وهو موضوع هذا الكتاب.
وهو الذي كتب به زيد بن ثابت حروف القرآن وكلماته في جميع مراحل جمع القرآن التي آخرها كتابته في عهد عثمان ﵁، وهو علم تعرف به مخالفة المصاحف العثمانية للرسم القياسي (٣)، وسمي الرسم العثماني نسبة إلى سيدنا عثمان، لأنه أمر بنسخ إمام للناس
_________________
(١) انظر: فتح المنان ورقة ٤، همع الهوامع للسيوطي ٦/ ٣٠٥.
(٢) انظر: مفتاح السعادة ١/ ٣٩، البرهان ١/ ٣٧٦، رسم المصحف للفرماوي ١٤، همع الهوامع ٦/ ٣٤١.
(٣) انظر: فتح المنان ورقة ٤.
[ ١ / ١٣٣ ]
بعد ما اختلف الصحابة في بعض حروف القرآن فقال: «يا أصحاب محمد اجتمعوا، فاكتبوا للناس إماما» (١) فنسخ الصحابة ﵃ من صحف أبي بكر مصحفا إماما ثم نسخوا منه مصاحف لسائر الأمصار، فنسب إليه من هذه الجهة، لا أنه اخترعه وابتكره.
ولم تراع الموافقة التامة بين المكتوب والمنطوق، لأن رسمه يحتمل أكثر من صورة منطوقة لعلل وحكم، بل كتب في بعض المواضع على الفرع دون الأصل ليدل الفرع على الأصل، وسيتجلى ذلك في موضعه.
وسموا رسم المصحف بالخط المتبع، وقالوا: إن رسمه سنة متبعة مقصورة عليه، فلا يقاس ولا يقاس عليه (٢)، ويقال: «خطان لا يقاس عليهما: خط المصحف، وخط العروض» (٣).
وموافقة الرسم العثماني للمنطوق تكون تحقيقا كما هو الحال في الخط القياسي، وفي أكثر المواضع في هجاء المصاحف، ويكون تقديرا كما هو الشأن في بعض المواضع في هجاء المصاحف. وذلك لأن الاختلاف يكون اختلاف تغاير وتنوع، وهو في حكم الموافق، فلا يلزم من صحة أحدهما بطلان الآخر. ويكون اختلاف تضاد أو تناقض، ويلزم من صحة أحدهما بطلان الآخر، وهذا لا يوجد في المصاحف.
ولذلك وزّع الصحابة ﵃ الأحرف التي لا يحتملها الرسم
_________________
(١) انظر: البرهان ١/ ٣٧٦، تاريخ القرآن وغرائب رسمه ٦.
(٢) انظر: المطالع النصرية ٢٧، البحر المحيط ٨/ ٤٣٣.
(٣) انظر: أدب الكتاب لابن درستويه ٢٧، البرهان ١/ ٣٧٦، همع الهوامع ٦/ ٣٤٠.
[ ١ / ١٣٤ ]
الواحد على مختلف مصاحف الأمصار، لأن الخط هنا في هذه الحروف يحصر جهة اللفظ، فمخالفه مناقض، وتارة لا يحصرها، بل يرسم على أحد التقادير، فاللافظ به موافق تحقيقا، ولغيره موافق تقديرا لتعدد الجهة.
وذلك لأن البدل في حكم المبدل منه، وما زيد في حكم العدم، وما حذف في حكم الثابت، وما وصل في حكم الفصل، وما فصل في حكم الوصل (١). وسوّغ ذلك كله تجريد المصحف من النقط الشكل.
وتنحصر مخالفة الرسم العثماني للرسم القياسي في ست قواعد، وهي: الحذف، والزيادة، والهمزة، والإبدال، والوصل، والفصل، وما فيه قراءتان فكتب على إحداهما، تغليبا لها في جميع المصاحف مما يحتمله الرسم.
وقسم علماء الرسم الحذف إلى ثلاثة أقسام:
١ - حذف إشارة يكون المقصود منه الإشارة إلى قراءة أخرى في الكلمة، وذلك مثل حذف الألف من كلمتي: أسارى تفادوهم (٢) فحذف الألف من كلمة: «أسارى» إشارة إلى قراءة حمزة حيث قرأ بفتح الهمزة وإسكان السين، وحذف الألف بعدها.
وأما حذف الألف في كلمة: تفادوهم فهي إشارة إلى قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحمزة وخلف؛ حيث قرءوا بفتح التاء
_________________
(١) انظر: الجواهر اليراعية في رسم المصاحف العثمانية رقم ٥٢٣٣/ ق ٢ فيلم بالجامعة، فتح المنان لابن عاشر ورقة ٥، إتحاف فضلاء البشر ١/ ٨٢.
(٢) من الآية ٨٤ البقرة.
[ ١ / ١٣٥ ]
وسكون الفاء وحذف الألف (١).
٢ - وحذف اختصار، وهو الذي يكون مطردا في جميع الكلمات المتناظرة كحذف الألف في كل جمع مذكر سالم وشبهه، إذا لم يقع بعد الألف تشديد أو همز مباشرين مثل قوله تعالى: العلمين (٢) والحفظين والصّدقين.
٣ - وحذف اقتصار، وذلك كأن يرد الحذف في كلمة بعينها دون نظائرها في كل القرآن الكريم مثل حذف ألف: الميعد في قوله تعالى: ولو تواعدتّم لاختلفتم في الميعد (٣) في الأنفال لا غير، وإثبات الألف في بقية المواضع في القرآن الكريم وغيره.
وقد يجتمع حذف الاقتصار والإشارة معا في الكلمة الواحدة كقوله تعالى: إذا مسّهم طئف من الشّيطن تذكّروا (٤) ففيها حذف اقتصار دون نظيرها في سورة نون: فطاف
عليها طائف (٥)، وفيها حذف إشارة لأنه ورد فيها خلاف القراء دون موضع القلم (٦).
_________________
(١) انظر: النشر ٢/ ٢١٨.
(٢) انظر قوله تعالى: رب العالمين في الآية ٢ الفاتحة.
(٣) من الآية ٤٢ الأنفال.
(٤) من الآية ٢٠١ الأعراف.
(٥) من الآية ١٩ القلم.
(٦) انظر: تنبيه العطشان ورقة ٣٥، فتح المنان ورقة ٢١، التبيان ورقة ٤٢، الدرة الصقيلة ورقة ١١.
[ ١ / ١٣٦ ]