وقد ظلت المصاحف الأمهات المادة الأولى إلى جانب روايات الأئمة للتأليف في الرسم، فكان العلماء يحملون روايات الرسم ويضيفون إليها ما رأوه في مصاحف أهل بلدهم، أو ربما صححوا بعض الروايات على ما جاء في المصاحف العتق القديمة فيعاضدون الرواية بما تأملوه في المصاحف العتيقة، وقد لاحظت ذلك عند عاصم الجحدري (ت ١٢٨ هـ) ويحيى بن الحارث الذماري (ت ١٤٥ هـ) وأبي عبيد القاسم (ت ٢٢٤ هـ)، وأبي حاتم سهل بن محمد (ت ٢٥٥ هـ) وأبي عمرو الداني (ت ٤٤٤ هـ) (١) وأبي داود سليمان بن نجاح (ت ٤٩٦ هـ) وغيرهم (٢). فكان هؤلاء إذا عدموا الرواية أو وجدوا خلافا رجعوا إلى المصاحف الأمهات المظنون بها الصحة.
_________________
(١) انظر: المقنع للداني ١٥، ١٦، ٨٨، ٦٦.
(٢) انظر: مختصر التبيين في قوله: اجتباه ١٢١ النحل.
[ ١ / ١٥١ ]
وخير من يمثل هذا الاتجاه أبو عمرو الداني في كتابه «المقنع» وأبو داود في كتابه: «مختصر التبيين». قال الداني: «وتأملت مصاحف أهل العراق» وقال: «تتبعت مصاحف أهل المدينة والعراق العتق القديمة».
بل ذكر أنه تتبع المصاحف كلها، فقال: «في المصاحف كلها الجدد والعتق» وقال: «تتبعت ذلك في المصاحف فوجدته على ما أثبته» (١).
ويشير الداني إلى تتبعه بعض الحركات في المصاحف العتيقة، فيقول:
إنه رأى مصحفا جامعا عتيقا، كتب في أول خلافة هشام بن عبد الملك سنة عشر ومائة، كان تاريخه في آخره (٢).
ويقول أيضا: «ورأيت في مصحف كتبه ونقطه حكم بن عمران الناقط ناقط أهل الأندلس في سنة ٢٢٧ هـ، الحركات نقطا بالحمراء» (٣).
وكذلك أبو داود كان يتتبع بعض الحروف في المصاحف القديمة عند ما يفقد الرواية يتأمل المصاحف، فقال: «تأملتها في المصاحف القديمة» ذكر ذلك عند قوله تعالى: اجتبه (٤)، فالشيخان حجة في هجاء المصاحف.
قال حسين علي الرجراجي (ت ٨٩٩ هـ): «وإنما الحجة بالمصاحف القديمة التي كتبها الصحابة ﵃ وهي التي اطلع عليها أبو عمرو الداني وأبو داود، وغيرهما من الشيوخ المقتدى بهم في هذا الشأن» (٥).
_________________
(١) انظر: المقنع ١٤، ١٩، ٢٢، ٢٣، ٨٠.
(٢) انظر: المحكم ٨٧.
(٣) انظر: المصدر نفسه.
(٤) من الآية ١٢١ النحل.
(٥) انظر: تنبيه العطشان ورقة ١٤٦.
[ ١ / ١٥٢ ]
وقد لاحظت أن من أكثر علماء الرسم رجوعا إلى المصاحف العتق المظنون بها متابعة المصاحف العثمانية علم الدين السخاوي (ت ٦٤٣ هـ)، فيؤكد روايته للرسم برؤيته وتأملاته للمصاحف القديمة العتيقة.
روى أبو عمرو الداني بسنده عن أبي الدرداء أن الباء زيدت في الموضعين في قوله تعالى: والزّبر والكتاب المنير (١).
وذكر عن الأخفش هارون بن موسى (ت ٢٩٢ هـ) في كتابه أن الباء زيدت في الإمام الذي وجه به إلى الشام: وبالزبر وحدها، قال الداني: «والأول عندي أثبت، لأنه عن أبي الدرداء» (٢).
قال علم الدين السخاوي: «والذي قاله الأخفش هو الصحيح إن شاء الله، لأني كذلك رأيته في مصحف أهل الشام عتيق يغلب على الظن أنه مصحف عثمان، أو هو منقول منه» ثم قال: «وقد كشفته، وتتبعت الرسم الذي اختص به مصحف الشام، فوجدته كله فيه» (٣).
بل إن السخاوي أنكر على من لم يتأمل المصاحف، ويتساهل في إطلاق إجماع المصاحف على حرف ما.
فذكر الداني والشاطبي وأبو داود أن قوله تعالى: فخراج ربّك (٤) في جميع المصاحف بالألف (٥).
_________________
(١) من الآية ١٨٤ آل عمران.
(٢) انظر: المقنع للداني ١٠٢.
(٣) انظر: الوسيلة ورقة ٢٧.
(٤) من الآية ٧٢ المؤمنون.
(٥) انظر: المقنع ٩٦، تلخيص الفوائد لأبي البقاء ٣٣.
[ ١ / ١٥٣ ]
قال علم الدين السخاوي: «وقد رأيت أنا في المصحف العتيق الشامي الذي ذكرته فيما تقدم: «فخرج بغير ألف، ولقد كنت قبل ذلك أعجب من ابن عامر، كيف تكون الألف ثابتة في مصحفهم، ويسقطها في قراءته، حتى رأيتها في هذا المصحف، فعلمت أن إطلاق القول بأنها في جميع المصاحف بألف ليس بجيد، ولا ينبغي لمن لم يطلع على جميعها دعوى ذلك» (١).
بل إنه توسع في الرجوع إلى المصاحف، وشملت تأملاته ورؤيته المصاحف المكية والمدنية والعراقية والمصحف الإمام، ولم يقتصر على المصحف الشامي (٢).
فالإمام السخاوي وغيره، لا يكتفى برواية الرسم، وما تلقاه من شيوخه بالرواية، بل يؤكد ذلك برؤيته ومشاهدته للمصحف الإمام العتيق.
وأحيانا يتأمل المصاحف ولا يقتصر على البعض كما نص على ذلك بقوله: «فإني قد كشفت جملة من المصاحف» (٣) ومن ذلك مثلا أن أبا عمرو الداني ذكر أن الألف مرسومة بعد الواو في قوله تعالى:
سبع سموات (٤).
قال علم الدين السخاوي: «وهذا الذي ذكره أبو عمرو الداني فيه نظر، فإني كشفت المصاحف القديمة التي يوثق برسمها وتشهد الحال بصرف
_________________
(١) انظر: الوسيلة ورقة ٣٦.
(٢) انظر: الوسيلة ٤٦، ٤٧، ٤٩، ٥١، ٥٩.
(٣) انظر: الوسيلة ورقة ٧٤.
(٤) من الآية ١١ فصلت، المقنع ص ١٩.
[ ١ / ١٥٤ ]
العناية إليها، فإذا هم قد حذفوا فيها الألفين من: سموت في فصلت كسائر السور، وكذلك رأيتها في المصحف الشامي » (١).
وهذا المصحف الذي ينقل منه الإمام السخاوي ذكره الإمام أبو شامة الدمشقي (ت ٦٦٥ هـ) أنه رآه، فقال: «وكذا رأيته أنا في مصحف عندنا بدمشق، هو الآن بجامعها بمشهد علي بن الحسين، يغلب على الظن أنه المصحف الذي وجهه عثمان ﵁ إلى الشام، ورأيته كذلك في غيره من مصاحف الشام العتيقة» (٢) وكذا رآه الحافظ ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) وحدد مكانه، فقال: «وأما المصاحف العثمانية، فأشهرها اليوم الذي في الشام بجامع دمشق عند الركن شرقي المقصورة المعمورة بذكر الله، وقد كان قديما بمدينة طبرية، ثم نقل منها إلى دمشق في حدود ثماني عشرة وخمسمائة، وقد رأيته كتابا عزيزا جليلا عظيما ضخما، بخط حسن مبين قوي، بحبر محكم في رق أظنه من جلود الإبل، والله أعلم زاده الله تشريفا وتعظيما وتكريما» (٣).
وكذا ذكر الحافظ ابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ) أنه رآه وحدد مكانه، فقال:
«هو بالمشهد الشرقي الشمالي، الذي يقال له مشهد علي بالجامع الأموي من دمشق المحروسة، وأخبرنا شيوخنا الموثوق بهم، أن هذا المصحف كان أولا بالمسجد المعروف ب: «الكوشك» داخل دمشق الذي جدد عمارته
_________________
(١) انظر: الوسيلة ورقة ٤٥.
(٢) انظر: إبراز المعاني لأبي شامة ٤٠٦.
(٣) انظر: فضائل القرآن ٤٦.
[ ١ / ١٥٥ ]
الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي ﵀، وأن السخاوي ﵀ كان سبب مجيئه إلى هذا المكان من الجامع» (١)، وكذلك الحافظ ابن الجزري كان يتأمل بعض الحروف في المصاحف الأمهات فقال: «ثم رأيتها- يبنؤمّ (٢) - بالمصحف الكبير الشامي الكائن بمقصورة الجامع الأموي المعروف بالمصحف العثماني، ثم رأيتها بالمصحف الذي يقال له الإمام بالديار المصرية، وهو الموضوع بالمدرسة الفاضلية داخل القاهرة» (٣).
فهذه المصاحف حظيت بالرعاية والتقدير، ونسخ الناس عنها مصاحفهم، فالنظر في المصاحف، وتأمل هجاء حروفها هو أصل الرواية، لأن المصاحف سابقة على الرواية.
فالمصاحف الأمهات ظلت ولا تزال مصدرا لكتابة المصاحف ومصدرا للتأليف والتصنيف، فحفظت لنا وصفا دقيقا لهجاء الكلمات القرآنية عمليا في النسخ التي كتبت نقلا عن المصاحف العثمانية، ومطابقة لها، وعلميا برواية صفة تلك الهيئة الإملائية التي كتبت بها المصاحف العثمانية وصفا دقيقا، وهذا ما سيتجلى في المبحث الآتي.
_________________
(١) انظر: النشر لابن الجزري ١/ ٤٥٥.
(٢) من الآية ٩٢ طه.
(٣) انظر: النشر ١/ ٤٥٥، ٤٥٦.
[ ١ / ١٥٦ ]