وإذا عقدنا موازنة بين كتاب: «المقنع» لأبي عمرو الداني وكتاب:
«مختصر التبيين لهجاء التنزيل» لا نجد «المقنع» يبلغ مبلغ «مختصر التبيين» في منهجه وشموله وطريقته وتحقيقاته في علم هجاء المصاحف.
ومن الملاحظ أن الداني وأبا داود قد عاشا في عصر واحد، وهو القرن الخامس الهجري، بل إن أبا داود من أجلّ أصحاب أبي عمرو الداني وأكثرهم له ملازمة، وكلاهما عاشا في بيئة واحدة وبلد واحد وهو الأندلس في دانية وبلنسية، وكلاهما ممن له عناية بالغة في علم هجاء المصاحف، ومن المصنفين، بل لكل منهما فيه مصنفات.
وكلا الكتابين وضع له مؤلفه ذيلا في علم الضبط، فأبو عمرو الداني وضع ذيلا لكتاب «المقنع» سماه: «كتاب النقط». وأبو داود وضع ذيلا لكتابه: «التنزيل» سماه: «كتاب أصول الضبط»، لكن كتاب أصول الضبط لأبي داود أوسع وأشمل وأكبر حجما من «كتاب النقط» للداني (١).
وبحكم تقدم الداني على أبي داود، وملازمته له، وأخذه عنه، يتطرق إلى الأذهان أن أبا داود لا بدّ أن يكون قد اعتمد على الداني اعتمادا كلّيا أو أن يكون نسخة من شيخه أبي عمرو، ولكن عند المقارنة والموازنة تبين
_________________
(١) ومن خلال تسمية الكتابين نلحظ أن أبا عمرو الداني مال إلى استعمال نقط أبي الأسود، بل رغب فيه وحث عليه وأنكر استعمال شكل الخليل، فلذلك سمى كتابه «كتاب النقط»، بينما نلاحظ أن أبا داود سليمان بن نجاح رغب في استعمال شكل الخليل ولم يمنع من استعماله في المصحف، فلذلك سمى كتابه «أصول الضبط» إشارة إلى هذا المعنى، لأن شكل الخليل يدخل فيه من باب أولى وأحرى.
[ ١ / ٣٢٨ ]
لي بجلاء استقلال شخصية أبي داود عن الداني وعن كتابه: «المقنع»، بل ثبت لي تفوق أبي داود على شيخه الداني في علم هجاء المصاحف، وإن كان استفاد منه.
ولم أجد بينهما تشابها لا في المنهج، ولا في العرض، ولا في الاختيار والترجيح، فشتان ما بين «التنزيل» و«المقنع»، إذ هناك أمور كثيرة يوجد فيها اختلاف واضح، وتباين كبير بين الكتابين. فتباينا في المنهج، وتباينا في التعليل، وتباينا في الطريقة في وصف هجاء الكلمات، وتباينا في غزارة المادة العلمية، وتباينا من حيث الشمول والاستقصاء. فالداني اعتمد على ما رواه عن شيوخه، واقتصر عليه، ولم يزد على ذلك.
وأبو داود أكثر من تتبع ظواهر هجاء جميع مصاحف الأمصار بالوصف والعد والتقطيع والوزن، فكان وصفه دقيقا لم يرق إليه وصف آخر، الأمر الذي خلا منه كتاب المقنع.
ولقد برزت شخصية المؤلف أبي داود في اختياراته وترجيحاته، بل خالف شيخه أبا عمرو الداني في كثير من المواضع.
وإذا كان الخرّاز وصف في نظمه «مورد الظمآن» كتاب «المقنع» لأبي عمرو الداني بالأجلّ، فإن كتاب «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» أجل من الأجل. وهذا يؤخذ من صريح قوله:
وذكر الشيخ أبو داودا* رسما بتنزيل له مزيدا (١)
_________________
(١) انظر: تنبيه العطشان ورقة ١٦.
[ ١ / ٣٢٩ ]
لأن الشيخ أبا داود ذكر في كتابه: «التنزيل» كل ما في كتاب «المقنع» وزاد عليه حروفا كثيرة. قال الشيخ ابن عاشر: «إن جملة المرسوم التي اشتمل عليها التنزيل أكثر من جملة المرسوم التي اشتمل عليها المقنع والعقيلة» (١).
ثم إن كتاب «التنزيل» وذيله يتسم بالشمول والتوسع وإضافة بعض المباحث المتعلقة بعلوم القرآن، وكل ما يحتاجه نساخ المصاحف كالقراءات وعد الآي والأجزاء والأحزاب والخمس والعشر والمكي والمدني. الأمر الذي خلا منه كتاب «المقنع» للداني.
ويتسم التنزيل بمنهجه الفريد الذي رتبه على ترتيب المصحف الشريف واستقصى فيه كل حروف القرآن فضلا عن بعض التوجيهات والتعليلات.
فاستوعب الرسم استيعابا لا مثيل له عند غيره، فتلقاه الناس بالرضا والقبول، ونال إعجاب كتّاب المصاحف، فجرى العمل في رسم المصاحف بما قرره واختاره في كتابه.
ثم إن لأبي داود مذهبا في الرسم دافع عنه وانتصر له، وخالف فيه غيره، فهو بحق لا يدانيه أي كتاب آخر، ولا تصح مقارنته.
قال الشيخ الإمام المقرئ سيدي محمد بن صالح بن ملوكة التونسي، بعد أن تعرض للمقارنة بين كتاب المقنع والعقيلة والتنزيل، قال: «وإن تنزيل أبي داود قد زاد على الجميع، فهو خلاصة الخلاصة لما اشتمل عليه من زيادة المسائل، وكمال التحرير، فكلامه [الخراز] صريح في أن كتاب
_________________
(١) انظر: فتح المنان ورقة ١٥، التبيان ورقة ٦٧، دليل الحيران ٢٨.
[ ١ / ٣٣٠ ]
أبي داود، أجل من الأجل» ثم قال: «ومذهب أبي داود أرجح من مذهب أبي عمرو الداني، والخراز ما نوّه بالتعيين بلفظ الشيخ إلا في جانب أبي داود»، ثم قال: «إذ لا يلزم من كون الداني أعلم من أبي داود بالتجويد أن يكون أعلم منه بعلم الرسم، كيف وقد تبين لك أن أبا داود﵀- أبرع في علم الرسم من أبي عمرو الداني بشهادة الخراز﵀- وبما ثبت له في مسألتنا على أبي عمرو الداني» (١) ثم ذكر حججا قاطعة على براعة أبي داود في علم رسم المصاحف، وقال: «فقد ثبت أن رأي أبي داود في مسألتنا أصوب بلا شك ولا ريب» (٢).
ويقول الشيخ عبد الهادي حميتو: «واعتبر ابن نجاح عميدا لمدرسته- أي الداني-، ومفرعا لمسائله، ومبينا لمقاصده، وإن كان قد تجاوزه في كثير من الاختيارات والترجيحات بحيث يكاد يشكل مدرسة ثانية إن لم يكن كذلك فعلا» (٣).
أقول: لا يظهر أمام «التنزيل» أي كتاب آخر في فن الرسم بما فيه «المقنع» للداني، فالتنزيل إمام كتب هجاء المصاحف.
والنتيجة، أن ليس بينهما أدنى تقارب لا في المنهج ولا في الأسلوب، ولا في الطريقة، وإن كان أبو داود استفاد من شيخه أبي عمرو الداني.
فكتاب «التنزيل» يمتاز بالشمول والاستيعاب واستقصاء ظواهر الرسم كما يمتاز بالسهولة والترتيب مما يسهل الاستفادة منه، والله أعلم.
_________________
(١) رسالة مخطوطة ضمن مجموعة رقم ١٦٩/ ٨ بمكتبة الحرم.
(٢) مبحث ضبط الذي والتي ورقة ٣٣٨.
(٣) رسالة خاصة من الشيخ عبد الهادي حميتو آسفي بالمغرب.
[ ١ / ٣٣١ ]
وقد ألف في موضوع هجاء المصاحف من المعاصرين للمؤلف أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي (٤٣٠ هـ)، ومحمد بن يوسف بن أحمد بن معاذ الجهني (٤٤٢ هـ).
فالمهدوي صنف رسالة في موضوع هجاء المصاحف تقع في نحو ١٨ ورقة إلى ٢٦ ورقة. وقد جاء في أولها: «جزء فيه هجاء مصاحف الأمصار على غاية التقريب والاختصار» مما عني بتأليفه أبو العباس المهدوي (١).
وابن معاذ الجهني صنف رسالة في الموضوع نفسه تقع في نحو ٢٨ ورقة بعنوان: «كتاب البديع في معرفة ما رسم في مصحف عثمان بن عفان» (٢).
وعند ما تأملت الكتابين المذكورين، وجدت أنهما بلغا في الإيجاز والاختصار الشديد منتهاه، ولم يدنوا من «التنزيل»، ولا تصح مقارنتهما به بحال من الأحوال.
وإذا انتقلنا إلى ما بعد عصر أبي داود نجد أبا إسحاق إبراهيم بن وثيق الأندلسي المتوفى ٦٥٤ هـ يؤلف رسالة في هجاء المصاحف، تقع في نحو ٣٧ ورقة إلى ٥٠ ورقة، اسمها: «الجامع لما يحتاج إليه من رسم المصاحف» (٣)، والمتأمل فيها يجد أن مؤلفها حذا فيها حذو أبي داود في «التنزيل»، وأثر «التنزيل» فيها والاستفادة منه واضحان جدا، إلا أنها تمتاز بالإيجاز والاختصار.
وحينئذ سيبقى كتاب «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» متميزا على غيره في طريقته، وفي شموله وفي منهجه وفي قيمته العلمية، والله أعلم.
_________________
(١) حققه محيي الدين رمضان، ونشرته مجلة معهد المخطوطات العربية، المجلد ١٩، الجزء الأول ١٣٩٣ هـ.
(٢) حققه غانم قدوري الحمد، ونشرته مجلة المورد، المجلد ١٥، عدد ٤، سنة ١٤٠٧ هـ.
(٣) حققه غانم قدوري الحمد وطبع في مطبعة العاني، بغداد.
[ ١ / ٣٣٢ ]