لقد حظي «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» المشهور «بالتنزيل» بعناية العلماء، فنقلوا عنه، واستشهدوا به، ونظمه غير واحد من العلماء، إذ وجدته منسوبا إليه في جميع المصادر والمراجع وشراح المورد، كما وجدته ثابتا له على جميع النسخ المخطوطة وفهارس المكتبات.
ومع ذلك، فإنني أشير إلى بعض ما يؤكد نسبته إليه تقليدا لما جرى به العرف، ودرج عليه البحث العلمي.
_________________
(١) انظر: الدرة الصقيلة ورقة ٥ رقم ١٤٨٤، المكتبة الوطنية بتونس.
(٢) لم أقف له على ترجمة.
(٣) انظر: أصول الضبط رقم ٨٩٤٥ في الخزانة الحسنية ورقة ١٣١.
[ ١ / ٢٦٥ ]
مما يؤكد نسبة الاختصار إلى مؤلف الأصل أبي داود سليمان بن نجاح ما صرّح به المؤلف نفسه بصيغة لا تحتمل اللبس والشك في مقدمته، فقال: «سألني سائلون من بلاد شتى أن أجرد لهم من كتابي المسمى بالتبيين لهجاء مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ المجتمع عليه على سائر النسخ معه بالزيادة في بعضها والنقصان من بعضها»، إلى أن قال: «دون سائر ما تضمنه الكتاب المذكور» ثم قال:
«ونجعله إماما يقتدي به الجاهل، ويستعين به الحافظ الماهر» ثم قال:
«فأجبتهم إلى ذلك ابتغاء ما وعد الله من جزيل الثواب وخوف الدخول في الوعيد لمن سئل عن علم فكتمه».
فكلامه في مقدمته يدل دلالة قطعية على أن أبا داود اختصر كتابه «التبيين لهجاء التنزيل» بنفسه.
وبين سبب اختصاره بقوله: «ليخف نسخ على من أراده ويسهل نسخ المصحف منه لمن رغبه» (١).
فكلامه في المقدمة فيه دلالة قطعية على أنّ هذا المختصر من صنع أبي داود. فالأصل والمختصر كلاهما من صنع أبي داود.
ثم إن تلميذه إبراهيم بن سهل العبدري روى الكتاب، وقرأه على مؤلفه أبي داود سليمان بن نجاح، وسمعه المؤلف منه، فقال: «قال إبراهيم ابن سهل العبدري: قرأت على الفقيه المقرئ أبي داود سليمان بن نجاح الأموي في سنة تسع وستين وأربعمائة، قلت له: قلت رضي الله عنك» (٢) وذكر متن الكتاب. ومما يفيد أن أبا داود اختصر «كتاب التبيين»
_________________
(١) انظر: مقدمة مختصر التبيين صفحة ٤.
(٢) انظر: مقدمة مختصر التبيين ص ٢.
[ ١ / ٢٦٦ ]
بنفسه ما جاء في ذيل المختصر فقال: «وإعرابه بالنقط وكيفية ذلك على وجه الاختصار مما عني بتهذيبه وتلخيصه أبو داود سليمان بن نجاح».
وقال في موضع آخر: «وقصدنا هنا إلى الاختصار ».
ثم قال: «فأغنى عن تكراره هنا عن الاختصار الذي بنينا عليه هذا الكتاب» (١).
وقال في ذيل مختصر التبيين: «قال أبو داود فهذا ما اختصرنا ذكره على حسب توفيق الله إيانا، وهدايته لنا، وهو حسبنا وعليه التكلان» (٢).
وقال في سورة قريش: «واحتججنا له في الكتاب الكبير، فأغنى عن إعادته هنا، إذ هو مختصر لئلا يطول الكتاب» (٣).
بل جاء أصرح من ذلك في قوله: «وذيلته [أصول الضبط] بكتابنا المختصر في الهجاء» (٤).
فهذا يدل دلالة قطعية على أن المؤلف اختصر بنفسه كتاب «التبيين لهجاء التنزيل».
ثم إنني قابلت بين النصوص المنقولة في شراح المورد المنسوبة إلى أبي داود، فإذا هي بعينها في الكتاب. من ذلك ما ذكره ابن عاشر حيث نقل جملة من كلام أبي داود، ثم قال: «وهكذا وجدته في عدة نسخ من مختصره» (٥) وهذه الجملة بعينها في جميع نسخ المخطوطة.
_________________
(١) انظر: كتاب أصول الضبط ص ١٦٦، ١٧٠.
(٢) انظر: كتاب أصول الضبط ص ١٧٥.
(٣) انظر: مختصر التبيين لهجاء التنزيل في سورة قريش.
(٤) انظر: أصول الضبط ورقة ١٣٢.
(٥) انظر: فتح المنان ورقة ٩٣، وانظر: مبحث وصف النسخ.
[ ١ / ٢٦٧ ]
ومما يؤكد نسبة الكتاب لمؤلفه أبي داود ما صرح به الشيخ المقرئ المنتوري (١) في سنده، فقال: «كتاب التنزيل في الرسم» للمقرئ أبي داود سليمان بن نجاح، قرأت بعضه تفقها على شيخنا الأستاذ أبي عبد الله محمد بن محمد القيجاطي (٢)، وأجاز لي جميعه، وحدثني به عن القاضي أبي البركات محمد بن محمد بن الحاج» (٣)، إلى أن وصل سنده بكتاب التنزيل لمؤلفه أبي داود (٤). وكذا نظمه أبو عبد الله القيسي المقرئ في نظمه المسمى ب: «الميمونة الفريدة» (٥) وأدرجه في نظمه الشيخ المقرئ ميمون الفخار المسمى ب: «الدرة الجليلة» (٦).
ومثلهما الشيخ الخراز، فنظمه في عمدة البيان المسمى اليوم: «مورد الظمآن في رسم أحرف القرآن».
_________________
(١) تقدمت ترجمته.
(٢) محمد بن محمد بن إبراهيم الكناني القيجاطي الغرناطي أبو عبد الله مقرئ وله في القراءات مصنفات، قرأ على أبي البركات بن الحاج، وغيره، توفي ٨١١ هـ. انظر: نيل الابتهاج ٢٨٢، ألف سنة من الوفيات ١٣٧، ٢٣٦.
(٣) محمد بن محمد بن إبراهيم البلفيقي السلمي أبو البركات القاضي فقيه محدث وشاعر أديب، توفي حوالي ٧٧١ هـ. انظر: نيل الابتهاج ٢٥٤، ألف سنة من الوفيات ١٠٠.
(٤) انظر: فهرسة الشيخ المنتوري ورقة ٢٨ رقم ١٥٧٨ الخزانة الملكية.
(٥) أرجوزة في نقط المصاحف، نظمها المقرئ القيسي سنة ٧٩٦، وهي من أنفس القصائد في إعراب المصحف والشكل، منها نسخة في الخزانة الحسنية، عندي منها صورة رقم ٤٥٥٨.
(٦) أرجوزة في نقط المصاحف، نظمها المقرئ ميمون الفخار سنة ٨١٠ هـ، وعدد أبياتها ألف وخمسمائة وستة وخمسون، وهي من أنفس القصائد في إعراب المصحف، منها نسخة في الخزانة الملكية بالمغرب، وعندي منها صورة، ومنها نسخة رقم ٢٥٩ في مكتبة الملك عبد العزيز، وأخرى في دار الكتب الناصرية رقم ١٦٨٩، ورقم ١٧٧٥، وأخرى في الظاهرية ٨٣٧.
[ ١ / ٢٦٨ ]
وغير هؤلاء ممن يطول ذكرهم، وكلهم أثبت نسبة الكتاب «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» لمؤلفه أبي داود سليمان بن نجاح، إلا أن المحقق ابن عاشر ذكره، فقال:
«وأشهر كتبه: «التنزيل» فهو مشتمل على جميع القرآن، وأما مختصره فيقتصر فيه على رءوس الآي، ويقول: إلى كذا، ثم يتكلم على ما يتعلق بذلك المحل من الرسم.
ومن كتبه: «التبيين»، وهو الذي يشير إليه في: «التنزيل» بالكتاب الكبير نقل اللبيب عنه في مواضع من شرحه على العقيلة (١).
وأخبرني الشيخ الفقيه أبو عبد الله القصارى أن كتاب «التبيين» لم يدخل هذه العدوة، ولم أتحقق أن اختصار «التنزيل» من صنعه» (٢).
وفي كلام ابن عاشر إشكال مما جعلني أتوقف، وأعيد النظر والتأمل، والواقع الذي لا شك فيه أن الذي يشتمل على جميع القرآن هو كتابه «التبيين» لا كما ذكر ابن عاشر، والذي يقتصر فيه على رءوس الآي ويقول: إلى كذا هو مختصره وهو التنزيل.
ومن الجائز أن يكون في كلام ابن عاشر تصحيف، فيريد بكلمة:
«التنزيل» في أول كلامه: «التبيين» لأن الوصف الذي جاء بعده ينطبق عليه، وحينئذ يستقيم الكلام، ويتفق مع الواقع، إلا أن الذي يعكر هذا التوجيه أن ابن عاشر صرّح بذكر اسم كتاب «التبيين» بعده، فقال: «ومن
_________________
(١) انظر: الدرة الصقيلة للبيب ورقة ٣.
(٢) انظر: فتح المنان لابن عاشر ورقة ٥.
[ ١ / ٢٦٩ ]
كتبه التبيين»، وما وصفه به صحيح، فعلى ما ذكرت من التوجيه يكون تكرارا لا مسوغ له. إلا أنه بعد طول نظر وتأمل ومعاناة، لاح لي ما قد يتضح به مقصود ابن عاشر، فأخرج كلامه على النحو التالي.
فإن المؤلف أبا داود ألف كتاب «التبيين لهجاء التنزيل» وجرّد منه كتابا آخر اقتصر فيه على هجاء المصاحف، وهو المسمى ب: «مختصر التبيين لهجاء التنزيل»، واشتهر بين الناس ب: «التنزيل»، وهو الذي قام باختصاره بنفسه كما تقدم، واقتصر فيه على رءوس الآي، فيقول مثلا:
«ثم قال تعالى: قالوا يصلح قد كنت فينا مرجوّا إلى قوله:
القويّ العزيز، ثم يتكلم على ما يتعلق بذلك الموضع من الرسم، فهذا ثابت لأبي داود. إلا أن ابن عاشر كما نقل عن شيخه، قال: «ولم أتحقق أن اختصار التنزيل من صنعه».
ولعل ابن عاشر يريد «بالتنزيل» مختصر «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» لأنني فعلا ظفرت بنسخة من «مختصر التبيين» (١) مختصرة، اقتصر مؤلفها على ذكر رءوس الآي، ولم يزد على ذلك، ثم أبقى على كلام أبي داود، بلفظه ومعناه، بدون زيادة ولا نقص، وأضاف لها ناسخها أو مختصرها رسالة في عد الآي لأبي العباس أحمد بن قاسم بن عيسى المتوفى ٤١٠ هـ (٢)، ثم أضاف إليها بابا في حروف المعجم من كتاب المحكم لأبي عمرو الداني (٣).
_________________
(١) مخطوطة في الخزانة الحسنية بالمغرب رقم ٨٩٤٥ لم تذكر في فهارس الخزانة.
(٢) انظر: ترجمته في غاية النهاية ١/ ٩٧.
(٣) انظر: المحكم للداني ص ٣٥.
[ ١ / ٢٧٠ ]
ومن أوضح الأدلة على أنها مختصرة من كتاب «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» ما جاء في ذيلها، أصول الضبط، فقال ناسخها:
«وأقدم أولا من كلام الحافظ أبي عمرو الداني»، ثم قال: «ثم أرجع إلى كلام الشيخ أبي داود». وقال في موضع آخر: «ونرجع الآن إلى كلام أبي داود ﵀» وكدت أن أجعلها نسخة من نسخ التنزيل، لولا هذا الكلام المتقدم، فهذا يدل على أنها كتاب ثان مختصر من كتاب:
«مختصر التبيين لهجاء التنزيل» من ناسخ أو مختصر غير أبي داود قطعا.
أما مختصر التبيين فأجزم أنه من صنع أبي داود مؤلف الأصل، فالأصل والمختصر كلاهما من صنع أبي داود، والله أعلم.