أحمد الله وأشكره، وأستعينه، وأستغفره، وأومن به، وأتوكل عليه، وأثني عليه ثناء لا أحصيه، فهو المستحق للحمد بما أنعم وتفضل، ومن إنعامه وإفضاله أن وفقنا لإتمام هذا البحث وإنجازه، والفضل لله وحده ثم لمؤلفه ﵀.
وليس لي في هذه الرسالة إلا الجمع والترتيب والاستنتاج وإحياء هذا العلم الذي قل أهله وكاد يندرس.
وبعد هذا الجهد المتواضع أستطيع أن أضع عددا من النتائج والثمرات، فإن وفقت فبتوفيق الله وتسديده، وإن كانت الأخرى فحسبي أنني بذلت وسعي، واجتهدت وما قصرت، وأستغفر الله من الزلل والخطأ.
من ثمرات هذا البحث بيان الحالة السياسية والاجتماعية التي عاش في ظلها الإمام أبو داود سليمان بن نجاح، فبينت الحياة العلمية والنشاط الفكري في بلاد الأندلس عموما، ومدينة دانية وبلنسية موطن أبي داود خصوصا، ولم أجار في هذا غيري تجنبا للتكرار ومنعا للتقليد والمحاكاة.
ثم بينت شغف طائفة من علماء الأندلس برسم المصاحف وإعرابها بالنقط والشكل. بل ثبت لديّ أن بعض نساء أهل الأندلس لم يعد من هذه الصنعة، فتفوقن في رسم المصاحف وإعرابها بالنقط والشكل.
[ ١ / ٣٩٧ ]
لا أعرف أحدا درس حياة المؤلف أبي داود سليمان بن نجاح ومكانته العلمية وآثاره، فكان جديرا بالتعريف به وبمؤلفاته، ومدى اهتمام العلماء به، وبكتابه «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» فالسكوت المطبق ضرب عليه وعلى مؤلفاته.
وإن من نتائج هذا البحث أن أبرزت كثيرا من جوانب هذا الإمام، وحسب علمي واطلاعي أن الإمام أبا داود لا يقل أهمية عن أبي عمرو الداني، ومكي بن أبي طالب، إن لم يكن متفوقا عليهما بشهادة علماء أجلاء كما وضحته في موضعه، بل إنه في كتابه هذا، وفي موضوعه يبدو لي جليا أنه مقدم عليهما، إذ عارض شيخه الداني، وأعلن مخالفته له في كثير من المواضع كما بيّنته في هذه الرسالة.
ثم كشفت عن بعض مؤلفات أبي داود التي لم تعرف عند الناس ولم تذكرها المصادر والمراجع، فذكرت ما أورده الذهبي، وأضفت إليه ما وفقني الله تعالى لمعرفته والوقوف عليه من خلال الاستقراء، وتتبع النقول والإحالات. فتعد هذه الدراسة بكرا، فلله الحمد والمنة.
ومن ثمرات هذا البحث- بعون الله وتوفيقه- أنني استطعت أن أحقق إثبات اسم الكتاب، وإثبات نسبة الاختصار إليه بعد جهد مضن.
ورفعت الوهم الذي كان يمكن أن يقع فيه من لم يتبين موضوع الكتاب، ويعش معه زمانا طويلا، وبينت أن الاختصار الذي وسم به يختلف عن الاختصار المعروف عند الناس، وأن المراد به فصل هجاء المصاحف عما تضمنه الكتاب الكبير المسمّى ب «التبيين لهجاء التنزيل».
[ ١ / ٣٩٨ ]
فالكتاب «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» موسوعة علمية مطولة في هجاء المصاحف، وإعرابها بالنقط، وكيفية ذلك.
فالمؤلف غفر الله لنا وله لم يحذف من مسائل الرّسم شيئا البتة بل جاء فيه التكرار والاستيعاب.
وظهر لي أن كتاب «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» أحد أركان هذا العلم، بل هو الركن الأول الذي جرى عليه رسم المصاحف وإعرابها بالنقط، فاعتمد عليه نساخ المصاحف، واللجان العلمية لمراجعة المصاحف، وتصحيحها، ورجحوه على بقية الكتب، واعتمدوه كما هو مدون في التعريف في خاتمة المصاحف، وأنه احتوى على هجاء جميع مصاحف الأمصار: المصحف الإمام، والمصحف المدني، والمصحف المكي، والمصحف الشامي، والمصحف البصري، والمصحف الكوفي، فعلى جميع الرسوم اشتمل.
ومن نتائج هذا البحث وثمراته، أنني بينت كيف ظهر علم هجاء المصاحف علما مستقلا، فتناولت نشأته وتطور التأليف فيه، وبينت المراحل التي مرّ بها، وهي: المصاحف
ثم الرواية ثم التدوين.
ثم تعرضت لأقوال العلماء في وجوب اتباع الرسم العثماني وبينت الخطأ الجسيم الذي وقع فيه كل من نادى بتغيير الرسم العثماني إلى الرسم القياسي، وهو خطأ استوجبه جهلهم بالصلة الواضحة بين الرسم القرآني وبين قراءات القرآن وأصواته وأدائه.
ثم حاولت بيان فصاحة الرسم وبلاغته، في بعض الحروف التي ظهر
[ ١ / ٣٩٩ ]
لي فيها ذلك جليا، وهو مبحث نفيس، ولا أزال أتتبع ذلك إلى أن يكتمل إن شاء الله.
ودحضت بعض شبهات المتأخرين في مناداتهم بالرسم القياسي، وهي مبنية على جهل بعلاقته التي لا تنفصم عن القراءات وأصواتها وجهل بعلاقته التي لا تنفصم عن اللغة العربية وخصائصها.
وثبت لديّ أن الرسم العثماني ليس غريبا على لغة العرب، فكما أن الرسم العثماني اشتمل على حروف زائدة، فكذلك اللغة العربية اشتملت على حروف زائدة. وكما أن الرسم العثماني اشتمل على حروف محذوفة، فكذلك اللغة العربية اشتملت على حروف محذوفة. فوافق الرسم العثماني لغة العرب، وطابق فصاحة القرآن الكريم وبلاغته، بل ظهر لي في بعض الحروف أنه أفصح وأبلغ، كما بينته في موضعه.
وحينئذ، لا وجه للعجب والاستغراب، ولا جفوة ولا قطيعة بين الرسم واللغة العربية.
ومن أهم نتائج هذا البحث وثمراته بيان أن هذه التجزئة والأحزاب في المصاحف وضعت في غير مواضعها، وأن القطع عليها غير تام، وليست بمحل للقطع، وأن هذه التجزئة بالحروف محدثة، وأن التقدير بالآيات والسور أحسن وأولى، وأن يكون برعاية تمام المعنى وكمال القصة أتم وأكمل، وأن ختم القرآن على نمط تجزئة الحروف في ليلة السابع والعشرين من رمضان، ليوافق ليلة القدر، كما درج عليه أهل المغرب والأندلس لا يوافق السنة.
[ ١ / ٤٠٠ ]
ومن ثمرات هذا البحث أنني ناقشت ما جرى به العمل في رسم بعض الحروف في بعض المصاحف، وهي مخالفة لأئمة هذا العلم، والمتقدمين منهم، فلا ينبغي إثبات الألف فيها رعاية للقراءة.
وبينت فساد التقسيم الذي وضعه المتأخرون في رسم مصاحف أهل المغرب، ومصاحف أهل المشرق، فهذا التقسيم يجب أن يمحى ويزول العمل به، إلا إذا ثبت أصل الخلاف في مصاحف الأمصار ولم يتبين وجه الترجيح، ولم تظهر فائدته، فهذا لا بأس به.
ومن ثمرات هذا البحث ونتائجه، أنني أبرزت بعض الحروف التي سكت عنها المؤلف، وبينت وجهة نظري فيه مدعومة بأدلة ونصوص يجب إلحاقها بنظائرها.
ولم يكن سكوت المؤلف عنها إلا من قبيل السهو والنسيان، فجل وعلا من لا يسهو، فلا ينبغي استثناؤها لأبي داود لمجرد سكوته عنها.
فاستدركت حروفا كثيرة على لجان تصحيح المصاحف، قلّدوا فيها غيرهم، ولم يرجعوا فيها إلى كتب الفن، فوقعوا فيما وقع فيه غيرهم.
إن مصادر هذا الفن كلها أو معظمها، لا تزال مخطوطة، فكان من ثمرات هذا البحث أنني أخرجت كتابا منها، بل أخرجت كتابا من أوثقها وأوسعها وأجمعها. إلى جانب ذلك ذكرت بعض المخطوطات التي استعملتها مصادر ومراجع لهذا الفن، والتي لم تعرف، ولم يكتب لها الذيوع والانتشار، وبخاصة لدى علماء المشرق.
[ ١ / ٤٠١ ]
ومن ثمرات هذا البحث أنني أكملت العمل الذي كنت بدأت به في رسالتي الأولى: «تحقيق ودراسة لكتاب الطراز في شرح ضبط الخرّاز» للإمام التنسي، والذي كان موضوعه إعراب المصحف بالنقط والشكل، وهو ما أضافه التابعون على رسم الصحابة ﵃.
فكانت هذه الرسالة تكمل الأولى، فتناولت فيها رسم الصحابة، وحينئذ يكتمل موضوع كتابة المصاحف من حيث رسم حروفه وهجاؤه، ومن حيث إعرابه بالنقط والشكل وكيفية ذلك.
وكلا الكتابين اعتمد عليه نساخ المصاحف، والحمد لله على التمام والكمال.
***
[ ١ / ٤٠٢ ]