٤٦٦.
(٢) انظر: الديباج المذهب ١٥٠، الصلة ١/ ٢٩٨، طبقات المفسرين ١/ ٢٩١.
[ ١ / ٣٨ ]
العلم جمّاعا للكتب ذا خزانة عظيمة، لم يكن في ملوك الأندلس من يفوقه في أدب ومعرفة» (١).
وقال عنه ابن بسام: «كان أديب ملوك عصره من غير مدافع ولا منازع، وله التصنيف الرائق، والتأليف الفائق المترجم بالتذكرة، والمشتهر اسمه بكتاب ابن المظفر (المظفري) في خمسين مجلدا يشتمل على فنون وعلوم» (٢).
وكان أبو محمد عبد الله بن حيان الأروشي ت ٤٨٧ هـ ذا همة عالية في اقتناء الكتب وجمعها، جمع من ذلك شيئا عظيما (٣) ذكر ابن علقمة المؤرخ البلنسي ت ٥٠٩ هـ الذي صاحب الأروشي: إن يحيى بن ذي النون صاحب بلنسية أخذ كتب الأروشي من داره، وسيقت إلى قصره، وذلك مائة عدل وثلاثة وأربعون من أعدال الحمالين، يقدر كل عدل منها بعشرة أرباع (٤)، وقيل: «قد أخفى منها نحو الثلث» (٥).
وهذه الخزانة حوت أعظم الكتب. ولما أمر بإخراجها الحاجب واضح من موالي المنصور بن عامر، نهب ما بقي منها عند دخول البربر، وأخذها الناس (٦).
_________________
(١) انظر: التكملة ١/ ٣٩٣.
(٢) انظر: الذخيرة لابن بسام ق ٢ ج ٢ ص ٣٩٨، التكملة ١/ ٣٩٣.
(٣) انظر: الصلة ١/ ٢٧٨، ٢٨٨ رقم ٦٣٣، ٦٣٤.
(٤) انظر: التكملة ١/ ٤١١.
(٥) انظر: بغية ٣٤٤، وانظر: الصلة ١/ ٢٨٨ ح ٥.
(٦) انظر: نفح الطيب ٤/ ٢٤٢.
[ ١ / ٣٩ ]
ولا بد أن يكون أبو داود قد نال منها حظا كبيرا، وأن يكون قد استنسخ منها الكثير.
قال ابن عبّاد: سمعت شيخنا أبا الحسن بن هذيل يقول: «كان أبو داود يكتب من ليلته عشرين ورقة كبارا» (١).
بلغت مدينة بلنسية مبلغا كبيرا في تنشيط الحركة العلمية، فقصدها طلاب العلم من كل فج عميق من جميع مناطق الأندلس، بل ومن خارج الأندلس.
فهذا أبو الليث من علماء المشرق دخل الأندلس، ودرس على علماء بلنسية عند ما قدمها سنة ٤٦٤ هـ، حيث قطعت بلنسية شأوا كبيرا في ميدان العلم، فقد تصدرها وقتئذ عدد من العلماء الكبار (٢) كما تتلمذ على أبي الليث عدد من الطلاب ببلنسية (٣).
وكذا صقلّية حيث كان أحد أبنائها ممن تلقى علمه في مصر- وهو أبو محمد جعفر بن علي التميمي الصقلي- قدم الأندلس وبها لقيه أبو داود المقرئ، فسمع منه كتاب أبي بكر بن عزير في غريب القرآن بجامع بلنسية مرتين.
وكذا القيروان، فهذا ابن سعدون القروي ٤٨٥ هـ من القيروان سمع بها وبمصر وبمكة كان من أهل العلم دخل إلى بلنسية، وسمع منه أبو داود المقرئ.
_________________
(١) انظر: التبيين ورقة ٣٥.
(٢) انظر: الصلة ٢/ ٦٣٧، ٦٣٨.
(٣) انظر: الذيل ١/ ١/ ١٩٣، ٥/ ١/ ٤٠٣.
[ ١ / ٤٠ ]
ومن أهل القيروان أيضا الحصري أبو الحسن الفهري القروي المقرئ، ت ٤٨٨ هـ، دخل الأندلس بعد ٤٥٠ هـ، واتصل بعلمائها كأبي العباس النحوي البلنسي وغيره (١).
استقبلت بلنسية كبار علماء قرطبة، فكان لهم تأثيرهم على نشاط الحركة العلمية تعلما وتعليما وبخاصة بعد الفتنة التي ابتليت بها قرطبة، فشهدت هجرة العديد من علماء قرطبة إلى أنحاء من الأندلس، فجاء نصيب بلنسية من ذلك وافرا.
ومن أولئك العلماء الأعلام أبو محمد عبد الله بن أبي دليم الذي روى عنه أبو داود.
فبلغت بلنسية درجة كبيرة من العلم في القرن الخامس الهجري، وتوافد عليها كثير من طلاب العلم، فأبو الحسن لاوي بن إسماعيل المكتب من أهل طرطوشة صحب أبا داود المقرئ، وأخذ عنه القراءات، واعتمد عليه فيها، وسمع منه كثيرا، ولازمه ببلنسية ودانية من سنة ٤٨١ هـ إلى ٤٩١ هـ (٢).
ومن أمثلة وفود علماء من قرطبة إلى بلنسية أو هجرتهم: «الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري ت ٤٦٣ هـ شيخ أبي داود، فتحول إلى شرق الأندلس، وسكن دانية وبلنسية وشاطبة، وبها توفي» (٣).
فكان لأبي عمر ببلنسية نشاط ملحوظ، وأثر بارز في الحياة العلمية.
_________________
(١) انظر: المطرب ١٣، جذوة المقتبس ٣١٤.
(٢) انظر: الحياة العلمية ٤٩٧ وما بعدها.
(٣) انظر: الصلة ٢/ ٦٧٩.
[ ١ / ٤١ ]
كما تلقى بعض طلاب قرطبة العلم ببلنسية في القرن الخامس الهجري، بعد أن فقدت قرطبة مركزها المرموق، فمثلا أبو محمد بن حزم ت ٤٥٦ هـ، القرطبي النشأة، كان له مجلس علمي في بلنسية (١).
ومن العلماء الذين أنجبتهم بلاد الأندلس، وكانوا بحورا في العلم، وأسهموا في الحياة العلمية بمؤلفات عديدة:
مكي بن أبي طالب القيسي ت ٤٣٧ هـ، كان إماما في علوم القرآن والقراءات والتفسير والعربية.
ومنهم: الإمام أبو بكر بن محمد بن عبد الله المعافري الأندلسي ابن العربي، المولود في ٤٦٨ هـ. صنف كتبا كثيرة في التفسير والحديث والفقه والأصول، ومن أشهرها في التفسير كتاب «أحكام القرآن»، توفي سنة ٥٤٣ هـ.
ومنهم: القاضي عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي الغرناطي.
ولد بغرناطة سنة ٤٨٠ هـ، كان فقيها عالما بالتفسير والحديث والفقه، وكتابه «المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز» له قيمة عالية عند جميع المفسرين.
والواقع الذي لا شك فيه أن ابن العربي وابن عطية قد استفادا من مؤلفات أبي داود، أو أخذا عن تلاميذ أبي داود.
وكذا إمام القراءات أبو القاسم بن فيّره بن خلف أحمد الرعيني الشاطبي ولد سنة ٥٣٨ هـ كان له اهتمام كبير بمؤلفات أبي عمرو الداني فنظم
_________________
(١) انظر: تذكرة الحفاظ ٣/ ١١٤٦، ١١٤٨.
[ ١ / ٤٢ ]
التيسير في «حرز الأماني» والمقنع في «العقيلة». ولا شك أنه استفاد من مصنفات أبي داود وتعليقاته وتحريراته على مصنفات شيخه أبي عمرو الداني.
ومن العلماء البارزين في علم هجاء المصاحف والقراءات: أبو عمرو أحمد بن محمد بن عبد الله الطلمنكي ت ٤٢٩ هـ، ألف كتاب علم المصاحف وكتاب الروضة في القراءات، ثم هو شديد التمسك بالسنة ومحاربة البدع.
وغير هؤلاء من علماء اللغة والقراءات والتفسير والحديث لا يأتي عليهم الحصر.
ومن تتبع ذلك في كتاب «الصلة» لابن بشكوال، وكتاب «صلة الصلة» لابن الزبير، وكتاب «التكملة» لابن الأبار، وكتاب «أعمال الأعلام» لابن الخطيب؛ علم ما بلغته الأندلس في النشاط العلمي وما أنتجته قرائح العلماء من الدواوين والمصنفات والكتب.
وقد كتب أبو محمد بن حزم- المعاصر لأبي داود- رسالة في فضل علماء الأندلس تعطي صورة واضحة عن التقدم العلمي، ونقتبس منها ما يلي:
«بلدنا هذا- على بعده من ينبوع العلم، ونأيه من محلة العلماء- قد ذكرنا من تآليف أهله، ما إن طلب مثلها بفارس والأهواز، وديار مضر وربيعة واليمن والشام أعوز
وجود ذلك، على قرب المسافة، في هذه البلاد من العراق، دار هجرة الفهم وذويه ومراد المعارف وأربابها».
ثم يوازن ﵀ بينهم وبين نظرائهم في المشرق، ويقرر أنه لا يوجد رجل من مفاخر الشرق إلا كان له نظير من مفاخر الأندلس، فالبخاري
[ ١ / ٤٣ ]
يناظره بقي بن مخلد، والقفال الشافعي تلميذ المزي بالشرق يقابله قاسم بن محمد بالأندلس.
وهكذا يجري المقابلات، مما يدل أن الأندلس كان بها طائفة من العلماء لا تقل عن نظيراتها في العراق (١).
قال المقري: «وأما حال أهل الأندلس في فنون العلم، فتحقيق الإنصاف في شأنهم في هذا الباب أنهم أحرص الناس على التمييز».
فالجاهل الذي لم يوفقه الله للعلم يجتهد أن يتميز بصنعة، ويربأ بنفسه أن يرى فارغا عالة على الناس، لأن هذا عندهم في نهاية القبح» (٢).
ثم قال: «وقراءة القرآن بالسبع، ورواية الحديث عندهم رفيعة، وللفقيه رونق ووجاهة، ولا مذهب لهم إلا مذهب مالك، وخواصهم يحفظون من سائر المذاهب ما يباحثون به بمحاضر ملوكهم ذوي الهمم في العلوم» (٣).
وكانوا يكرهون الفلاسفة والمنجمين، وينفرون من الفلسفة والتنجيم، ويطلقون على من اشتغل بذلك اسم: «زنديق»، ويرجمونه بالحجارة (٤).
وإن الفن الذي برعت فيه بلنسية، وعرف لها فيه نشاط ملحوظ، هو القراءات، وعلوم القرآن، وهجاء المصاحف. فتهيأ لعلم القراءات في
_________________
(١) نفح الطيب ٢/ ١٣٤، ابن حزم ١١٤.
(٢) انظر: نفح الطيب ١/ ٢٢٠.
(٣) انظر: نفح الطيب ١/ ٢٢١.
(٤) انظر: نفح الطيب ١/ ٢٢١.
[ ١ / ٤٤ ]
مدينة بلنسية- موطن أبي داود- عدد كبير من العلماء. وقد لفت انتباهي كثرة القراء الذين ورد ذكرهم في كتاب «الصلة» لابن بشكوال، و«صلة الصلة» لابن الزبير، وكتاب «التكملة» لابن الأبار، و«ذيل التكملة» للمراكشي، وغير ذلك.
ومن كبار الأئمة في القراءات: إمام المقرئين ابن الصيرفي أبو عمرو الداني ت ٤٤٤ هـ، روى عنه ببلنسية أبو أحمد جعفر بن سعيد بن حلبس، الذي صار هو الآخر إماما في القراءات ومن كبار المقرئين الأندلسيين، وعنه أخذ أبو داود (١) فصارت إليه الرئاسة والإمامة في علم القراءات والتفسير وعلوم القرآن.
ومن العلماء الذين عرف لهم نشاط ملحوظ في القراءات أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سعود الأنصاري تصدر للإقراء، فأخذ عنه أبو داود، قراءة نافع من رواية قالون وله تصانيف في علوم القرآن وغيرها منها:
الاختلاف بين نافع من رواية قالون وبين الكسائي من رواية الدوري (٢).
ومنهم أحمد بن علي بن أحمد المقرئ أبو العباس الباغاني. كان من أهل العلم والخط والذكاء، بحرا من بحور العلم.
قال ابن حيان: «كان ربانيا في علوم الإسلام، لم يخلف بعده أحد أعرف منه في علوم القرآن» (٣).
_________________
(١) انظر: في شيوخ أبي داود ص ٧٧.
(٢) انظره في شيوخ ص ٧٨.
(٣) انظر: أعمال الأعلام ٥٣.
[ ١ / ٤٥ ]
ومن المؤلفات التي كانت تدرس في مدينة بلنسية: مؤلفات أبي عمرو الداني، ومؤلفات أبي داود، ومؤلفات مكي بن أبي طالب، ومؤلفات أبي عمر الطلمنكي، ومؤلفات أبي العباس أحمد بن عمار المهدوي، وغيرهم.
وكانت تشتمل على جملة من علوم القرآن والتفسير والقراءات وهجاء المصاحف وغيرها من علوم اللغة العربية (١).
وكذا كثر اهتمام علماء بلنسية بالحديث والفقه، إلى جانب التفسير والقراءات واللغة والأدب وغيرها كما تقدم. فهذا ابن الحذّاء أبو عبد الله التميمي الأندلسي ت ٤١٠ هـ المحدث الفقيه، تولى قضاء بلنسية، له عدة تصانيف منها: «الاستنباط لمعاني السنن» و«الأحكام» في عدة أسفار، و«التعريف برجال الموطأ» (٢).
ومن علماء بلنسية ابن الفخار الحافظ أبو عبد الله محمد ت ٤١٩ هـ، أحد أئمة المالكية حافظ للحديث والأثر، قال عنه أبو عمرو الداني: «هو آخر الفقهاء الحفاظ الراسخين العالمين بالكتاب والسنة بالأندلس» (٣).
وكذا ألف عبيد الله بن يوسف بن ملحان ت ٤٣٠ هـ بمدينة بلنسية مجموعا في الفقه، وكان معدودا من أهل العلم والفقه (٤).
_________________
(١) انظر: الحياة العلمية ٤١٨.
(٢) انظر: معجم الأدباء ١٩/ ١٠٨.
(٣) انظر: الصلة ٢/ ٥١٠، الديباج ٢٧١، ترتيب المدارك ٤/ ٧٢٤، نفح الطيب ٢/ ٦٠.
(٤) انظر: التكملة ٢/ ٩٣٢.
[ ١ / ٤٦ ]
ومن المشهورين بالتأليف في الفقه أبو القاسم خلف مولى يوسف بن بهلول المعروف بالبربري ت ٤٤٣ هـ، ألف كتابا في شرح المدونة سماه «التقريب» وانتفع به الطلاب في المناظرة، وكان أبو الوليد هشام بن أحمد الفقيه يقول: «من أراد أن يكون فقيها من ليلته فعليه بكتاب البربري» (١).
أما تآليف الحافظ أبي عمر يوسف بن عبد البر ت ٤٦٣ هـ شيخ أبي داود، فيطول ذكرها في هذه العجالة، فكان موفقا في التأليف معانا عليه ونفع الله بتآليفه، ومارس نشاطات علمية في بلنسية، ومثله أبو الوليد الباجي سليمان بن خلف ت ٤٧٤ هـ له تصانيف مشهورة جليلة، كان أكثر تردده بشرق الأندلس ما بين سرقسطة وبلنسية ومرسية ودانية (٢).
ودرس أبو العباس العذري ت ٤٧٨ هـ صحيح البخاري ومسلم ببلنسية، ودرس عليه عدد كبير من البلنسيين كأبي داود وغيره (٣) والله أعلم.