ينسب أبو داود سليمان بن نجاح إلى هشام المؤيد بالله بن الحكم، فيقال: المؤيدي أو مولى المؤيد بالله، لأنه أعتق أباه نجاحا.
فعاش المؤلف فترة من حياته في ظل هذا الأمير، والفترة الأخرى في ظل ملوك الطوائف.
واتسمت الحياة السياسية في هذه الفترة بسمات مميزة، فقد وهن نظام الحكم الأموي، وتضاءل نفوذ خلفائه، وأعقب ذلك سقوط الدولة الأموية في الأندلس وظهرت بعدها دويلات وجماعات.
عند ما ورث هشام بن الحكم المؤيد بالله سنة ٣٦٦ هـ الحكم أخذت الأمور تتدهور في البلاد، فكانت بداية الفتن والفساد، وذلك لأنه بويع، وهو صغير لم يبلغ الحلم بعد (١).
فاستطاع محمد بن عبد الله بن أبي عامر (٢) الذي كان قد وصل إلى مرتبة الوزارة في آخر أيام الحكم (٣)، أن يقفز إلى الحكم، ويستبد بالأمر، واستقل بالأمر، وكان
ذا عقل ورأي وشجاعة وبصر بالحروب والجهاد والفتوحات، فتغلب على هشام وحجره، واستولى على الدولة،
_________________
(١) انظر: جذوة المقتبس ١٧، بغية الملتمس ٢١، أعمال الأعلام ٤٣، تاريخ ابن خلدون ٤/ ١٤٧، نفح الطيب ١/ ٣٩٦، المعجب ١٤.
(٢) انظر ترجمته: أعمال الأعلام ٥٩، تاريخ ابن خلدون ٤/ ١٤٧، البيان ٢/ ٢٥٦.
(٣) الحكم بن عبد الرحمن المستنصر بالله كان عالما فقيها بالمذاهب، إماما في معرفة الأنساب، حافظا للتاريخ، جماعا للكتب، مميزا للرجال. انظر: جذوة المقتبس ١٣، بغية الملتمس ١٨، أعمال الأعلام ٤١.
[ ١ / ٢٥ ]
وملأ القلوب مهابة وخوفا، ولم يخرج إلى جهاد إلا عاد منتصرا.
وقدّم رجال البربر وزناتة (١)، وأخّر رجال العرب، وأسقطهم من مراتبهم وتسمى بالحاجب المنصور، ونفذ الكتب والمخاطبات والأوامر باسمه، ومحا رسم الخلافة بالجملة، ولم يبق لهشام المؤيد بالله من رسوم الخلافة أكثر من الدعاء على المنابر.
ولما توفي المنصور بن أبي عامر عام ٣٩٢ هـ خلفه ابنه الملقب بالمظفر، أبو مروان عبد الملك، فجرى على سنن أبيه في السياسة والغزو، وكانت أيامه أعيادا دامت سبع سنين في خير وخصب وعز إلى أن مات في صفر ٣٩٩ هـ (٢).
وقام بتدبير دولة هشام المؤيد بالله أخو المظفر عبد الرحمن، وتلقب بالناصر لدين الله المعروف ب: (شنجول (٣». وجرى على سنن أبيه وأخيه في الحجر على الخليفة هشام المؤيد بالله، فانخرم النظام وشرع الفساد، وتمرد وفسق، واستقل بالملك. ثم عنّ له أن يستأثر بما بقي من رسوم الخلافة، فطلب من هشام المؤيد بالله أن يوليه عهده (٤)، فأجابه هشام مكرها، وأحضر لذلك الملأ من أرباب الشورى وأهل الحل والعقد، وكان
_________________
(١) قبيلة من قبائل البربر. انظر: تاريخ ابن خلدون ٧/ ٢.
(٢) انظر: أعمال الأعلام ٨٣، البيان ٣/ ١٥، نفح الطيب ١/ ٤٢٣.
(٣) وهو لقب لقبته به أمه عبدة بنت «شانجة» النصراني تذكرا منها لاسم أبيها، فكانت تدعوه في صغره ب: «شنجول». انظر: البيان المغرب ٣/ ٣٨.
(٤) انظر: تاريخ ابن خلدون ٤/ ١٤٨، نفح الطيب ١/ ٤٢٤.
[ ١ / ٢٦ ]
يوما مشهودا، فكتب عهده (١) فنقم عليه أهل الدولة، وكره ذلك الأمويون والقرشيون، وغصوا بالأمر، وأجمعوا أمرهم، فوثبوا عليه، فقتلوه وخلعوا هشاما المؤيد بالله سنة ٣٩٩ هـ. وبايعوا محمد بن هشام بن عبد الجبار بن أمير المؤمنين الناصر لدين الله من أعقاب الخلفاء، ولقبوه بالمهدي بالله، وذهبت الدولة العامرية كأن لم تكن (٢).
وكان محمد بن هشام قد نقم على البربر، وأظهر كراهيتهم، فكان يذمهم في مجالسه، لأنهم ظاهروا المنصور بن أبي عامر، وأصبحوا شيعة لبنيه من بعده، فأمر محمد بن هشام ألا يركبوا، ولا يتسلحوا.
ولما رأى البربر ما دهاهم من محمد بن هشام، انضموا إلى هشام بن سليمان الناصر لدين الله، وسموه الرشيد فزحفوا معه على قرطبة، وحاصروا فيها محمد بن هشام، فكانت الكرة لمحمد بن هشام، وقبضوا على هشام بن سليمان وأخيه، فضربت أعناقهما.
فأقام البربر سليمان بن الحكم بن سليمان بن الناصر لدين الله، فبايعوه، وسموه المستعين بالله (٣) فقدم بهم قرطبة، فبرز إليهم محمد ابن هشام، فكانت الهزيمة عليه وهلك من خيار الناس وأئمة المساجد ومؤذنيها خلق كثير. وقتل بعض العبيد محمد بن هشام في وقعة أخرى
_________________
(١) انظر: نص كتابة العهد في أعمال الأعلام ٨٨.
(٢) انظر: جذوة المقتبس ١٨، بغية الملتمس ٢٢، أعمال الأعلام ١٠٩، البيان ٣/ ٣٤، نفح الطيب ١/ ٤٢٨، المعجب ٢٢.
(٣) انظر: جذوة المقتبس ١٩، بغية الملتمس ٢٤، أعمال الأعلام ١١٤، المعجب ٢٣، البيان ٣/ ٩١، تاريخ ابن خلدون ٤/ ١٥٠، نفح الطيب ١/ ٤٢٨.
[ ١ / ٢٧ ]
فرجعت الخلافة إلى هشام بن الحكم المؤيد بالله، وجلس للناس وجددت له البيعة.
ثم دخل المستعين بالله سليمان بن الحكم قرطبة عنوة سنة ٤٠٣ هـ، فتنازل هشام عن الخلافة، وسلم الأمر للمستعين بالله.
واستمر المستعين بالله على ولاية قرطبة حتى قتله علي بن حمود يوم الأحد لتسع بقين من المحرم سنة ٤٠٧ هـ (١). وبقتل المستعين بالله انتهت دولة بني أمية من الأندلس، وآل الأمر إلى أناس آخرين، كل واحد استقل بإقليم وادعى الولاية له، وتلقب بألقاب الخلافة، وهو ما يعرف بعصر ملوك الطوائف. (٢) ومن أهمها:
١ - دولة بني زيري بغرناطة، أقامها البربر سنة ٤٠٣ هـ وسقطت سنة ٤٨٣ هـ.
٢ - الدولة الحمودية بقرطبة ومالقة والجزيرة الخضراء، وقد أقامها بنو حمّود الشيعة في عهد المستعين بالله الأموي، وسقطت سنة ٤٥٠ هـ.
٣ - الدولة الهودية بسرقسطة، أقامها بنو هود من العرب سنة ٤٣٠ هـ، وسقطت سنة ٥٣٦ هـ، وقد قامت على انقاض دويلة بني تجيب، التي قامت سنة ٤٠٨ هـ.
٤ - الدولة العامرية، أقامها موالي بني عامر ببلنسية سنة ٤١٢ هـ بعدها بعام ولد أبو داود، وسقطت سنة ٤٧٨ هـ.
_________________
(١) انظر: أعمال الأعلام ١٢١.
(٢) انظر: المعجب ٤٠.
[ ١ / ٢٨ ]
٥ - الدولة العبادية، أقامها بنو عباد بإشبيلية سنة ٤١٤ هـ وهم من أسرة عربية من لخم من ولد النعمان بن المنذر. وقد سقطت سنة ٤٨٤ هـ (١).
٦ - دولة بني صمادح، وهم من البربر، أقاموا دولتهم بالمرية قبل سنة ٤٢٠ هـ، وسقطت سنة ٤٨٤ هـ.
٧ - دولة بني الأفطس، قامت ببطليوس سنة ٤٢٢ هـ وسقطت سنة ٤٨٧ هـ.
٨ - دولة بني جهور، قامت بقرطبة، بعد سقوط الخلافة الأموية سنة ٤٢٢ هـ، وسقطت في أيدي بني عبّاد سنة ٤٦١ هـ.
٩ - دولة بني ذي النون، أقامتها بطليطلة قبيلة بربرية من هوّارة سنة ٤٢٧ هـ، واضمحلت بنكبة سقوطها في يد ألفونس السادس قائد القشتاليين سنة ٤٧٨ هـ (٢).
وسوف أتكلم عن البلدان التي استوطنها أبو داود، وقرأ وأقرأ بها وهي دانية، وبلنسية.
أولا: دانية: كان لدانية شأن في زمن عبد الرحمن الأول الأموي، ولكن تعاظم شأنها في أيام ملوك الطوائف بعد سقوط الخلافة؛ إذ جاءها مجاهد العامري مولى عبد الرحمن بن المنصور أبو الجيش الموفق، فاستولى على دانية والجزائر الشرقية، في أول الفتنة التي حصلت بقرطبة، وتسمى بالموفق.
_________________
(١) انظر التفاصيل: أعمال الأعلام ١١٤، البيان المغرب ٣/ ١٥٣، تاريخ ابن خلدون ٤/ ١٥٢.
(٢) انظر: نفح الطيب ١/ ٤٣٨، دول الطوائف ٣.
[ ١ / ٢٩ ]
وبعد وفاته عام ٤٣٦ هـ خلفه ابنه علي بن مجاهد، واستمر في حكمها حتى غلبه عليها أحمد بن سليمان بن هود، والي سرقسطة.
ودامت ولاية ابن هود عليها حتى سقطت بأيدي قوات المرابطين حين دخولهم الأندلس عام أربعة وثمانين وأربعمائة (١).
ثانيا: إمارة بلنسية: في عهد الطوائف في عصر المؤلف أبي داود أصبحت بلنسية في بداية القرن الخامس الهجري مملكة مستقلة شأن العديد من مدن الأندلس، توالى على حكمها عدد من الأمراء، ثم تسلط عليها القشتاليون إلى أن استعادها المرابطون.
يبدأ هذا العهد بإعلان الفتيان أو المماليك العامرية استقلالهم بحكم بلنسية على يد مجاهد العامري حول سنة ٤٠١ هـ، وأعقبه مبارك ومظفر العامريان سنة ٤٠٥ هـ اللذان تلقبا بلقب الإمارة، واستقلا بشئونهما عن قرطبة. استمر الفتيان العامريان بحكم بلنسية من سنة ٤٠٥ هـ إلى سنة ٤٠٨ هـ، فاهتمّا بها، وبنيا سورا على بلنسية وحصناها، مما لفت أنظار الناس إليها، فلحق بها عريف كل صنعة، وجلبت إليها كل ذخيرة، ورحل الناس إليها من كل قطر، وما زالت حالتها على الاستقرار والهدوء حتى مات مبارك، ثم تلاه مظفر (٢).
فاتفق أهل بلنسية على تقديم لبيب الصّقلبيّ من سنة ٤٠٨ إلى ٤١١ هـ
_________________
(١) انظر: البيان المغرب ٣/ ١٥٥، المعجب ٧٤، بغية الملتمس ٤٧٢، الحلل ٣/ ٢٩٥، دول الطوائف ١٨٧.
(٢) انظر: البيان ٣/ ١٥٨، دول الطوائف ١٥٦، الحياة العلمية ١٢٢.
[ ١ / ٣٠ ]
فأحدث فيهم أحداثا كثيرة فخلعوه (١).
ثم آلت تلك النواحي إلى سيطرة عبد العزيز بن عبد الرحمن بن أبي عامر الذي تلقب بالمنصور، واستمرت إمارته من سنة ٤١٧ هـ إلى سنة ٤٥٢ هـ (٢).
فخلفه ابنه عبد الملك بن عبد العزيز بن أبي عامر الملقب بالمظفر، واستمرت ولايته من سنة ٤٥٢ إلى سنة ٤٥٧ هـ، ثم لم تلبث بلنسية أن أصبحت جزءا من مملكة طليطلة سنة ٤٥٧ هـ تحت زعامة المأمون يحيى ابن ذي النون من سنة ٤٥٧ هـ إلى سنة ٤٦٧ هـ.
ثم استعادت استقلالها على يدي أبي بكر أحمد بن أبي عبد الله محمد «ابن روبش» ابن عبد العزيز عام ٤٦٧ هـ، واستمرت إلى سنة ٤٧٨ هـ، فتولى أمرها أبو عمرو عثمان بن أبي بكر أحمد بن محمد ابن عبد العزيز في صفر عام ٤٧٨ هـ إلى شوال منه.
ثم تولى القادر بن ذي النون من سنة ٤٧٨ إلى سنة ٤٨٥ هـ، وحينئذ بدأ النفوذ القشتالي غير المباشر في بلنسية، وينتهي بثورة أهل بالنسية على القادر وقتله في سنة ٤٨٥ هـ (٣).
ثم تولى أبو أحمد بن جعفر بن عبد الله بن حجاف المعافري سنة ٤٨٥ هـ وانتهت إمارة بلنسة في سنة ٤٨٧ هـ.
_________________
(١) انظر: البيان ٣/ ١٦٣.
(٢) انظر: البيان ٣/ ١٦٥.
(٣) انظر: البيان المغرب ٣/ ٢٣٦، تاريخ ابن خلدون ٤/ ١٦٠.
[ ١ / ٣١ ]
ثم يبدأ النفوذ القشتالي المباشر في بلنسية في نهاية جمادى الأولى ٤٨٧ هـ عند ما دخلها القمبيطور (١) وجنوده في إثر انعقاد صلح بينه وبين أهل بلنسية، بعد حصار طويل.
وينتهي النفوذ القشتالي في ١٥ رجب ٤٩٥ هـ باستعادة المرابطين لبلنسية وتعميرها.
شهدت هذه المدة (٤٧٨ - ٤٩٥ هـ) أحداثا جساما وأهوالا لا يمكن تصورها من القتل والتحريق والتخريب والحصار أصاب أهل بلنسية منها بلاء عظيم (٢).