إن مؤلفات أبي داود سليمان بن نجاح تعد كلها دررا في تاريخ التراث العربي وبخاصة في القرآن وعلومه؛ لما امتاز به مؤلفها من سعة الرواية والدراية في معاني القرآن والقراءات وهجاء المصاحف وإعرابها بالنقط والشكل وكيفية ذلك.
وكتابه: «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» يعد من نفائس كتب هجاء المصاحف، فلا يدانيه أي كتاب فيما أعلم. وتتجلى أهميته في أمور كثيرة منها:
أسلوب أبي داود في كتابه المتميز بالسهولة، والبعد عن التكلف والتعقيد، وظهر ذلك في شكله ومحتواه، بل تجلت في اختياراته وترجيحاته. فقد لمست روح السهولة تجري في أسلوبه واختياراته، كما بينت ذلك في منهجه وطريقته في الكتاب. فكتابه: «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» يعد من نفائس هجاء المصاحف، فلا بد منه للمشتغل بعلم القراءات، ولا بد منه للمشتغل بنسخ المصاحف.
وممّا يدل على أهميته أنه اشتمل على بيان السور المكية والمدنية، والمختلف فيها، وعلى بيان عد الآي، وعلى الأجزاء والأحزاب، وعلى الخمس والعشر، وكل ما يحتاج إليه كتبة المصاحف ونساخها، فضلا عن كونه اشتمل على أصول القراءات، وعلى تجزئة رمضان، وبين محل
[ ١ / ٣١٨ ]
الوقوف التي يتم عليها المعنى، وينتهي عندها الكلام، مما ستقف عليه في ثنايا هذا الكتاب.
أما غزارة مادة الكتاب، فلا أعلم كتابا- حسب اطلاعي- أشمل وأوسع في هجاء المصاحف من: «مختصر التبيين لهجاء التنزيل»، بل إنه من أجمعها وأوسعها وأشملها لكل ما يتصل بكتابة المصاحف وإعرابها بالنقط وكيفية ذلك. فالكتاب حوى بين طياته جميع هجاء مصاحف الأمصار على ما وضعه الصحابة ﵃، أودع فيه مؤلفه كل ما عرف عن موضوع هجاء المصاحف وما يحتاجه الناسخ للمصحف.
ولأجل هذا كله، لم يكن المؤلف﵀- مبالغا حين وصف كتابه بالإمام حيث قال في مقدمته: «ونجعله إماما يقتدي به الجاهل، ويستعين به الحافظ الماهر».
ومما يدلّ على أهمية الكتاب أن المؤلف﵀- يربط القراءة بالمصاحف، وهو الأمر الذي خلت منه جميع الكتب المؤلفة في القراءات، أو المؤلفة في هجاء المصاحف، حيث أفردت للمصاحف وهجائها، أو أفردت للقراءات ورواياتها.
والمؤلف﵀- جمع بين القراءة والمصاحف وقرن بينهما، فهذا الربط يدل دلالة قاطعة على أن قبول القراءة لا بد أن يكون موافقا لهجاء أحد المصاحف العثمانية، ولو احتمالا. فهذه السمة البارزة انفرد بها في جميع الكتاب فكان يقول: «وكتبوا في مصاحف أهل المدينة والشام سارعوا (١)
_________________
(١) من الآية ١٣٣ آل عمران.
[ ١ / ٣١٩ ]
بغير واو قبل السين وكذا قرأنا لهم، وفي سائر المصاحف: وسارعوا بواو قبل السين، وبذلك قرأنا لهم». فهذا الربط بين القراءة والمصاحف، يعد ركنا من أركان قبول القراءة، وهي «كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا، وصحّ سندها فهي القراءة الصحيحة » (١).
ولذا عدت القراءة التي خالفت خط المصاحف العثمانية شاذة، فهذا أبو جعفر الطبري يرد القراءة المخالفة لرسم المصحف فيقول: «ليس لأحد خلاف رسوم مصاحف المسلمين» (٢).
ومما يضفي أهمية على كتاب التنزيل أن مؤلفه أبا داود لم يقتصر في وصفه لهجاء المصاحف على قراءة معينة واحدة كما فعل الخراز في مورد الظمآن الذي اقتصر على رسم قراءة نافع، فاضطر ابن عاشر أن يكمل بقية هجاء المصاحف فنظم تكملة للمورد سماه الإعلان (٣).
وإن كتابه التنزيل ضمنه هجاء جميع مصاحف الأمصار، فشمل كتابه هجاء جميع القراءات، لنافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبي جعفر ويعقوب وخلف. فعلى جميع الرسوم اشتمل، فبين فيه هجاء المصحف المدني والمكي والشامي والكوفي
_________________
(١) انظر: النشر ١/ ٩.
(٢) انظر: جامع البيان ٢/ ٤٨.
(٣) اسمه الكامل: «الإعلان بتكميل مورد الظمآن» ضمنه باقي خلافيات الرسم على قراءة غير نافع، وجزأه على أرباع القرآن، وأدخله ضمن شرحه على المورد. انظر: فتح المنان ورقة ٥٤.
[ ١ / ٣٢٠ ]
والبصري، ولقد صرّح بذلك في مقدمته، فقال: «وعلى مصحف أهل المدينة يكون تعويلنا في الهجاء، وعدد الآي والخمس والعشر مع تنبيهنا على من خالفهم في الهجاء من سائر الأمصار» (١).
والأمثلة على هذا كثيرة منها: أنه استحب لمن كتب مصحفا للمكي أن يكتب الياء معقوصة في قوله تعالى: فاذكروني أذكركم (٢). وفي موضع آخر قال: «إن كان ضبط المصحف لابن كثير، فاستحب له كتب ذلك: استايس (٣) بألف لا غير موافقة للمرسوم في بعض المصاحف، ولقراءة البزي ذلك كذلك بألف من غير همز».
وقال عند قوله: وجعل (٤): «وأنا أستحب كتاب ذلك بغير ألف لجميع القراء موافقة لبعض المصاحف، ولقراءة الكوفيين، فمن ضبط لغيرهم جعل الألف بالحمراء».
وقال عند قوله: ماذا ترى (٥): «واختياري على قراءة حمزة والكسائي أن تكتب الياء مردودة إلى خلف لمن ضبط لهما، أو لأحدهما».
وقال عند قوله: إلّا قليل مّنهم (٦): «كتبوه في مصاحف الحجاز والعراق برفع اللام، وكتبوا في مصاحف أهل الشام: «إلا قليلا» بنصب اللام.
_________________
(١) انظر: مقدمة المؤلف في مختصر التبيين.
(٢) انظر: الآية ١٥١ البقرة.
(٣) من الآية ١١٠ يوسف.
(٤) من الآية ٩٧ الأنعام.
(٥) من الآية ١٠٢ الصافات.
(٦) من الآية ٦٥ النساء.
[ ١ / ٣٢١ ]
فهو كتاب كبير شامل، موسوعة علمية في موضوع هجاء المصاحف لا يستغني عنه طلاب العلم، لا سيما كتاب المصاحف منهم.
ثم إن المنهج الذي سار عليه أبو داود في كتابه التنزيل استغرق هجاء كل مصاحف الأمصار، ولا يكاد الذين ألفوا في علم هجاء المصاحف بعد أبي داود يخرجون عن هذا المنهج، بل قد يقصرون دونه في الاقتصار على حرف، كما صنع الخراز وغيره.
فكتاب: «التنزيل» من أقدم الكتب المؤلفة في علم هجاء المصاحف.
فالقرن الخامس هو الذي ظهرت فيه أشهر مؤلفات هجاء المصاحف، وإن كانت بدايته ترجع إلى ما قبل ذلك.
فيعد كتاب مختصر التبيين لهجاء التنزيل من الكتب المتقدمة، ولم يؤلّف قبله إلا رجال معدودون، وتعد كتبهم مفقودة لم تصل إلينا، وإن ظهرت يوما ما فهي دونه، وهذا واضح من النقول عنها، والاقتباس منها؛ ككتاب حكم وكتاب عطاء وكتاب هجاء السنة للغازي بن قيس وكتاب نصير بن يوسف النحوي وكتاب أبي عمر الطلمنكي وابن الأنباري وابن أشتة وأبي عمرو الداني، كما هو واضح في كتابه المقنع وكتاب النقط.
ومما يدل على أهميته وقيمته العلمية قراءته على مؤلفه وروايته. ولقد استفاد منه العلماء، ورجعوا إليه عند الاختلاف، فهو الحجة في هذا الباب. ولما كان كذلك فقد اشتهر كتابه، وشاع ذكره، وعظم النفع به في سائر الأقطار، فاقتبسوا من نصوصه، واستشهدوا به، ونقلوا منه.
[ ١ / ٣٢٢ ]
وقد نظمه غير واحد من علماء الرسم، كأبي الحسن البلنسي في كتابه المنصف، وأبو إسحاق التجيبي في هجاء المصاحف، والخراز في نظمه مورد الظمآن (١). وكذا نظمه الشيخ المحقق أبو عبد الله محمد بن سليمان موسى القيسي في نظمه المسمى: «الميمونة الفريدة (٢)»، ونظمه ميمون الفخار في نظمه المسمى: «الدرة الجلية (٣)»، وكذا نظمه الأستاذ المحقق محمد بن سعيد بن عمارة البينوني (٤)، وغيرهم.
فضلا عن النقول الواسعة، والاقتباسات الكثيرة في شروح مورد الظمآن لا يخلو كتاب من كتب الرسم التي ألفت بعده من النقل عنه، والاقتباس منه، والاستشهاد به. بل عده بعضهم حجة، ثم إن مؤلفه أبا داود سلك فيه طريقة المفسرين، فاستوعب مسائل الرسم وحروفه استيعابا لا نظير له عند غيره، ولم يكتف بجمع النظير إلى نظيره، بل أعاد ذكره في موضعه مما يسهل الأخذ منه، والنظر في موضع الحرف من السورة، دون الرجوع إلى ما تقدم.
فكان محل اهتمام العلماء وتقديرهم، فنص نساخ المصاحف في آخر كل مصحف على اعتماده، وتقديمه على غيره، وترجيح مذهبه على مذهب أبي عمرو الداني عند الاختلاف.
ثم إن مؤلف هذا الكتاب إمام عظيم مشهور بين العلماء، مشهود له
_________________
(١) راجع مبحث المؤلفات في الرسم.
(٢) تقدم الكلام عليها في إثبات نسبة الكتاب.
(٣) تقدم الكلام عليها في إثبات نسبة الكتاب.
(٤) توجد منها نسخة في مكتبة الملك عبد العزيز مجموع سيدنا عثمان رقم ٢٩٢ (خ).
[ ١ / ٣٢٣ ]
بالفضل والعلم والدين، وكتابه إمام كتب هجاء المصاحف وإعرابها بالنقط، فكلاهما وصف بالإمام.
ومن أهميته أيضا أن بعض اللغويين والنحويين- فضلا عن القراء- يتخذون رسم المصحف من وسائل الترجيح، والاحتجاج به في اللغة والإعراب والصرف. ويظهر ذلك جليا عند سيبويه وأبي إسحاق الزجاج وابن خالويه وابن جني وأبي جعفر الطبري ومكي وأبي عمرو الداني والمؤلف أبي داود وجمهور كثير من المفسرين (١) فتجاوزت أهمية الرسم المصاحف إلى اللغة العربية إعرابا، وصرفا، واشتقاقا.
لذلك يذكر أن أكثر الصحابة ومن وافقهم من التابعين وأتباعهم يوافقون رسم المصحف في كل ما كتبوه، ولو لم يكن قرآنا، ولا حديثا، ويكرهون خلافه (٢).
فجاء وصف هجاء رسم المصاحف في مختصر التبيين وصفا دقيقا جليا.
ذكر النحويون علم الخط في كتب النحو لضرورة ما يحتاج إليه، ولأن كثيرا من الكتابة مبني على أصول نحوية، ففي بيانها بيان لتلك الأصول ككتابة الهمزة على نحو ما يسهل به، وهو باب من النحو كبير (٣). بل إن كثيرا من مسائل النحو تستفاد من الخط، ويتجلى ذلك في نحو قوله تعالى: أبناءنا فعدم تصوير صورة للهمزة دليل على أنها منصوبة، وقوله تعالى: أبناؤكم فتصوير الهمزة على الواو دليل على أنها مضمومة، وقوله تعالى: أبنائكم فتصوير الهمزة ياء دليل على أنها مكسورة. فالرسم هنا استغني به عن النحو والشكل.
_________________
(١) انظر: رسم المصحف للدكتور عبد الفتاح شلبي ٥٧.
(٢) انظر: المطالع النصرية ٢٧.
(٣) انظر: همع الهوامع شرح جمع الجوامع للسيوطي ٦/ ٣٤١.
[ ١ / ٣٢٤ ]