لبيان اسم كتاب المؤلف أبي داود الذي نحن بصدد تحقيقه وإخراجه، يجب قبل كل شيء معرفة اسم الكتاب الأصلي الذي اختصر منه أبو داود هذا، لأن الفرع تابع للأصل.
فالأصل صرّح المؤلف في مقدمة كتابه المختصر باسمه، فقال:
«كتابي المسمى بالتبيين لهجاء مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁» (١) واتفقت على ذلك جميع النسخ في مقدماتها.
وسماه في موضع آخر، فقال: «وكان هو- الأخفش- السبب لتأليفي «كتاب التبيين لعلم التنزيل» ﵀» (٢).
فنص المؤلف على هذين العنوانين، والثاني هو أنسب وأكمل وأكثر مطابقة لموضوع الكتاب، لأنه اشتمل على موضوعات كثيرة، كالتفسير والشرح والأصول والقراءات والأحكام، والناسخ والمنسوخ، والوقف والابتداء، والحجج والردّ على الملحدين، والتوجيه والتعليل، إلا أن الذي أجمعت عليه النسخ هو الأول.
وكان يشير إليه: ب «الكتاب الكبير» في مواضع كثيرة في المختصر، وأشار إليه في موضع بقوله: «مما جاء مشروحا في كتابنا الكبير في الهجاء» (٣) فأضاف هنا: «الهجاء» تمييزا له عن كتابه الكبير الذي هو في موضوع النقط والشكل.
_________________
(١) انظر: مقدمة مختصر التبيين ص ٢.
(٢) انظر: أصول الضبط ورقة ١٣٩.
(٣) ذكر ذلك عند قوله تعالى: ولفد- اتينا في الآية ٨٦ البقرة.
[ ١ / ٢٥٥ ]
وتارة يطلق عليه «التنزيل الكبير»، وسماه كذلك ابن القاضي في بيانه، فقال: «أرأيت» مطلقا العمل بالحذف واختاره في التنزيل الكبير» (١).
وبالرجوع إلى كتاب «التنزيل» - وهو «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» - لم أجد هذا الاختيار، إذن فما هو المراد بالتنزيل الكبير؟ المراد به هو كتابه الكبير المسمى ب: «التبيين لهجاء التنزيل»؛ لأن الاختيار المذكور يوجد فيه كما نص عليه أبو بكر اللبيب، حيث طالعه، ونقل في شرحه على العقيلة كلام أبي داود واختياره، فقال: «وقال أبو داود في التبيين: وأنا أستحب كتب ذلك لمذهب أهل المدينة بغير ألف» (٢).
فثبت أن التنزيل الكبير هو كتابه الكبير المسمى ب: «التبيين لهجاء التنزيل».
وأحيانا كان يشير إليه بالأصل، فيقول: «وقد أشبعنا القول في ذلك في أصلنا (٣)» إلا أن الإمام الذهبي والحافظ ابن الجزري ذكراه باسم: «كتاب التبيين لهجاء التنزيل» وهو اسمه الكامل، فجاءت كلمة: «التنزيل» في موضع: «مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان» تخفيفا واختصارا، لأن كلمة: «التنزيل» تعني القرآن، وهي أخف على اللسان وأوقع على السمع من قوله: «مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁».
قال الذهبي: قرأت بخط بعض تلامذة أبي داود قال: «تسمية الكتب التي صنفها أبو داود» (٤) وذكر بعضا منها.
_________________
(١) انظر: بيان الخلاف والتشهير ص ٥٤.
(٢) ذكر ذلك عند قوله تعالى: مثل الجنة التي في الآية ١٦ محمد.
(٣) انظر: شرح العقيلة للبيب ورقة ٢٩.
(٤) سير أعلام النبلاء ١٩/ ١٦٨، معرفة القراء ٢/ ٥١٧، غاية النهاية ١/ ٣١٦.
[ ١ / ٢٥٦ ]
أقول: وهي فهرسة الشيخ أبي داود رواها أبو بكر محمد الإشبيلي عن أبي الحسن بن هذيل ربيبه بخطه (١).
ثم ذكر الذهبي تسمية تآليفه كما هي موجودة في فهرسة الشيخ، فقال:
«وكتاب: «التبيين لهجاء التنزيل» في ستة مجلدات فيكون أبو الحسن ابن هذيل سماه كما سماه مؤلفه في فهرسته وثبت هذا بخط تلميذ أبي داود وهو الحق الثابت الذي
يجب تقديمه وقبوله، وهو أقعد بالحال، وأعرف بمؤلفات شيخه أبي داود، وأوثق الناس صلة بكتب أبي داود ومعرفة بأسمائها»، قال ابن الأبّار: «لأن روايته، إنما هى عن أبي داود، عليه اقتصر وعنه أكثر، وهو آخر من حدّث عن أبي داود بالأندلس، منفردا بلقائه، والسماع منه أزيد من عشرين سنة» (٢).
وقال الذهبي: «وهو أجلّ أصحابه وأثبتهم، صارت إليه أصول أبي داود العتيقة» (٣).
فيكون اسم الكتاب: «التبيين لهجاء التنزيل».
وقرأه وسماه الذهبي بخط تلميذه.
_________________
(١) فهرسة أبي بكر بن خير الإشبيلي ٤٢٨.
(٢) المعجم في أصحاب القاضي أبي علي لابن الأبار ٢٨٥.
(٣) معرفة القراء ٢/ ٥١٧، غاية النهاية ١/ ٥٧٣.
[ ١ / ٢٥٧ ]