وفي إثبات هذا العنوان: «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» إيهام يجب رفعه، فالاختصار هنا يختلف تماما عما هو معروف وشائع في الاختصار والمختصرات في اصطلاح المؤلفين. فالمؤلف أبو داود لم يختصر كتابه قط، كما يفهم من إثبات هذا العنوان، ومن كلامه أنه جرّده من كتابه الكبير، أنه اختصر فيه الرّسم اختصارا.
فمقصود المؤلف أنه جرّد منه التفسير والأحكام، والإعراب والوقف والابتداء، والتوجيه والتعليل، وغير ذلك، وأبقى على الرسم ولم يختصره، وإنما خلّصه وهذبه مما كان فيه من علوم القرآن، بل إنه استوعب فيه الرسم واستوفاه، بما لا مزيد عليه، وتكرر ذلك، بل جعله إماما يقتدي به الجاهل، ويستعين به الحافظ الماهر.
_________________
(١) انظر: مذكرة الشيخ عبد الهادي حميتو ص ٧.
[ ١ / ٢٦١ ]
ومما يدل على ذلك أن المسائل التي لا تعلق لها بوجه من وجوه الرسم، يحيلها على كتابه الأصل المسمى ب: «التبيين». وقد تتبعت هذه الإحالات من أول الكتاب إلى آخره، فلم أجد فيه أنه أحال الرسم على كتابه الأصل، بل يحيل ما يتعلق بغير الرسم من الإعراب والشرح والأحكام وغيرها مما يدلّ على أنه لم يختصر الكتاب، وإنما أراد الإبقاء على ما يتعلق بهجاء المصاحف فقط دون بقية مواضع الكتاب، فلا يدخل في الاختصار المعروف عند الناس كما أشرت آنفا، وهذا واضح من كلام المؤلف نفسه في المقدمة، حيث قال: «سألني سائلون من بلاد شتى أن أجرد لهم من كتابي المسمّى بالتبيين»، ولم يقل: «أن أختصر لهم».
وواضح من قوله أيضا: «دون سائر ما تضمنه الكتاب المذكور» فكأنه فصل الرسم وخلّصه في كتاب مستقل، أفرده في هجاء المصاحف.
وحصر المؤلف سبب تجريده، فقال: «ليخف نسخه على من أراده ويسهل نسخ المصحف منه لمن رغبه»، وذلك لأن كتابه الأصل ضخم يقع في ستة مجلدات، ويظهر أن ضخامته قد حدّت من تناوله، فجرد منه هجاء المصاحف، ليسهل نسخه ونسخ المصحف منه تشجيعا لطلاب العلم ونساخ المصاحف، وأفرد لهم هجاء المصاحف.
فالكتاب: «مختصر التبيين» لا يزال من الموسوعات العلمية المطولة النادرة في هجاء المصاحف، فسرد فيه القرآن آية آية، وحرفا حرفا، من أوله إلى آخره، وجعله إماما فيه غناء عن غيره.
[ ١ / ٢٦٢ ]
قال: «وأسرد لهم القرآن فيه آية آية، وحرفا حرفا من أوله إلى آخره فيستغني به من لا يحفظ القرآن من الناسخين للمصحف، والدارسين له من المريدين والمتعلمين عن مصحف ينظر فيه، ونجعله إماما يقتدي به الجاهل، ويستعين به الحافظ الماهر، ويزيل عنهم الالتباس في الحروف والكلم والآي » (١).
فالمؤلف استوعب فيه هجاء المصاحف واستوفاها بما لا مزيد عليه، وتكرر ذلك منه تأكيدا للبيان، وخوف النسيان على ناسخ المصحف.
ولذلك لم تجده في كتب التراجم باسم المختصر، وإنما عرف ب: «التنزيل» واشتهر به، وصار لا يعرف إلا به، وقيده بعضهم بقوله: «في هجاء المصاحف» أضيف إليه موضوعه، فصار: «التنزيل في هجاء المصاحف». ثم إنني لم ألحظ أثر الاختصار في كتابه: «مختصر التبيين لهجاء التنزيل»، بل لاحظت فيه التفصيل والتطويل والتكرار،
والمؤلف نفسه لفتت انتباهه صفة الحشد والتكرار، فاعتذر عن ذلك بقوله:
«وإنما تكرر للبيان وخوف النسيان على ناسخ المصحف فيكون تذكرة للحافظ الفاهم، غير ضارّ له، وتنبيها وتعليما لغيره» (٢).
وبهذا يمكن أن يعدّ تأليفا مستقلا بل يحسن ذلك ولا ينسب إلى الاختصار، ولا تشمله سلبياته، ويدل له قوله: «ونجعله إماما» وقوله:
«أسرد لهم القرآن فيه آية آية» وقوله: «أن أجرد لهم»، فهذا السياق كله لا يتناسب مع الاختصار، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: مقدمة المؤلف في كتابه هذا صفحة ٤.
(٢) ذكره عند قوله تعالى: لن يضروكم في الآية ١١١ آل عمران.
[ ١ / ٢٦٣ ]