عرفت اللغة العربية عددا كبيرا من الكلمات الدالة على مرسوم الخط منها: «الكتاب» و«الهجاء» و«الخط» و«الرسم»، وتطور استعمال هذه الكلمات عبر القرون.
فأولها استخداما «الكتاب» الذي هو أحد مصادر «كتب» (١)، استخدم علما على الكتابة والرسم، وقد استعمل هذا المصطلح للتعبير عن معنى الكتابة من المتقدمين مثل نافع بن أبي نعيم ت ١٦٩ هـ، ويحيى بن زياد الفراء ت ٢٠٧ هـ، وأبي عبيد القاسم بن سلام ت ٢٢٤ هـ، وأبي بكر محمد ابن يحيى الصولي ت ٣٣٦ هـ، وعبد الله بن درستويه ت ٣٤٧ هـ، وغيرهم، فكان هؤلاء يكثرون من استعمال «الكتاب» في معنى الرسم والكتابة (٢).
والدليل على استخدامهم «الكتاب» في معنى الرسم والكتابة ما رواه الخطيب البغدادي ت ٤٦٢ هـ بسنده عن إبراهيم النخعي والأعمش، قال:
«كانوا يكرهون كتاب الحديث» (٣).
_________________
(١) انظر: لسان العرب، أساس البلاغة للزمخشري مادة «كتب»، تهذيب اللغة للأزهري ١٠/ ١٥٠، الصحاح للجوهري ١/ ٢٠٨، جمهرة اللغة ١/ ١٩٦.
(٢) انظر: المقنع ٣٩، معاني القرآن للفراء ١/ ٩٦، ٢٠٢، أدب الكتاب للصولي ١١٣، كتاب الكتاب لابن درستويه ٦٤، جامع بيان العلم لابن عبد البر ١/ ٨٥.
(٣) انظر: تقييد العلم للخطيب البغدادي ٤٧، ٤٨، سنن الدارمي ١/ ١٠٣.
[ ١ / ١٢٩ ]
ومن أكثر الكلمات استعمالا، وأكثرها استخداما بعد: «الكتاب» في القرون المتقدمة كلمة: «الهجاء»، ومن يستقرئ الكتب المؤلفة في الرسم والخط لدى المتقدمين يجد أن غالب تسمية كتبهم تحمل هذا الاسم وتعنون به كما يظهر ذلك جليا عند ذكر مؤلفات هجاء المصاحف (١).
وذكر علماء اللغة لمادة «الهجاء» معنيين:
الأول: يدل على الذم، وتعديد العيوب؛ كأن يهجو الشاعر شاعرا آخر، فيعدد معايبه، وهو خلاف المديح (٢).
والثاني: هجاء الحروف، وتقطيع اللفظة بحروفها، وهو تعلم هجاء الحروف يهجّيها ، ويتهجاها، أو التلفظ بأسماء الحروف، لا مسمياتها، وتعداد حروف الكلمة المكتوبة (٣).
والمراد به بيان كيفية رسم الألفاظ اللغوية، وهو المقصود هنا.
ومما يلاحظ أن معظم المصادر الأولى التي ألفت في موضوع الخط والكتابة كانت تعرف بكتب الهجاء، أو هجاء المصاحف، ثم ظهر مصطلح الخط، فصار يطلق على الكتابة بعامة، وقد ألف السيوطي رسالة في علم الخط (٤). وقد يقيد بالمصحف، فيقال: خط المصحف، فتخصص بالإضافة.
_________________
(١) انظر: مبحث مؤلفات هجاء المصاحف.
(٢) انظر: أساس البلاغة للزمخشري ٦٩٦.
(٣) انظر: المخصص لابن سيده ١٣/ ٤.
(٤) مطبوعة ضمن كتاب التحفة البهية، والطرفة الشهية مطبعة الجوائب إستانبول.
[ ١ / ١٣٠ ]
وظهر هذا المصطلح عند علماء المصرين: البصرة والكوفة، فأسسوا لعلم الخط ضوابط وروابط بنوها على أقيستهم النحوية، وأصولهم الصرفية، وسموها علم الخط القياسي، أو الاصطلاحي المخترع (١).
ثم ظهر استعمال مصطلح الرسم أو رسم المصحف، أو الرسم العثماني. وعلى ما يبدو ظهر استعماله للدلالة على علم هجاء المصحف في وقت متأخر، لأن المؤلفات في القرون الأولى لم تستخدم هذه الكلمة للدلالة على خط المصحف، بل إن المعاجم اللغوية لم تكن تذكر أي معنى لها يتعلق بالكتابة في مادة «رسم».
قال ابن دريد ت ٣٢١ هـ: «رسم كل شيء: أثره، والجمع رسوم» (٢).
وقال الأزهري ت ٣٧٠ هـ: «الرسم هو الأثر» (٣).
قال ابن منظور ت ٧١١ هـ: «الرسم هو الأثر، وقيل بقية الأثر، وقيل ما ليس له شخص من الآثار» (٤). وقال: «ورسم على كذا ورشم إذا كتب» (٥).
وهذا المعنى ينطبق على مرسوم خط المصحف، فهو أثر من آثار
_________________
(١) انظر: المطالع النصرية ٢٧.
(٢) جمهرة اللغة لابن دريد ٢/ ٣٣٦.
(٣) تهذيب اللغة للأزهري ١٢/ ٤٢٢، الصحاح للجوهري ٥/ ١٩٣٢.
(٤) لسان العرب ١٢/ ٢٤١.
(٥) لسان العرب ١٢/ ٢٤١.
[ ١ / ١٣١ ]
الصحابة ﵃، وهو خط وكتابة، ويزيد ذلك وضوحا إضافته إلى «المصحف» أو وصفه ب «العثماني» فيقال: «رسم المصحف» أو «الرسم العثماني».
فالعلاقة واضحة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي لمرسوم خط المصحف، ومن ثم صحت تسميته ب: «رسم المصحف»، فهو أثر وخط وكتابة.
وإذا كانت المصنفات الأولى في الرسم يغلب عليها مصطلح هجاء المصاحف، فإن المؤلفات المتأخرة غلب عليها إطلاق مصطلح الرسم والمرسوم، وصار علما على هجاء المصاحف وكتابتها، فتخصص بخط المصحف. ومن ثم أضيف إلى ما يعرفه ويخصصه، فقيل: رسم المصحف، أو أضيف له الوصف فقيل: «الرسم العثماني»، ثم شاع استعماله دلالة على خط المصحف ولو كان مقطوعا عن الإضافة، فشاع استخدامه للتعبير عن هجاء المصاحف، وتحددت دلالته.
فتبين لي أن علم الرسم من حيث الاصطلاح تردد في كتب القوم بأكثر من اسم، حتى اشتهر بين المتأخرين باسم «الرسم العثماني» والله أعلم.