وهو مذهب أئمة الأمة وعلمائها، وهم الجمهور، فقالوا: إن كتابة المصحف بالرسم العثماني أمر واجب، لا يجوز العدول عنه، وهؤلاء أهل القرون المفضلة ومن بعدهم.
واستدلوا بأن هذا الرسم كتب به كتاب الوحي بين يدي الرسول ﷺ، وعلى رأسهم زيد بن ثابت، وأقرهم على كتابتهم، وكان يملي على كتاب الوحي ويرشدهم في كتابته، واستدلوا بأنه ﷺ كان يضع لهم القواعد، من ذلك قوله لمعاوية ﵁: «ألق الدواة، وحرف القلم، وانصب الباء، وفرق السين، ولا تعور الميم، وحسن الله، ومدّ الرحمن الرحيم، وضع قلمك على أذنك اليسرى، فإنه أذكر لك» (١).
وقال الشيخ محمد طاهر الكردي: «فقد ورد عن زيد بن ثابت أنه قال: كنت أكتب الوحي عند رسول الله ﷺ، وهو يملي عليّ، فإذا فرغت، قال: اقرأه، فأقرؤه، فإن كان فيه سقط أقامه» (٢).
ثم استمرت كتابة القرآن على هذا النحو في عهد أبي بكر ﵁ ثم حذا حذوه عثمان بن عفان في خلافته، فاستنسخ تلك الصحف في مصاحف، وأقر الصحابة عمله.
_________________
(١) تقدم بيان ضعف هذا الأثر ص ٦١.
(٢) انظر: تاريخ القرآن وغرائب رسمه ص ٦١.
[ ١ / ٢٠٠ ]
ومن حكمة الله وتدبيره أن جعل زيد بن ثابت هو الكاتب في المرات الثلاث، مما يدل على أن الرسم الذي كتب به المصاحف في المرات الثلاث واحد، ولم يعلم في ذلك مخالف، ومضى على ذلك كتاب المصاحف في عهد التابعين وتابعيهم، ولم يفكر أحد أن يستبدل بالرسم العثماني رسما آخر من الرسوم التي حدثت في عهد ازدهار التأليف.
فالرسم قد فاز بإقرار النبي ﷺ، وإجماع الصحابة ﵃، ثم إجماع الأمة عليه بعد ذلك في عهد التابعين والأئمة المجتهدين (١).
ومن أشهر القائلين بهذا المذهب والمنتصرين له الشيخ عبد العزيز الدباغ (ت ١١٣٢ هـ)، فقد نقل عنه تلميذه أحمد بن المبارك (ت ١١٥٥ هـ) في كتاب الذهب الإبريز، فقال:
«ما للصحابة، ولا لغيرهم في رسم القرآن ولا شعرة واحدة، وإنما هو بتوقيف من النبي ﷺ، وهو الذي أمرهم أن يكتبوه على الهيئة المعروفة بزيادة الألف ونقصانها، لأسرار لا تهتدي إليها العقول».
ثم قال: «وهو سرّ من الأسرار خص الله به كتابه العزيز دون سائر الكتب السماوية». ثم قال: «وكما أن نظم القرآن معجز، فرسمه أيضا معجز» إلى أن قال: «وللقرآن أسرار، لا تستفاد إلا بهذا الرسم، فمن كتب بالرسم التوقيفي، فقد أداه بجميع أسراره، ومن كتبه بغير ذلك فقد أداه ناقصا، ويكون ما كتبه إنما هو من عند نفسه لا من عند الله» (٢).
_________________
(١) انظر: مناهل العرفان ١/ ٣٧٧.
(٢) انظر: كتاب الذهب الإبريز لابن المبارك ٥٥.
[ ١ / ٢٠١ ]
وهذا المذهب يجعل إعجاز القرآن متناولا لرسمه، فكما أن نظم القرآن معجز، فرسم القرآن معجز (١).
يرد على هذا المذهب أن الأخبار التي احتجوا بها ضعيفة، يضاف إلى ذلك أن النبي ﷺ كان أميا لا يقرأ ولا يكتب كما تقدم (٢).
ومن قال: إن إعجاز القرآن متناول لخطه فقوله لا يصحبه دليل. ثم إنه لم يرد عن المتقدمين القول بالتوقيف، وإنما ورد عنهم القول بوجوب اتباع الرسم العثماني، كما سيأتي في موضعه.
إلا أن الذي يحظى به هذا المذهب تقرير النبي ﷺ لكتاب الوحي على هذا الرسم، فظفر بالسنة التقريرية، وإجماع الصحابة ﵃، كما سيأتي في موضعه (٣).