إن الدراسة النقدية للكتاب، وإبراز ما فيه من جوانب مهمة، وأخرى سلبية، أو مآخذ على المؤلف هو من صنيع العلماء النقاد الذين جمعوا بين العلم والعمل الصالح، والذين هم في مستوى المؤلف أو فوقه، والذين لهم النظر البعيد في موضوع الكتاب، وليس من شأني. إلا أن الذي جعلني أبدي بعض الملاحظات أن الإنسان مهما أحرز من تقدم في ميادين العلم والمعرفة، فلن يبلغ درجة الكمال الذي هو لله وحده، ويسعفني في هذا الأمر الرجوع إلى كلام العلماء في مثل هذه الملاحظات على بعض ما فرط من المؤلف في كتابه، وأبني على كلامهم.
فأقول- والله المستعان-: من خلال دراستي للكتاب ومعايشتي له حينا من الدهر تبينت لي بعض الملاحظات على المؤلف ويمكن إرجاع هذه المآخذ إلى قسمين:
قسم يتعلق بالناحية المنهجية. وقسم يتعلق بالناحية العلمية.
أما فيما يتعلق بالقسم الأول، وهو المنهج الذي سار عليه في كتابه، وهو تتبع وصف هجاء المصاحف من أول القرآن إلى آخره، فاضطره ذلك إلى التكرار وحشد الأمثلة، وإعادتها دون الاكتفاء بالموضع الأول منها، والاستغناء بالمتقدم عن المتأخر وإحالته على المتقدم. بل جاء التكرار ظاهرة لافتة للانتباه، وهذه الملاحظة تعزى للمنهج، لا للمؤلف، لكن المؤلف أفرط فيها.
وقد لاحظ المؤلف نفسه ظاهرة التكرار، فبين وجه الحاجة إليه، فقال
[ ١ / ٣٣٣ ]
عند قوله: والله ذو فضل (١): «وقد ذكرت ذلك كله وإنما تكرر للبيان، وخوف النسيان على ناسخ المصحف، فيكون تذكرة للحافظ الفاهم غير ضار له، وتنبيها وتعليما
لغيره».
إلا أنه أكثر من التكرار؛ مثل ما ذكره في إسقاط الياء من الفعل المضارع لدخول الجازم عليه، فكررها ثلاث مرات ضمن مجموعة، ثم أعاد ذكر كل حرف في موضعه من السورة وقد وجدت في هذا التكرار صعوبة ومشقة في العزو والربط والإحالة.
إن المؤلف يذكر بعض الكلمات في أول مواضعها بحكم ما، ويحيل ما تأخر منها على ما تقدم أو يعيد ذكرها، وهذا هو المنهج الذي اتبعه، لكنني لاحظت بعض ما يخالف هذا فيذكر بعض الحروف في أول مواضعها، ويسكت عن البعض الآخر، ثم ينص على صيغة التعميم بعد أن يمر على مواضع ذكرها أو لم يذكرها، فلذلك يجب التنبه إلى مثل هذا المنهج ليكون النقل والاقتباس صحيحا، وحتى لا يحصل خلاف في كلمات متناظرة، والأمثلة على هذا كثيرة:
منها: نص المؤلف على حذف الألف في قوله تعالى: والأنعم (٢)، ولم يصرح بصيغة التعميم، وذكر الموضع الثاني في قوله تعالى:
فليبتّكنّ ءاذان الانعم (٣)، وسكت عن قوله تعالى: أحلّت لكم بهيمة الانعم (٤)، ولم يصرح بصيغة التعميم إلا في موضعه الرابع عند قوله: والانعم نصيبا (٥) فقال: «بحذف الألف بين العين والميم
_________________
(١) من الآية ١٥٢ آل عمران.
(٢) من الآية ١٤ آل عمران.
(٣) من الآية ١١٨ النساء.
(٤) من الآية ٢ المائدة.
(٥) من الآية ١٣٧ الأنعام.
[ ١ / ٣٣٤ ]
حيثما أتى»، فالذي لم يلاحظ هذا الموضع يأخذ بعض الحروف بالحذف، وبعضها بالإثبات.
ومنها قوله تعالى: عقبة لم يصرح بصيغة التعميم إلا في موضعه الثالث عند قوله: عقبة الدّار (١)، فقال: «بحذف الألف بين العين والقاف حيثما وقع»، ولقد مر على كلمة السّلطن في مواضع كثيرة، ولم ينص إلا على الحرف الأول بدون تعميم وسكت عن جميع مواضعه إلا عند قوله: مّا أنزل الله بها من سلطن (٢) فصرّح بحذف الألف في جميع مواضعه.
وكذلك فعل في قوله تعالى: شهدة (٣) فلم يصرّح بحذف الألف بصيغة التعميم إلا في الموضع الثاني (٤)، ولم يذكر ذلك في الموضع الأول.
بل إنه في بعض الأحيان يسكت عن الموضع الأول ويصرّح بالحذف بصيغة التعميم في الموضع الذي يليه، ويتضح ذلك في قوله تعالى:
فصيام ثلثة أيّام (٥) صرّح بالحذف بصيغة التعميم في موضعه الثاني عند قوله تعالى: ثلثة قروء (٦)، فقال: «حيث وقع».
_________________
(١) من الآية ١٣٦ الأنعام.
(٢) من الآية ٤٠ يوسف.
(٣) من الآية ١٣٩ البقرة.
(٤) من الآية ٢٨٢ البقرة.
(٥) من الآية ١٩٥ البقرة.
(٦) من الآية ٢٢٦ البقرة.
[ ١ / ٣٣٥ ]
فبمثل هذا المنهج يجعل الناظر في موضع واحد- غير عارف بمنهج المؤلف- يقع في الخطأ، ربما يأخذ بعض الحروف بالحذف وبعضها بالإثبات، وهناك من الحروف المتقدمة التي سكت عنها ولم يذكر صيغة التعميم إلا في موضعها الثاني، فإن المؤلف سكت عن قوله تعالى:
وأسرّوه بضعة (١) فحمل سكوت المؤلف عنها بعض الناس على إثبات الألف فيها ممن لم يطلع على الموضع الثاني عند قوله: اجعلوا بضعتهم (٢) لأنه صرّح هنا بصيغة التعميم، فقال: «وبضعتهم» بغير ألف حيث ما أتى». فبمثل هذا المنهج أوقع كثيرا من نساخ المصاحف في اللبس والاضطراب ممن لم يطلع على جميع مواضعه.
قال ابن القاضي:
بضاعة بالحذف في التنزيل* من غير تقييد فخذ تفصيلي وقول من يخص بالإضافة* فردّ قوله وخذ خلافه (٣) ومثلها قوله تعالى: على ءاثرهم (٤) لم يصرح بصيغة التعميم إلا عند قوله: على ءاثرهم (٥) في موضعه الثاني، فقال: حيثما وقع بغير ألف».
ومثلها: خزائن (٦) سكت عن الموضع الأول وصرّح في موضع
_________________
(١) من الآية ١٩ يوسف.
(٢) من الآية ٦٢ يوسف.
(٣) انظر: بيان الخلاف والتشهير ٦٢.
(٤) من الآية ٤٨ المائدة.
(٥) من الآية ٦ الكهف.
(٦) من الآية ٥٥ يوسف.
[ ١ / ٣٣٦ ]
سبحان (١) بإثبات ألفه في سائر القرآن، وقال «كما قدمناه» ولم يتقدم له ذكر.
بعض الحروف لم يتضح فيها مذهب المؤلف، مثل قوله: صلاتي وحياتي المضافة إلى الضمير ذكر الخلاف في صدر البقرة دون ترجيح عند قوله: ويقيمون الصّلوة (٢) فقال: إذا أضيفت إلى الضمير، اختلفت المصاحف في إثبات ألف مكان الواو وفي حذفها، ولم يذكر ترجيحا.
وكذلك حين ذكر تلك الكلمات في مواضعها من السور، واقتصر في بعضها كقوله تعالى: في حياتكم الدّنيا (٣)، وقوله: قدّمت لحياتي (٤)، وقوله: عن صلاتهم (٥) على الحذف فتارة يطلق فيها الخلاف بدون ترجيح، وتارة يقتصر على الحذف، ولعل اقتصاره عليه يعد ترجيحا منه، إلا أن المؤلف لم يصرح بمذهبه فيها.
وكذا لم يظهر مذهب المؤلف في قوله: بئايتنا فقال: «كتب في بعض المصاحف بياءين على الأصل قبل الاعتلال من غير ألف، وفي بعضها بياء واحدة» وكذا حين ذكرها في مواضعها من السور، واقتصر في بعضها كقوله تعالى: بئايت في الأنفال (٦) على الياءين ولم يتضح فيها مذهبه.
_________________
(١) من الآية ١٠٠ الإسراء.
(٢) من الآية ٢ البقرة.
(٣) من الآية ١٩ الأحقاف.
(٤) من الآية ٢٧ الفجر.
(٥) من الآية ٥ الماعون.
(٦) من الآية ٥٥ الأنفال.
[ ١ / ٣٣٧ ]
وأما ما يتعلق بالقسم الثاني، أي الناحية العلمية، ويتمثل ذلك في أن المؤلف﵀- فاته عدد كثير من الحروف والكلمات، أغفل ذكرها في مواضعها الأولى، وذكرها في المواضع التي تليها، أو في مواضعها المتأخرة بعد أن يمر على حروف منها. ولم يصرح لا في المتقدم ولا في المتأخر بصيغ تشعر بالتعميم، فأدى ذلك إلى اضطراب وخلط عند نساخ المصاحف والناقلين عنه، فأخذ له بعضهم بالإثبات فيها، لسكوته عنها، وقالوا: إن الأصل الإثبات، وهي من ذوات النظير.
وبناء على ذلك وضع المتأخرون ونساخ المصاحف تقسيما جرى عليه العمل في مصاحف أهل المشرق، وآخر جرى عليه العمل في مصاحف أهل المغرب. وقد وضع ذلك في مذكرة بعض مشايخ هذا العلم بين فيها ما اختلف فيه بين مصاحف المشارقة والمغاربة رسما باعتبار عمل اليوم.
وركّز على ما جرى به العمل في مصاحف أهل المشرق، وفي مصاحف أهل المغرب.
أقول: هذا التقسيم في رسم المصاحف لا يستند على أساس وليس له سند، فقالوا: جرى عمل المشارقة على كذا، وجرى عمل المغاربة على كذا.
هذا التقسيم يجب أن يمحى، ويزال العمل به، إنه حادث لم يكن في القرون التي خلت، فالعمل به مخالف للنص، ويوسع من هوة الخلاف بين المسلمين في مصاحفهم.
ويكون عمل المشارقة أو المغاربة مقبولا إلى حد ما إذا وجد أصل الخلاف، ولم يظهر وجه الترجيح، كأن تختلف المصاحف الأمهات
[ ١ / ٣٣٨ ]
العتيقة المظنون بها الصحة في حرف ما، فيرسم في بعضها بالحذف، ويرسم في بعضها الآخر بالإثبات، وجاءت الرواية مبهمة من غير تسمية مصر بعينه، فبهذه الصفة وبهذه الكيفية، قد يسوغ للمشارقة أو المغاربة أن يختاروا أحد الوجهين.
أما أن يختار المشارقة أو المغاربة الإثبات في بعض الحروف التي سكت عنها أبو داود بحجة أن الأصل الإثبات، فهذه حجة واهية، لأن غيره نص على حذفها، وكذا الحروف التي سكت عنها الداني. وقد يكون الحرف المسكوت عنه من الحروف التي اتفقت عليها المصاحف بالحذف، فسكوت أحد الشيخين عنها لا يلزم منه الإثبات.
من ذلك مثلا قوله تعالى: من تفوت (١) جاءت ثابتة في المصحف برسم الداني في الوقت الذي نقل فيه أبو داود حذف الألف في جميع المصاحف، ويؤيد الحذف قراءة الأخوين بحذف الألف وتشديد الواو.
والأمثلة على هذا النمط كثيرة، بل هناك كلمات متناظرة حذفت في موضع وأثبتت في موضع آخر، وهذا اضطراب وفساد يجب الرجوع عنه، فتبين لي من خلال استقراء منهج المؤلف وكلام العلماء فيها أن الحذف فيها أرجح، حملا على نظائرها، ولنص غيره عليها ويكون سكوته عليها من قبيل السهو والنسيان، فجل من لا يسهو، والله
أعلم.
_________________
(١) من الآية ٣ الملك.
[ ١ / ٣٣٩ ]
ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف قوله تعالى: عليكم الغمم الموضع الأول (١)، وقوله تعالى: ظلل مّن الغمم الموضع الثاني (٢)، ولم يأت في «التنزيل» في الألفاظ التي بعدهما بما يشعر بتعميم الحذف، واقتصر أهل المشرق عليهما بالإثبات. وعمّم الحذف البلنسي صاحب المنصف في جميع ألفاظه، وتابعه المغاربة في رسم مصاحفهم.
ومن الكلمات التي سكت عنها قوله تعالى: وبالولدين إحسنا (٣) الألف التي بين السين والنون، ونص على الألفاظ التي تليها بالحذف، ولم يرد فيها ما يشعر بتعميم الحذف. فرسمها أهل المشرق بإثبات الألف وحذفوها في بقية المواضع وذهب أهل المغرب إلى الحذف في جميع مواضعه وعليه مصاحفهم موافقة لنظيره ولنص صاحب «المنصف» على الحذف في الجميع.
ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف قوله تعالى: من شعيئر الله (٤) وذكر الموضع الثاني وما يليه ولم يرد فيه ما يشعر بتعميم الحذف في جميع مواضعه. ونظرا لسكوت أبي داود عليه أثبته أهل المشرق في
_________________
(١) في الآية ٥٦ البقرة.
(٢) في الآية ٢٠٨ البقرة.
(٣) من الآية ٨٢ البقرة.
(٤) من الآية ١٥٧ البقرة.
[ ١ / ٣٤٠ ]
مصاحفهم وحذفوا بقية مواضعه. ونص على الحذف في الجميع صاحب المنصف، وجرى عليه العمل في مصاحف أهل المغرب.
بل إن هناك كلمات لم يذكرها البتة في جميع مواضعها وفي جميع النسخ المخطوطة الست التي طالعتها، فذكر له الخرّاز حذف ألف قوله تعالى:
الاسبب ما عدا موضع البقرة (١) فإنه ثابت لأبي داود، فقال:
«وابن نجاح ما سوى البكر نقل» وتبعه على ذلك شراح مورده، ولقد راجعت جميع نسخه المخطوطة وفي جميع مواضعه، ولم أجد أبا داود تعرض له لا بحذف ولا بإثبات. ونص على حذفه صاحب المنصف.
وقالوا: وجرى العمل بإثبات ألف: الاسبب في موضعه الأول في مصاحف المشرق، وبحذف الألف في الجميع في مصاحف أهل المغرب.
وهذا من الغرائب لأن أبا داود لم يذكرها البتة، وإنما ذكرها بالحذف صاحب المنصف البلنسي.
إن المنهج الذي استقرأته من تأملاتي لكتاب «مختصر التبيين لهجاء التنزيل»، لاحظت فيه أن المؤلف إذا لم تبلغه رواية في حرف ما يصرح بذلك، ويقول: «ليس لي في هذا الحرف رواية» ويطلق للناسخ أن يختار ما يشاء، إذا لم يكن هناك ما يقتضي الترجيح كالقراءة.
_________________
(١) من الآية ١٦٥ البقرة.
[ ١ / ٣٤١ ]
ولو أراد إثبات الألف في بعض الحروف ذوات النظائر لصرّح بذلك كما فعل عند قوله تعالى: عظامه (١) قال: بألف ثابتة، مع أنه ذكر في الحروف المتقدمة الحذف في قوله تعالى: عظما فكسونا العظم (٢).
وكما فعل عند قوله تعالى: عامل (٣) قال: هنا بألف، بعد أن تقدم له النص على الحذف في نظيره في قوله تعالى: عمل عمل (٤).
فلم يبق سكوته عنها إلا من قبيل السهو، أو النسيان لكثرة حروف القرآن، ولكثرة التشابه، فجل من لا يسهو، أو لعله لم يراجع تأليفه.
فحينئذ لا ينبغي أن تستثنى له هذه الكلمات، وترسم بالإثبات اعتمادا على سكوته. ثم إن غيره نص على حذفها، ولم يعلم له مخالف. فكلمة العظم سكت عن موضعها الأول (٥)، ونص على الحذف في بقية مواضعها، ونص على إثبات الألف في الحرف الأخير.
فلا ينبغي إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه بالإثبات.
وهناك كلمات تجاوزها المؤلف وسكت عنها وهي ذات نظير، ونص على الحذف في موضعها الثاني دون صيغة التعميم، فاضطرب الناس فيها، فأخذ له بعض نساخ المصاحف فيها بالإثبات معتمدين في ذلك على سكوت المؤلف، وقالوا: الأصل الإثبات، وعدّوا هذه الحروف في جملة المستثنيات لأبي داود.
_________________
(١) من الآية ٣ القيامة.
(٢) من الآية ١٤ المؤمنون.
(٣) من الآية ١٣٦ الأنعام.
(٤) من الآية ١٩٥ آل عمران.
(٥) في الآية ٢٥٨ البقرة.
[ ١ / ٣٤٢ ]
ومن هؤلاء العلماء الخرّاز، وتبعه على ذلك شراح «المورد»، وجرى العمل بها عند نساخ مصاحف أهل المشرق، وتمسكوا بسكوت أبي داود عنها. وهي الألف المعانقة للام، أي الواقعة بعد اللام في ثلاث عشرة كلمة أولها قوله تعالى: قل إصلح (١) وعبّروا عنها بالمستثنيات.
أقول: إن المؤلف أبا داود لم ينص على الاستثناء، ولم يرد عنه ذلك البتة، وإنما سكت عنها وأغفل ذكرها سهوا أو نسيانا. بل إن المؤلف في موضعه الثاني في قوله تعالى: إصلحا (٢) ألمح إلى الحذف، فقال:
«بحذف الألف بين اللام والحاء، وقد ذكر».
قوله: «وقد ذكر» فيه إيماء إلى الحذف، ونحن نعلم أنه لا يذكر إلا الحذف في الغالب، وهو كالنص على الحذف، بل إن المؤلف نفسه لم يرض من غيره أن ينص على حرف بالحذف ويسكت عن نظيره. فذكر أن الغازي بن قيس نص على حذف ألف والإبكر في آل عمران (٣)، وسكت عن موضع غافر فقال: «وأحسبه اكتفى بذكر هذا عن ذلك».
وفعل مثل ذلك مع نافع بن أبي نعيم المدني حيث نص على الحذف في حرف دون نظيره، فقال: «وروينا عن نافع في قوله في المائدة: بلغ الكعبة (٤) بغير ألف وأحسبه اكتفى بذكر ذلك هنا لك عن هذا»، يعني قوله تعالى: ببلغيه في غافر (٥).
_________________
(١) من الآية ٢١٨ البقرة.
(٢) من الآية ٢٢٦ البقرة.
(٣) من الآية ٤١ آل عمران.
(٤) من الآية ٩٧ المائدة.
(٥) من الآية ٥٥ غافر.
[ ١ / ٣٤٣ ]
ومن جملة الحروف التي سكت عنها المؤلف قوله تعالى: أنّى يكون لي غلم موضع آل عمران (١)، ونص على الحذف في بقية مواضعه.
ونص الخراز على استثنائه لأبي داود، وتبعه شراح مورده.
أقول: إن أبا داود لم يرد عنه الاستثناء، بل سكت عنه في موضعه، وأغفل ذكره، وقال في الخمس الذي جاء فيه: «وهجاؤه مذكور» وهو لم يتقدم، فلعله أحال على ما يشبهه. وقد ألمح إلى حذف ألفه عند موضعي سورة مريم، فقال: «وبغلم، وبغلم (٢) بحذف الألف، وقد تقدم ذكره كله». فهذا منه كالنص في أن الحذف يشمل كل ما تقدم، دون استثناء ويدخل فيه موضع آل عمران.
ولمجرد سكوت أبي داود ذهب المشارقة إلى إثبات ألفه، فقال الشيخ الضباع﵀-: «فجرى العمل على إثباته» (٣). وكيف يصح إثبات ما نص أبو عمرو الداني في فصل ما أجمع عليه كتاب المصاحف والبلنسي صاحب المنصف على حذفه؟ بل إن صاحب «نثر المرجان» حكى الإجماع على حذفه، فقال: «أجمع أرباب الرسم على حذف الألف بعد اللام منه في القرآن للاختصار حيثما وقع، وكيفما وقع».
وقال ابن القاضي ردّا على من أثبته: «والحق خلافه، لأن الداني صرّح بحذفه» (٤)، ونص ابن وثيق الأندلسي على الحذف في جميع مواضعه، فقال: «بحذف الألف حيث وقع».
_________________
(١) من الآية ٤٠ آل عمران.
(٢) من الآية ٦، ٧ مريم.
(٣) انظر: سمير الطالبين ٥٨.
(٤) انظر: المقنع ١٧، بيان الخلاف ٥١، الجامع ٣٤.
[ ١ / ٣٤٤ ]
أقول: ولو سئل عنه أبو داود لقال بحذفه موافقة لنظيره، وقد تقرر أن السكوت لا يقتضي حكما أصلا، والله أعلم.
ومن هذه الكلمات التي سكت عنها المؤلف قوله تعالى: سبل السّلم (١) ونقل في قوله تعالى: إليكم السّلم (٢) إجماع المصاحف على الحذف، فلعله اكتفى بهذا عن ذلك
كما قال هو للغازي بن قيس فيما تقدم ولم يرد عن المؤلف ما يشعر بالتعميم. ونص أبو عمرو الداني على حذف الألف فيه في فصل ما أجمع عليه كتاب المصاحف ونص على حذفه البلنسي، بل حكى اللبيب إجماع المصاحف على حذف ألف:
سبل السّلم. وقال علم الدين السخاوي: «السّلم في جميع القرآن مرسوم بالحذف».
ثم إن أبا عمرو الداني رواه بالخصوص بالحذف بسنده عن قالون عن نافع بن أبي نعيم (٣). وهذه الرواية عن نافع هي عمدة أبي داود، وعليها يعول وهو ملاحظ في منهجه ومصادره كما بينته.
وبعد هذا فلا ينبغي أن نجعل سكوت أبي داود عنها دليلا على الإثبات.
ثم إن أبا الحسن البلنسي تلميذ المؤلف وقد نظم «التنزيل»، وهو أعرف بحال شيخه أبي داود، نصّ على الحذف في جميع الألفات الواقعة بعد اللام دون استثناء. ونص في مقدمة كتابه «المنصف» أن كل ما ذكره
_________________
(١) من الآية ١٨ المائدة.
(٢) من الآية ٩٣ النساء.
(٣) انظر: المقنع للداني ١١، ١٧.
[ ١ / ٣٤٥ ]
مرويّ عن شيوخه ذوي الرواية والإتقان. فقال:
وإنّني لما رأيت العمرا* منصرما بلغت نفسي عذرا في رجز قصدت فيه الكشفا* عن اتباع الرسم حرفا حرفا دون زيادة ولا نقصان* على الذي قد جاء في القرآن إذ كنت قد أخذته رواية* عن ابن لب من ذوي الدراية وكان شيخا خص بالإتقان* في عصره من أهل هذا الشأن حدثني عن شيخه المغامي* ذي العلم بالتنزيل والأحكام وكل ما ذكرته فعنه* أخذته مما استفدت منه فهذا الإمام نص على حذف الألف المعانق للام في جميع القرآن ولم يستثن من ذلك حرفا. بل إنه نسب حذف الألف المعانق للام إلى المصحف الإمام الذي هو إمام المصاحف المنسوخة منه سواء وقعت الألف بعد اللام المفردة أو بين اللامين. فقال:
وحذفوا الألف بعد اللّام* في أءله ثم في السلم إلى أن قال:
من كل ما قد أثبتوا بلام* أو اثنتين الحذف في الإمام قال أبو عبد الله الصنهاجي مبينا كلامه: «فذكر أن الحذف مع اللام مفردة، مثل الحذف في الألف بين لامين، ونقلوا الحذف في ذلك كله عن مصحف عثمان بن عفان ﵁ ونسب ذلك إلى الإمام» (١).
_________________
(١) انظر: التبيان للصنهاجي ٨٧.
[ ١ / ٣٤٦ ]
قال ابن عاشر: «كيف يخير في رسمها مع أنه لا مخالف لهذا العدل نصا، وزيادة العدل مقبولة» (١).
وقال: «وقد تقرر أن السكوت من شيخ لا يقتضي حكما». وقد جمع الخراز في نظمه هذه الكلمات التي سكت عنها المؤلف﵀- فقال:
سوى قل اصلاح وأولى ظلام تلاوة وسبل السلام* ومثله الأول من غلام وكل حلّاف غلاظ لاهية* ومثله التلاقي مع علانية ثم فلانا لائم ولازب*
وقد اكتفيت ببيان بعضها (٢).
وقال ابن القاضي: «اعلم أن ما ذكره الإمام الخراز في «مورده» عن أبي الحسن البلنسي في كتابه «المنصف»، لأنه جرى بها العمل في زمانه على الحذف، واشتهرت، وصار الناس يعتمدون عليها، وإلا فلا فائدة لذكرها بالخصوص دون غيرها » ثم قال: «كيف وهو إمام قدوة عدل مرضي، وأتى الخرّاز بسنده ونقله عن أئمة أجلة أعلام، فلا يرد قوله، ولا وجه لخموله وعدم اعتباره» (٣).
ومضى ابن القاضي يواصل حديثه في الدفاع عن أقوال صاحب «المنصف».
_________________
(١) انظر: فتح المنان لابن عاشر ٤٥.
(٢) انظر: ذيل عمدة البيان المتصل بمورد الظمآن ص: ١٥.
(٣) ضمن مجموع الجامع المفيد لأحكام الرسم والتجويد لابن القاضي ذكره الشيخ عبد الهادي حميتو ورقة ٣.
[ ١ / ٣٤٧ ]
ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف أبو داود قوله تعالى: أن يّتمّ الرّضعة في موضعه الأول (١)، ونص على الحذف في الموضع الثاني (٢)، ولم يذكر فيه ما يشعر بتعميم الحذف.
ولسكوت أبي داود عنه أخذ له أهل المشرق بالإثبات دون بقية مواضعه.
ونص البلنسي صاحب «المنصف» على الحذف في الجميع، وتابعه أهل المغرب في رسم مصاحفهم موافقة لنظيره، ولنص «المنصف» عليه، وسكوت أبي داود لا يقتضي
الإثبات.
ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف قوله تعالى: إلى العظم في الموضع الأول (٣)، ونص على الحذف في بقية مواضعه إلا موضع القيامة (٤)، وليس فيها ما يشعر بتعميم الحذف. قال الشيخ الضباع:
«وأطلق أبو داود الحذف في سائر ما جاء من لفظه سوى حرفي البقرة والقيامة».
أقول: لا ينبغي التسوية بين حرفي البقرة والقيامة، لأن حرف البقرة سكت عنه، وحرف القيامة نص على إثبات ألفه على الخصوص، وبهذه التفرقة جرى العمل في مصاحف أهل المشرق. ونص صاحب «المنصف» على الحذف في الجميع سوى القيامة، وعليه مصاحف أهل المغرب.
_________________
(١) من الآية ٢٣١ البقرة.
(٢) من الآية ٢٣ النساء.
(٣) في الآية ٢٥٨ البقرة.
(٤) في الآية ٣ القيامة.
[ ١ / ٣٤٨ ]
ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف قوله تعالى: مّن نّخيل وأعنب في البقرة (١)، وقوله تعالى: وجنّت مّن أعنب في الأنعام (٢)، ونص على الحذف في المواضع التي تلي الموضعين السابقين، ولم يأت فيها ما يشعر بتعميم الحذف فيهن، وبه جرى عمل أهل المشرق بإثبات الألف فيهما نظرا لسكوت أبي داود عنهما.
ونص صاحب المنصف على الحذف في الجميع دون استثناء، وعليه عمل أهل المغرب في مصاحفهم.
وسكت المؤلف عن قوله تعالى: ضعفا خافوا عليهم (٣)، وسكوته عنها لا يقتضي الإثبات البتة، لأن هذه الكلمة رواها أبو عمرو الداني بسنده عن قالون عن نافع بالحذف، وهذه الرواية نفسها هي عمدة أبي داود، وعليها يعول كما هو ملحوظ في كتابه «التنزيل» وقد بينته في منهجه وطريقته.
ثم إن هؤلاء الذين يأخذون بالإثبات لكل ما سكت عنه أبو داود في «التنزيل»، لم يخالفون في هذه الكلمة، ويأخذونها بالحذف؟! فهذا اضطراب وفساد، ومنهج متباين.
ولهذا المعنى أشار صاحب كشف العمى والرين عن ناظري مصحف ذي النورين:
_________________
(١) من الآية ٢٦٥ البقرة.
(٢) من الآية ١٠٠ الأنعام.
(٣) من الآية ٩ النساء.
[ ١ / ٣٤٩ ]
واحذف بقوة ضعفا خافوا ولا تخف إذ ضعف الخلاف (١) ومن الكلمات التي سكت عنها المؤلف: العدوة في موضعه الأول في قوله تعالى: فأغرينا بينهم العدوة (٢)، ولم يأت في الألفاظ التي أتت بعد في «التنزيل» بما يشعر بتعميم الحذف. فرسمه أهل المشرق في مصاحفهم بإثبات الألف، وحذفوها في بقية مواضعه. ونص صاحب «المنصف» على الحذف في جميع ألفاظه. وقال ابن القاضي: «والعمل بالإثبات والحذف أولى لنص المنصف كنظائره».
ومن الكلمات التي سكت عنها المؤلف: مبرك، ونصّ على حذف الموضع الأخير في قوله تعالى: كتاب أنزلنه إليك مبرك (٣)، وسكت عن الموضعين في الأنعام (٤)، وموضع الأنبياء (٥). ولم يرد عن المؤلف ما يشعر بتعميم الحذف، وعليه اقتصر رسم مصاحف أهل المشرق.
وعمم الحذف في جميعهن أهل المغرب وهو الأولى؛ لأن الداني نص على الحذف فيهن.
وكذلك سكت المؤلف عن قوله: مّبركا، ونص على الموضع الأخير في قوله تعالى: ونزّلنا من السّماء ماء مّبركا (٦)، ولم يذكر
_________________
(١) انظر: كتاب إيقاظ الأعلام ٢٧.
(٢) من الآية ١٥ المائدة.
(٣) من الآية ٢٨ سورة ص.
(٤) من الآية ٩٣ و١٥٦ الأنعام.
(٥) من الآية ٥٠ الأنبياء.
(٦) من الآية ٩ سورة ق.
[ ١ / ٣٥٠ ]
موضع آل عمران (١)، ومريم (٢)، والمؤمنون (٣)، ولم يرد عنه ما يشعر بتعميم الحذف، وعليه عمل أهل المشرق، ونص الداني على الحذف في الجميع، وعليه عمل أهل
المغرب في مصاحفهم.
ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف: تبرك وقد وردت في تسعة مواضع، ونص على الحذف في الموضعين الأخيرين في قوله تعالى:
تبرك اسم ربّك (٤)، وقوله تعالى: تبرك الّذي بيده الملك (٥)، وسكت عن موضع الأعراف (٦)، والمؤمنون (٧)، وموضعي الفرقان (٨)، وموضع غافر (٩)، والزخرف (١٠).
ولم يرد في الموضعين المذكورين ما يشعر بتعميم الحذف، وعلى هذا مصاحف أهل المشرق، والصواب أن الحذف يشمل الجميع طردا للباب، قياسا على نظائرها، بل إن الداني نص على الحذف في جميعهن، فقال:
«حيث وقع»، وذكر ذلك في فصل ما أجمع عليه كتاب المصاحف (١١)، فحينئذ العمل بالإثبات في المسكوت عنه مخالف للنص. ونص على
_________________
(١) من الآية ٩٦ آل عمران.
(٢) من الآية ٣٠ مريم.
(٣) من الآية ٢٩ المؤمنون.
(٤) من الآية ٧٧ الرحمن.
(٥) من أول آية في الملك.
(٦) من الآية ٥٣ الأعراف.
(٧) من الآية ١٤ المؤمنون.
(٨) من الآية ١٠ و٦١ الفرقان.
(٩) من الآية ٦٤ غافر.
(١٠) من الآية ٨٥ الزخرف.
(١١) انظر: المقنع للداني ص ١٨.
[ ١ / ٣٥١ ]
الحذف في جميع ألفاظه- حيث وقع- ابن وثيق الأندلسي في «جامعه» (١).
ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف قوله تعالى: لا يستخرون ساعة، في الأعراف (٢)، ونص على حذف الألف بعد التاء في بقية مواضعه، ولم يرد عنه ما يشعر بتعميم الحذف، وبه جرى عمل مصاحف أهل المشرق.
ونص على حذف الألف في الجميع البلنسي صاحب المنصف بلا قيد.
قال ابن القاضي: «العمل بالإثبات وحذفه أولى». وعليه مصاحف أهل المغرب. ومن الغريب أن نرى في مصحف برواية قالون ألحقت فيه ألف صورة للهمزة، هذا رأي لم يقل به أحد من علماء الرسم.
ومن الحروف التي سكت عنها أبو داود قوله تعالى: وإذ أنجينكم مّن ءال فرعون (٣) فرسمت في مصاحف أهل الشام بألف من غير ياء ولا نون، وفي سائر المصاحف بالياء والنون من غير ألف، ذكر ذلك أبو عمرو الداني في باب ما اختلفت فيه مصاحف أهل الحجاز والعراق والشام المنتسخة من الإمام (٤).
ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف أبو داود الغاوون المعرف بالألف واللام، ولم يذكر منها إلا قوله تعالى: إنّا كنّا غوين (٥) المجرد من الألف واللام، وسكت عن قوله تعالى: من الغاوين (٦)،
_________________
(١) الجامع لابن وثيق الأندلسي ص ٤٠.
(٢) من الآية ٣٢ الأعراف.
(٣) من الآية ١٤١ الأعراف.
(٤) انظر: المقنع ١٠٤، تلخيص الفوائد ٢٨.
(٥) في الآية ٣٢ الصافات.
(٦) في الآية ١٧٥ الأعراف وفي الآية ٤٢ الحجر.
[ ١ / ٣٥٢ ]
وقوله: للغاوين (١)، وقوله: هم والغاوون (٢)، وقوله:
الغاوون (٣)، فجرى العمل بإثبات الألف في هذه المواضع.
ومما سكت عنه أبو داود ولم يتعرض له قوله تعالى: سقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام (٤) فسقاية وعمارة سكت عنهما أبو داود، فأخذ له أهل المشرق وبعض أهل المغرب بالإثبات. والحذف هو الصواب رعاية لقراءة أبي جعفر من رواية ابن وردان بخلف عنه بضم السين وحذف الياء من: سقاية وبفتح العين وحذف الألف بعد الميم من: عمارة.
وقال الحافظ ابن الجزري: «وقد رأيتهما في المصاحف القديمة محذوفتي الألف كقيامة وجمالة، ثم رأيتهما كذلك في مصحف المدينة الشريفة، ولم أعلم أحدا نص على إثبات الألف فيهما، ولا في إحداهما، وهذه الرواية تدل على حذفها منهما، إذ هي محتملة للرسم».
وقال الشيخ محمد الفيلالي:
سقاية عمارة بالحذف* في ألفيهما بغير خلف وقال في النشر ففي المصاحف* أعني القديمة بغير ألف ومن الكلمات التي سكت عنها المؤلف أبو داود قوله تعالى: إنّك كنت من الخطئين الموضع الأول من سورة يوسف (٥)، ولم يرد في
_________________
(١) في الآية ٩١ الشعراء.
(٢) في الآية ٩٤ الشعراء.
(٣) في الآية ٢٢٣ الشعراء.
(٤) من الآية ١٩ التوبة.
(٥) من الآية ٢٩ يوسف.
[ ١ / ٣٥٣ ]
الموضع الذي يليه ما يشعر بتعميم الحذف في جميع مواضعه. ولم يذكر موضع أول القصص (١). وجرى العمل بالحذف في الجميع في المصحف برواية قالون برسم الداني وعليه مذهب أهل المغرب. وخالف أهل المشرق فأثبتوا الموضع الأول، ووافقوا المغاربة في بقية المواضع، والأول أولى. فاستثناؤه لأبي داود، ونسبة الاستثناء إليه غير سديد، فالمسكوت عنه لا يلحق بالمثبت إلا بنص، وإن أبا داود لما أراد الإثبات من كلمات متناظرة نص على ذلك مثل قوله: جهادا (٢) في الفرقان نص على إثباتها.
ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف قوله تعالى: في أعنقهم في سورة الرعد (٣)، ونص على الموضع الثاني بالحذف، ولم يصرح بصيغة التعميم.
وجرى العمل في مصاحف أهل المشرق بالإثبات في هذا الموضع دون بقية مواضعه تمسكا منهم بسكوت أبي داود. وأطلق صاحب «المنصف» الحذف في الجميع، وبه جرى العمل في مصاحف أهل المغرب.
ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف أبو داود قوله تعالى:
فاجعل أفدة (٤)، كما سكت عنها أبو عمرو الداني والشاطبي والخراز وشراح مورده، كما لم يذكرها ابن القاضي في بيانه الذي التزم
_________________
(١) من الآية ٧ القصص.
(٢) من الآية ٥٢ الفرقان.
(٣) من الآية ٦ الرعد.
(٤) من الآية ٣٩ إبراهيم.
[ ١ / ٣٥٤ ]
فيه بأنه يذكر كل ما سكت عنه المؤلف، وهذه الكلمة: أفئدة رسمت في جميع مصاحف الأمصار في وقتنا هذا بدون صورة للهمزة، وهو القياس الموافق لقراءة الجماعة، إلا أن هشاما عن ابن عامر في أحد وجهيه، قرأ بالياء الساكنة بعد الهمزة وحينئذ يجب أن تكون مرسومة هنا بالياء تنبيها لهذا الوجه، ذكر محمد غوث عن صاحب «الخزانة»، فقال:
«رسمت الهمزة هنا خاصة بالياء في جميع المصاحف»، ونسب ذلك إلى «الإرشاد» وإلى «شرح الشاطبية» لملا عماد وإلى رسالة الجزري في الرسم، وقال: «نصوا على رسم الهمزة هنا خاصة بالياء»، وما جرى به العمل في مصاحف الشرق والغرب في يومنا هذا مخالف لهذه النصوص.
ومن الكلمات التي سكت عنها أبو داود قوله تعالى: الارض مهدا في موضعه الأول (١)، وذكر الموضع الثاني عند قوله تعالى: الارض مهدا (٢)، وقال: «وفيه: مهدا بحذف الألف وقد ذكر» فيكون قوله:
«وقد ذكر» كالنص في أنه ذكره بالحذف ولكن تركه نسيانا أو سهوا.
ومن جهة أخرى فإن فيه قراءات مما يترجح بها الحذف رعاية لها، وقد رواها أبو عمرو الداني بسنده عن قالون عن نافع بالحذف في خصوصها، ثم عمم الحذف بقوله:
«حيث وقع» وهذه الرواية نفسها هي عمدة المؤلف، وعليها يعول كما هو ملاحظ في منهجه وطريقته كما بينته.
وحينئذ بعد هذا لا يبقى مجال للقول بأن الأصل في المسكوت عنه الإثبات كما شاع ذلك عند أهل المشرق، وكما ذكر ذلك الرجراجي حيث
_________________
(١) من الآية ٥٢ طه.
(٢) من الآية ٩ الزخرف.
[ ١ / ٣٥٥ ]
قال: «واستثنى منه الناظم لأبي داود اللفظ الأول منه في القرآن فإنه محمول عند أبي داود على الإثبات».
أقول: بل إنه محمول عند أبي داود على الحذف، والصواب تعميم الحذف في مواضعه الثلاثة (١)، والله أعلم.
ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف قوله تعالى: وخشعت الأصوات (٢) ونص على حذف الألف في بقية مواضعه، ولم يرد فيها ما يشعر بتعميم الحذف، واتفقت مصاحف أهل المشرق وأهل المغرب على إثبات الألف فيه وحذفها في بقية مواضعه، والأولى الحذف في جميع مواضعه طردا للباب وموافقة لنظيره ولنص أبي إسحاق التجيبي على الحذف في الجميع، والله أعلم.
ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف قوله تعالى: قل ربّ احكم (٣) وقد اجتمعت المصاحف على رسمه بغير ألف، وقرأه كذلك حفص عن عاصم خبرا عن الرسول ﷺ، وقرأها الباقون: «قل» بصيغة الأمر (٤).
ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف قوله تعالى: أو لم ير الّذين (٥) فرسمت في مصاحف أهل مكة: ألم ير بغير واو بين الهمزة واللام، وفي سائر المصاحف: أو لم بالواو. ذكرها أبو عمرو
_________________
(١) من الآية ٦ النبإ.
(٢) من الآية ١٠٥ طه.
(٣) من الآية ١١١ الأنبياء.
(٤) انظر: النشر ٢/ ٣٢٥، إتحاف ٢/ ٢٦٨، سمير الطالبين ٥٦، المقنع ١١٤.
(٥) من الآية ٣٠ الأنبياء.
[ ١ / ٣٥٦ ]
الداني في باب ما اختلفت فيه مصاحف أهل الحجاز، والعراق والشام المنتسخة من الإمام (١).
ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف قوله تعالى: التّماثيل (٢) ونص على الحذف في قوله تعالى: وتمثيل (٣) ولم يرد فيه ما يشعر بتعميم الحذف وعليه عمل مصاحف أهل المغرب والمشرق.
ومما يؤخذ على المؤلف ما ذكره عند قوله ﷿: فخراج ربّك (٤)، قال: «ولا أعلم حرفا، اختلف القراء في حذف الألف فيه وإثباتها، واجتمع المصاحف على إثباته غير هذا» متّبعا في ذلك أبا عمرو الداني، والصواب ما ذكره علم الدين السخاوي، حيث قال: «وقد رأيت أنا في المصحف العتيق الشامي الذي ذكرته فيما تقدم «فخراج» بغير ألف، ولقد كنت قبل أن أرى ذلك أعجب من ابن عامر، كيف تكون الألف ثابتة في مصحفهم ويسقطها في قراءته، حتى رأيت هذا المصحف، فعلمت أن إطلاق القول بأنها في جميع المصاحف «فخراج» ليس بجيد، ولا ينبغي لمن لم يطلع على جميعها دعوى ذلك».
لذا يجب حذف الألف رعاية للقراءة، وجرى العمل بالإثبات وهو مخالف للنص.
_________________
(١) انظر: المقنع ١٠٤، تلخيص الفوائد ٣٤.
(٢) من الآية ٥٢ الأنبياء.
(٣) من الآية ١٣ سبإ.
(٤) من الآية ٧٣ المؤمنون.
[ ١ / ٣٥٧ ]
ومن المواضع التي سكت عنها المؤلف قوله تعالى: والقاسية قلوبهم (١)، ونص على حذف بقية مواضعه، ولم يرد فيه ما يشعر بتعميم الحذف، وجرى العمل في مصاحف أهل المشرق والمغرب بالإثبات في موضع الحج وبالحذف في بقية مواضعه.
ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف قوله تعالى: وتقولون بأفوهكم (٢)، ونص على حذف الألف في قوله تعالى: ذلكم قولكم بأفوهكم (٣)، ولم يرد فيه ما يشعر بتعميم الحذف.
أما المضاف إلى ضمير الغائبين نحو قوله ﷿: أفوههم (٤) فنص على حذفه في الجميع. ولا أدري لماذا أخذ له بالإثبات في موضع النور دون بقية المواضع؟
ومن الحروف التي أغفلها أبو داود قوله ﷿: ولا يأتل أولوا الفضل (٥) لم يذكر المؤلف رسمها على قراءة أبي جعفر بياء وتاء بعدها مفتوحتين وهمزة ولام مفتوحتين: ولا يتأل لأن رسمها على قراءة الجماعة يحصر جهة اللفظ بها.
كما لم يذكرها ابن القاضي الذي صرّح في بيانه أن يذكر ما سكت عنه التنزيل، كما لم يذكرها عبد الواحد بن عاشر في «إعلانه» الذي
_________________
(١) من الآية ٥١ الحج.
(٢) من الآية ١٥ النور.
(٣) من الآية ٤ الأحزاب.
(٤) من الآية ١١٨ آل عمران.
(٥) من الآية ٢٢ النور.
[ ١ / ٣٥٨ ]
ضمّنه باقي خلافيات المصاحف من سائر القراءات سوى قراءة نافع. ولم أجد على كثرة التتبع والبحث من نص على هجاء هذه الكلمة على القراءة المذكورة، والله أعلم. وقياس قراءة أبي جعفر يوجب أن تكون مرسومة كذلك في بعض مصاحف أهل المدينة، إلا أنني عثرت على نص نقله ابن الجزري فقال: «وذكر الإمام المحقق أبو محمد إسماعيل بن إبراهيم القرّاب في كتابه «علل القراءات» أنه كتب في المصاحف: «يتل» قال: فلذلك ساغ الاختلاف فيه على الوجهين، انتهى (١).
وهذا الرسم يصلح لحمل القراءتين، ولعله الأولى، لأن الهمزة قد تستغني عن الصورة، والله أعلم.
ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف قوله تعالى: الأمثال في جميع مواضعها في النصف الأول من القرآن، وجملتها سبعة مواضع، ولم يذكر الحذف فيها إلا في النصف الثاني من القرآن ابتداء من قوله تعالى: ويضرب الله الأمثل للنّاس في سورة النور (٢). ولم يأت في الألفاظ التي نص عليها ما يشعر بتعميم الحذف وحذف الجميع أبو إسحاق التجيبي.
ومن الكلمات التي سكت المؤلف عن بعض مواضعها كلمة:
والقواعد نص المؤلف على حذف الألف في قوله تعالى: والقواعد من النساء (٣) الواقعة بين الواو والعين، ولم يذكر الموضعين المتقدمين
_________________
(١) انظر: النشر ٢/ ٣٣١.
(٢) من الآية ٣٥ النور.
(٣) من الآية ٥٨ النور.
[ ١ / ٣٥٩ ]
في البقرة (١) والنحل (٢)، ولم يرد عنه ما يشعر بالتعميم، وبه جرى العمل في مصاحف أهل المشرق وأهل المغرب.
ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف قول الله ﷿: ورجلا سلما في سورة الزمر، لم يذكرها لا بحذف ولا بإثبات، وقياس قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب بألف بعد السين على أنه اسم فاعل، وقراءة غيرهم بحذف الألف على أنه مصدر، يوجب ذلك أن تكون محذوفة الألف جمعا للقراءتين برسم واحد.
ولاحظت في منهج المؤلف أنه عند ما تختلف المصاحف في حرف ما، وقد وردت فيه قراءات، يميل ويرجح الرسم الذي يشمل القراءتين، وقد صرح به عند قوله تعالى: لما ءاتينكم في آل عمران (٣) فقال:
«واكتفى الصحابة بفتح النون عن الألف لدلالتها عليها حسب ما تقدم، وجمعها بين القراءتين بصورة واحدة حسب ما فعلوه في سائر المصاحف ﵃ أجمعين».
وسار على هذه الطريقة في ترجيحاته، إلا أنه خالف ذلك في قوله تعالى: يسألون عن أنبائكم في سورة الأحزاب (٤) فذكر أن المصاحف اختلفت فيه، فكتبوه في بعض المصاحف بألف بين السين واللام على قراءة رويس عن يعقوب: بالسين مفتوحة وتشديدها وألف ممدودة بعدها
_________________
(١) من الآية ١٢٦ البقرة.
(٢) من الآية ٢٦ النحل.
(٣) من الآية ٨٠ آل عمران.
(٤) من الآية ٢٠ الأحزاب.
[ ١ / ٣٦٠ ]
وهمزة مفتوحة بينها وبين اللام، وكتبوا في بعضها بغير صورة للهمزة لسكون السين قبلها، وبذلك أكتب، وهو الذي روينا عن نافع عن مصاحف أهل المدينة.
فهو هنا رجح رسمه دون صورة للهمزة اتباعا لرواية نافع عن مصاحف أهل المدينة، والذي يقتضيه كلامه السابق في طريقة الصحابة في كتابة القرآن أن يكون الرسم بالألف أولى وأحفظ لقراءة رويس.
ومما يؤخذ على المؤلف ما ذكره عند قوله: سبع سموت (١)، قال: «فإنهم أثبتوا الألف بعد الواو خاصة هنا لك [فصلت] وحذفوها قبلها» متبعا في ذلك أبا عمرو الداني.
والذي يظهر من كلام علم الدين السخاوي أن: سموت (٢) يجري فيها ما يجري في مثيلاتها، وما يجري في الجمع المؤنث ذي الألفين. قال السخاوي: «وهذا الذي ذكره أبو عمرو الداني فيه نظر، فإني كشفت المصاحف القديمة، التي يوثق برسمها، وتشهد الحال بصرف العناية إليها، فإذا هم قد حذفوا فيها الألفين من: سموت في فصلت كسائر السور، وكذلك رأيتها في المصحف الشامي».
ثم قال: «فهذا يحتاج إلى تثبت ونظر، ولا ينبغي أن يحكم على البت بأن الألف ثابتة، في سورة السجدة بإجماع».
_________________
(١) من الآية ٢٨ البقرة.
(٢) من الآية ١١ فصلت.
[ ١ / ٣٦١ ]
ومن الحروف التي سكت عنها أبو داود قوله تعالى: بصائر، ولم يذكر من مواضعه إلا موضع الجاثية (الآية ١٩)، وسكت عن موضع الأنعام (١٠٥)، والأعراف (٢٠٣)، والإسراء (١٠٢)، والقصص (٤٣)، وجرى العمل بالحذف بما نص عليه المؤلف وإثبات ما عداه، والله أعلم.
ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف قوله تعالى: كاذبة- خافضة في سورة الواقعة (١)، ونصّ على موضعه الثاني في قوله: كذبة خاطئة في سورة العلق (٢) بالحذف، ولم يأت فيه ما يشعر بالتعميم، وجرى العمل عند أهل المشرق بالإثبات في الأول والحذف في الثاني، وعمّم أهل المغرب الحذف فيهما جمعا للنظائر، ولنص صاحب «المنصف» على الحذف فيهما ورجحه ابن القاضي، فقال: «العمل بالإثبات، وحذفه أولى للنص والنظائر».
ومن الحروف التي سكت عنها المؤلف قوله تعالى: ولا كذّابا (٣) لم يتعرض له المؤلف لا بحذف ولا إثبات. ونسب الخراز الحذف إلى أبي داود في «مورده»، فراجعت جميع النسخ المخطوطة، فلم أجد أن أبا داود تعرض له لا بحذف ولا إثبات، وقد لاحظ الشيخ الإمام أبو عبد الله الصنهاجي على الخراز الملحظ نفسه في قوله تعالى: ولا كذّابا، فقال: «وقد طالعت نسخا من «التنزيل» ومن: «مختصر التنزيل»، فما رأيت أبا داود تعرض لذكر الأول ولا الأخير لا بحذف ولا بإثبات، فذكرت ذلك مرة
_________________
(١) من الآية ٢، ٣ الواقعة.
(٢) من الآية ١٧ العلق.
(٣) من الآية ٣٥ النبأ.
[ ١ / ٣٦٢ ]
للناظم ﵀ بمنزله في مدة سكناه بالبلد الجديد، فأخرج مبيضات وأوراقا كثيرة كان بيّض فيها ما نظمه في هذا النظم، فلم يجد فيها:
«كذابا» فتعجب من ذلك، فقال لي: وهو صادق في قوله: «ما نظمت شيئا حتى رأيته وتحققته ووعدني بالبحث فيه، والنظر فيما راجعته فيه حتّى مات ﵀» (١).
ومن الحروف التي سكت عنها أبو داود قول الله ﷿: في المجلس (٢) في سورة المجادلة، وقراءة عاصم بإثبات الألف على الجمع، وقراءة غيره بحذف الألف على الإفراد يوجب أن تكون محذوفة الألف جمعا للقراءتين برسم واحد.
ونص على الحذف الشيخ الضباع وعزاه إلى الشيخين، ولم أقف عليه لا في «المقنع» ولا في «التنزيل».
والله أعلم، والموفق والهادي إلى سواء السبيل.
_________________
(١) التبيان في شرح مورد الظمآن ١٢٢.
(٢) من الآية ١١ المجادلة.
[ ١ / ٣٦٣ ]