وهو أنه يجوز كتابة المصحف الآن لعامة الناس على الرسم القياسي، ويجب في الوقت نفسه المحافظة على الرسم العثماني كأثر من الآثار الإسلامية، فلا يهمل مراعاة لجهل الجاهلين، بل يجب أن يبقى في أيدي العلماء العارفين.
وإلى هذا ذهب الإمام العز بن عبد السلام (ت ٦٠٦ هـ)، وتابعه الزركشي ورجحه الزرقاني، والدكتور صبحي الصالح، والدكتور محمد أبو شهبة.
قال العز بن عبد السلام: «لا تجوز كتابة المصحف الآن على الرسوم الأولى باصطلاح الأئمة لئلا يوقع في تغيير من الجهال».
وقال الزركشي بعد أن ذكر رأي مالك وموافقيه القائلين بتحريم مخالفة خط المصحف: «وكان هذا في الصدر الأول والعلم حيّ غض، وأما الآن فقد يخشى الالتباس».
وعقب على كلام العز بن عبد السلام، قائلا: «ولكن لا ينبغي إجراء هذا على إطلاقه لئلا يؤدي إلى دروس العلم، وشيء أحكمته القدماء لا يترك
_________________
(١) انظر: تاريخ القرآن وغرائب رسمه ٩٩، ١٠٠.
[ ١ / ٢٠٥ ]
مراعاة لجهل الجاهلين، ولن تخلو الأرض من قائم لله بالحجة» (١).
ورجح هذا التفصيل الشيخ الزرقاني، فقال: «وهذا الرأي يقوم على رعاية الاحتياط للقرآن من ناحيتين: ناحية كتابته في كل عصر بالرسم المعروف فيه وناحية إبقاء رسمه الأول المأثور» (٢).
وتبعه الدكتور صبحي الصالح فقال: «بل نأخذ برأي العز بن عبد السلام» وذكر رأيه، ثم قال:
«وملخص هذا الرأي الأخير، أن العامة لا يستطيعون أن يقرءوا القرآن في رسمه القديم، فيحسن- بل يجب- أن يكتب لهم بالاصطلاحات الشائعة في عصرهم، ولكن هذا لا يعني إلغاء الرسم العثماني القديم» (٣) إلا أن الدكتور محمدا أبا شهبة خص الالتزام بالرسم العثماني على المصاحف الكاملة، التي هي الحجة والمرجع، ورجّح أن يكتب القرآن بالرسم القياسي في الأجزاء والصحف والمجلات وغيرها (٤).
ومن القائلين بمذهب العز بن عبد السلام الشيخ أحمد مصطفى المراغي، قال في مقدمة تفسيره: «وقد جرينا على الرأي الذي أوجبه العز بن عبد السلام في كتابة الآيات أثناء التفسير للعلة التي ذكرها، وهي في عصرنا أشد حاجة إليها من تلك العصور» (٥).
_________________
(١) انظر: البرهان للزركشي ١/ ٣٧٩.
(٢) انظر: مناهل العرفان ١/ ٣٣٥.
(٣) انظر: مباحث في علوم القرآن د صبحي الصالح ص ٢٨٠.
(٤) انظر: المدخل لدراسة القرآن الكريم د. أبو شهبة ص ٣٦٥.
(٥) انظر: تفسير المراغي ١/ ١٥.
[ ١ / ٢٠٦ ]