وقعت مخاصمة ونزاع عنيف في عصر المؤلف كان نعمة على شحذ الأذهان، ودفع الهمم إلى التأليف، وتنشيط الحركة العلمية، وله صلة وثيقة بموضوع الكتاب، بل عدّه بعضهم اللبنة الأولى في موضوع علم الرسم، ويبدو لي أن المؤلف شارك فيه كما سيتبين ذلك في موضعه (٤).
وكان قد أثارها شيخ أبي داود أبو الوليد سليمان الباجي (٥) قال في حق
_________________
(١) انظر: الديباج ١١٣، ترتيب المدارك ٤/ ٨٢٩، الصلة ١/ ١٦٩.
(٢) انظر: مبحث شيوخ أبي داود ٧٦، ٨٠.
(٣) انظر: مبحث شيوخ أبي داود ٧٣.
(٤) انظر: مبحث مؤلفات أبي داود ١١٤.
(٥) انظر: مبحث شيوخ أبي داود ٧٦.
[ ١ / ٤٧ ]
معجزة أمية الرسول ﷺ قولا استعظمه أهل الأندلس وغيرهم، وتعرّض بسببه إلى امتحان عسير، وأثار جدلا ومناقشات، وذلك أن أبا الوليد الباجي كان يوما بدانية يشرح حديث البخاري في عمرة القضاء الذي رواه البراء بن عازب، وفيه: « فلما كتب الكتاب، كتبوا هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، قالوا: لا نقر لك بهذا، لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئا، ولكن أنت محمد بن عبد الله، فقال: أنا رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله، ثم قال لعلي: «امح رسول الله» قال علي: لا والله لا أمحوك أبدا». فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب، وليس يحسن يكتب فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله» (١).
فصوب أبو الوليد الباجي من قال بظاهر الحديث، فقيل له: وعلى من يعود ضمير قوله: «كتب»، فقال: على النبي ﷺ، فقيل له: وكتب بيده، قال: نعم، ألا ترونه يقول في الحديث: «فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب وليس يحسن يكتب، فكتب».
فأثار هذا القول منه ضجة، وتكلم في ذلك من لم يفهم غرضه، وقبّحوا عند العامة ما أتى به، وأسخطوهم عليه، ونسبوا إليه كل تكذيب وتعطيل، وشنّع به بعض الخطباء في الجمع والجماعات.
وفي ذلك يقول عبد الله بن هند الشاعر ضمن قصيدة:
برئت ممن شرى دنيا بآخرة* وقال إن رسول الله قد كتبا وقد ضمنها خطيب دانية خطبته يوم الجمعة، فأنشدها على رءوس الملأ (٢).
_________________
(١) انظر: فتح الباري ٩/ ٤٤.
(٢) انظر: ترتيب المدارك ٨/ ١٢٢، سير أعلام النبلاء ١٨/ ٥٤٠.
[ ١ / ٤٨ ]
وقد اشتكاه الناس إلى أميرهم، فجمعهم وإياه، واحتجوا عليه بأنه قد خالف نص الآية الكريمة: وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطّه بيمينك إذا لّارتاب المبطلون ٤٨ بل هو آيات بيّنات في صدور الّذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلّا الظّالمون ٤٩ (١).
فاستظهر عليهم بما لديه من المعرفة، وقال للأمير: «هذا لا ينافي القرآن، بل يؤخذ من مفهوم القرآن، لأنه قيد النفي بما قبل ورود القرآن.
وأما بعد أن تحققت أميته، وتقررت بذلك معجزته وأمن الارتياب في ذلك، فلا مانع من أن يعرف الكتابة من غير معلم، فتكون معجزة أخرى له، ولا يخرج بذلك عن كونه أميا» (٢).
فالأمي يجوز أن يكتب بعد أميته، والله ﷾ قد أطلق يد رسول الله ﷺ بالكتابة في تلك الساعة معجزة له.
ونزولا عند رغبة الباجي كتب أمير دانية في المسألة إلى شيوخ إفريقية وصقلية، فجاءت الأجوبة من هناك بتصديقه وتصويب وجهة نظره، وتسويغ تأويله، والثناء عليه، مع إنكار تهجم المتهجمين عليه.
وقد ناصر قوم ما ذهب إليه الباجي، واحتجوا له بما أخرجه ابن أبي شيبة، وعمر بن شبة من طريق مجاهد عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبيه، قال: «ما مات رسول الله ﷺ حتى كتب وقرأ» قال مجاهد: فذكرته للشعبي، فقال: صدق، قد سمعت من يذكر ذلك.
_________________
(١) العنكبوت: الآيات ٤٨ - ٤٩.
(٢) انظر: فتح الباري ٩/ ٤٤.
[ ١ / ٤٩ ]
ومن طريق يونس بن ميسرة عن سهل بن الحنظلية العبشمي أن النبي ﷺ أمر معاوية أن يكتب للأقرع وعيينة، فقال: عيينة؟! أتراني أذهب بصحيفة المتلمس، فأخذ رسول الله ﷺ الصحيفة فنظر فيها فقال: «قد كتب لك بما أمر لك»، قال يونس بن ميسرة: «فنرى أن رسول الله ﷺ كتب بعد ما أنزل عليه» (١).
وذكر عياض أنه وردت آثار تدل على معرفة الرسول ﷺ حروف الخط، وحسن تصويرها، كقوله لكتابه: «ضع القلم على أذنك فإنه أذكر لك».
وقوله لمعاوية: «ألق الدواة، وحرف القلم، وأقم الباء، وفرق السين، ولا تعور الميم» وقوله: «ولا تمد بسم الله» وأضاف عياض: «هذا وإن لم يثبت أنه كتب فعلا، فلا يبعد أن يرزق علم وضع الكتابة، فإنه أوتي علم كل شيء» (٢).
وكان أبو الوليد الباجي قد اجتهد في تجلية رأيه للموافقين والمخالفين معا، فصنف رسالته المسماة: «تحقيق المذهب» التي ظهر فيها علمه، وبين فيها وجوه المسألة لمن لم يفهمها، وأوضح أن كتابة الرسول ﷺ لاسمه غير قادح في المعجزة.
وذكر بمن قال بهذا القول من العلماء من أمثال شيخه أبي ذر الهروي (٣)،
_________________
(١) انظر: فتح الباري ٩/ ٤٤.
(٢) انظر: فتح الباري ٩/ ٤٤.
(٣) الإمام عبد بن محمد بن محمد بن عبد الله السماك الأنصاري الهروي المالكي شيخ الحرم ت ٤٣٤ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/ ٥٥٤.
[ ١ / ٥٠ ]
وأبي الفتح النيسابوري (١)، وأبي جعفر السمناني (٢).
فقبل رأيه علماء جلة، ورجع عن مخاصمته جماعة وعذروه (٣).
ويبدو لي أن المؤلف أبا داود ناصر شيخه الباجي فيما ذهب إليه، وذلك بتأليفه كتابا سمّاه ابن عياد: «كتاب الكتّاب من الأنبياء والسادات والأشراف والصحابة، ومن كتب منهم للنبي ﷺ». ويظهر ذلك من وجهين:
الأول من عنوان الكتاب.
والثاني من قول ابن عياد، حيث قال: «وأغرب شيء عنده فيها [أي مؤلفاته]: «كتاب الكتاب من الأنبياء» وذكر اسم الكتاب كاملا.
ولعل وجه الغرابة أن يكون المؤلف أبو داود ﵀ ضمّن كتابه، وقرر فيه أن النبي ﷺ تعلم القراءة والكتابة بعد أن قامت حجته وثبتت معجزته. فقد يكون المؤلف ظاهر شيخه بهذا الكتاب.
إلا أن أقواما آخرين أصرّوا على معارضته، والتشهير به بكل وسيلة، بما فيها تصنيف الرسائل والكتب، فكان من ذلك جزء كتبه الزاهد أبو محمد بن مفوز في الرد على الباجي، كما أن الفقيه أبا بكر بن الصائغ الزاهد كفره بإجازته الكتابة على رسول الله ﷺ، وعد ذلك تكذيبا
_________________
(١) ناصر بن عمران بن محمد الأنصاري النيسابوري الشافعي ت ٥٥٢ هـ. انظر: معجم المؤلفين ١٣/ ٧٠.
(٢) محمد بن محمد بن أحمد السمناني الحنفي ت ٤٤٤ هـ. انظر: السير ١٧/ ٦٥١.
(٣) انظر: المدارك لعياض ٨/ ١٢٢، الديباج ١٢١.
[ ١ / ٥١ ]
بالقرآن (١).
وحتى تلميذه الملازم له والمتفقه أبو محمد عبد الله بن أحمد بن الحاج الهواري المعروف بابن حفاظ الذي كان يميل إلى مذهب شيخه تاب ورجع عن قوله (٢).
وذهب الألوسي إلى ما قاله الباجي، فقال:" ولا يخفى أن قوله ﵊: «إنا أمة لا نكتب ولا نحسب» ليس نصا في استمرار نفي الكتابة عنه ﵊، ولعل ذلك باعتبار أنه بعث ﵊، وهو وأكثر من بعث إليهم، وهو بين ظهرانيهم من العرب، أميون لا يكتبون ولا يحسبون، فلا يضر عدم بقاء وصف الأمية في الأكثر بعد، وأما ما ذكر من تأويل: «كتب» بأمر بالكتابة، فخلاف الظاهر، وفي شرح صحيح مسلم للنووي نقلا عن القاضي عياض أن قوله في الرواية التي ذكرناها: «ولا يحسن يكتب فكتب» كالنص في أنه ﷺ كتب بنفسه، فالعدول عنه إلى غيره مجاز، لا ضرورة إليه» (٣).
ورجّحه الدكتور محمد أبو شهبة، وبنى عليه أن الرسم توقيفي، وقال:
«وكفى في هذا دليلا حديث البخاري» واستبعد أن يكون الرسول ﷺ في مثل ذكائه وفطنته وطول مدة إملائه للقرآن أن لا يتعلم الكتابة (٤).
_________________
(١) انظر: طبقات المفسرين ١/ ٢٠٥.
(٢) نفح الطيب ١/ ٣٦١، التكملة ٢/ ٨٠٤.
(٣) انظر: روح المعاني ٢١/ ٤.
(٤) انظر: المدخل لأبي شهبة ٣٥٢.
[ ١ / ٥٢ ]