إن علم القراءات- بما فيه الرسم مبناه على الرواية والسماع والتلقي في كل عصر ومصر وخاصة في القرون الأولى.
وقد اهتم علماء السلف بالأسانيد، وكانت كل علومهم تتلقى بالرواية أو بالإجازة. والمتتبع لعلماء القراءات حتى نهاية القرن الخامس؛ آخر حياة المؤلف، قل أن يجد منهم من يعتمد فيما يرويه من قراءات وروايات وما يتصل بها على الكتب أو الصحف بأن يقول قرأت في كتاب فلان أو في كتاب كذا، ثم يورد الرواية أو القراءة، فذلك عندهم من العجز والتقصير، بل لا يصح الأخذ عنه لاعتماده على صحف يعتريها التحريف والخطأ.
فالطريقة المتبعة عندهم في رواية الكتب هي قراءتها على مؤلفيها، أو على شيوخ اتصلت أسانيدهم بمؤلفي تلك الكتب أو بإجازة شيوخ لهم مرويات تلك الكتب، وحينئذ يصرحون بتلقيهم لما في تلك الكتب بالإجازة (١).
والمؤلف أبو داود ﵀ في كتابه التنزيل معتمد في كل ما يرويه من حروف في هجاء المصاحف على شيوخه وإن لم يذكرهم صراحة.
وهو ممن روى المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار فصرح في مقدمته بأنه قرأه على مؤلفه أبي عمرو عثمان بن سعيد.
_________________
(١) لاحظ ذلك في كتاب: برنامج التجيبي، وفهرست ابن خير الإشبيلي، وغيرهما من الفهارس الجامعة لروايات الشيوخ وتآليفهم.
[ ١ / ٢٩٩ ]
فكان هو المصدر الذي اعتمد عليه المؤلف، وكان- كما تقدم- يكرر عبارة: «روينا» أو «هذه روايتنا» ولم يذكر المقنع باسمه الصريح إلا في موضع واحد، وذلك لبيان موضع الكلمة في المقنع، بل قرنها بالرواية، فقال عند قوله ﷿: لئن أنجيتنا (١): «وروى لنا أستاذنا أبو عمرو ﵁ في كتابه المقنع في آخر باب منه».
ما عدا هذا الموضع، فإنه يذكر الرواية عن أبي عمرو دون التصريح بذكر كتبه. فقال عند قوله تعالى: هى أربى من أمّة (٢): «وكذا روينا عن أستاذنا أبي عمرو، وعلى ذلك نعتمد».
والمؤلف ﵀ له استقلاله العلمي وبراعته في الرسم فكان يخالفه، فقال عند قوله تعالى: النّبيين (٣) «وأنا أخالف أبا عمرو في هذا».
والواقع الذي لا مرية فيه أن كلّ ما ذكره في وصف هجاء المصاحف في كتابه التنزيل هو مما تلقاه وحفظه ورواه عن شيوخه مسندا، وما تأمله عن المصاحف العتيقة، وإن كان لم يذكر سنده المتصل للتخفيف والاختصار.
فأهل الأندلس والمغرب كانوا ولا يزالون لا يفرقون بين حفظ القرآن وحفظ رسمه، فالأساس الذي عندهم أن رسم القرآن لا ينفصل البتة عن
_________________
(١) من الآية ٢٢ يونس.
(٢) من الآية ٩٢ النحل.
(٣) من الآية ٦٠ البقرة.
[ ١ / ٣٠٠ ]
حفظ القرآن، فهما متلازمان، فالجزء الذي يكتب في اللوح، وهو ثمن الحزب عندهم، لا ينتقل الطالب منه إلى الثمن الذي يليه إلا إذا حفظه رسما ولفظا، فيقترن الخط باللفظ، ولا يمنح الإجازة إلا إذا حفظ القرآن لفظا ورسما، ولا يسمى حافظا إلا إذا أتقن لفظه ورسمه، ولم تعهد هذه الطريقة عند أهل المشرق، فهم يفصلون بين الحفظ والرسم، والأولى أحكم وأتقن وأسلم.
لذا أقول: إن مصدر المؤلف في هذا الكتاب هو حفظه وروايته عن شيوخه. وأستدل على ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أن المؤلف﵀- حينما ذكر وصف هجاء بعض الحروف التي ورد فيها الخلاف، أو لم يجد فيها رواية، نص على أنه لم يجد فيها رواية فقال عند قوله تعالى: وعلمت وبالنّجم (١):
«بغير ألف، كذا رأيته في مصاحف قديمة، وليست لي فيه رواية».
وقد تقدم له ذكر حذف ألف الجمع ذي الألف والألفين في فاتحة الكتاب عند قوله تعالى: ربّ العالمين ولم يذكر أنه رواه.
وقال هنا: «ويجب أن يكون في القياس، مثل ما رويناه من حذف ما اجتمع فيه ألفان، نحو: صلحت، وقنتت».
فهذا يدل على أن كلّ ما ذكره في كتابه مروي ومسند طبقة عن طبقة، بل هناك كلمات متناظرة صرح في كلمة منها بأنه لم يرو فيها شيئا. مثل
_________________
(١) من الآية ١٦ النحل.
[ ١ / ٣٠١ ]
قوله تعالى: مّن ديارهم (١) فذكر جملة ما وقع منه في القرآن خمسة عشر موضعا ونص على حذف الألف بين الراء والياء حيث وقع، وصرّح في قوله تعالى: الدّيار (٢) بأنه لم يرو فيه شيئا، فقال: «فليست لي رواية فيه».
مفهوم كلامه أن الأربعة عشر حرفا الباقية كلها مروية.
وقال في قوله تعالى: الرّياح مبشّرات (٣): «وليست لي فيه رواية كيف كتبه الصحابة ﵃». واختار الحذف ثم قال: «ولا أمنع من الإثبات على اللفظ، إذ لم تأت رواية بخلاف ذلك». وقال في موضعه: «ولم أرو في هجاء هذا الحرف شيئا». مفهوم كلامه أن مجموع بقية مواضعه رواها وبلغته هذه الرواية.
بل إن المؤلف كما عرفنا في منهجه أنه كان يعتمد في بعض الأحيان على رواية نافع بن أبي نعيم المدني، ومثله الغازي بن قيس، فإذا وقع عنده حرف برسم ما دون النص على الرواية لم يتابعه عليه فهو يتبع روايته دون رسمه.
فقال: «ورسم الغازي بن قيس هنا: أرحام الأنثيين (٤) بغير ألف.
وكذا وقع عنده رسما دون ترجمة، ورسم في الأنفال: وأولوا الارحام (٥) بألف والله أعلم كيف وقع هذا، والذي أختاره في الجميع بألف».
_________________
(١) من الآية ٨٤ البقرة.
(٢) من الآية ٥ الإسراء.
(٣) من الآية ٤٥ الروم، وانظر ذلك في الآية ١٦٣ البقرة.
(٤) من الآية ١٤٤ الأنعام.
(٥) من الآية ٧٦ الأنفال.
[ ١ / ٣٠٢ ]
وقال: «ووقع في مصحف الغازي بن قيس: فبأيّ (١) بياءين على الأصل، وليست لي فيه رواية، وبياء واحدة أكتب».
بل إن هناك ما يؤكد أنه يتبع الرواية في رسم المصحف، وإن كانت تخالف قراءته وقراءة المروي عنه. فذكر عند قوله تعالى: إذا مسّهم طئف (٢) اختلاف المصاحف في حذف الألف وإثباتها، ثم قال: «وأنا أستحب كتابته بغير ألف على حسب روايتنا في ذلك عن نافع بن أبي نعيم المدني، وإن كانت قراءته بألف لروايتنا عنه ذلك في الهجاء، ولتتابع الرواية في الخط واللفظ».
الوجه الثاني: أن هذه الحروف التي ذكرها المؤلف ﵀ ووصف هجاءها بالحذف والإثبات أو بالزيادة أو النقص أو بالبدل هي نفسها وجدناها عند أبي عمرو الداني مسندة ومروية بالسند (٣).
فدلّ هذا على أن مصدر المؤلف في وصف هجاء المصاحف في كتابه هو ما حفظه وتلقاه من شيوخه. فكل ما ذكره المؤلف في هذا الكتاب من هجاء المصاحف مروي أو محفوظ أو منقول عن العلماء، وإن كان هذا النقل مجردا من السند، لأن هذه المصاحف حفظت لنا هذه الصور الهجائية، ثم القراءة هي الأخرى حفظت لنا ذلك.
من مصادر المؤلف المصاحف العتيقة، وأعتقد أن المصاحف هي التي
_________________
(١) من الآية ١٨٥ الأعراف.
(٢) من الآية ٢٠١ الأعراف.
(٣) انظر: المقنع للداني ص ١٠ وغيرها.
[ ١ / ٣٠٣ ]
حفظت لنا الهجاء والرسم بطريقة عملية، مما يعطي الثقة الكاملة بكل ما رواه الأئمة.
والمؤلف ﵀ أحيانا كان يلجأ إلى المصاحف ويتأمل فيها وصف الهجاء الذي فقد فيه الرواية. فقال عند قوله ﷿: اجتبيه وهديه (١): اجتبيه بغير ألف، وأصل هذه الكلمة أن تكون بياء، بين الباء والهاء، إلا أنني لم أرو ذلك عن أحد، ولا رسمها أحد في كتابه لا بالياء، ولا بالألف، ثابتة ولا محذوفة، فلما رأيتهم قد أضربوا عنها، تأملتها في المصاحف القديمة، فوجدتها بغير ألف، وفي أكثرها بالألف».
وقال أيضا: «وعلمت (٢) بغير ألف، كذا رأيته في مصاحف قديمة، وليست لي فيه رواية».
فالمؤلف ﵀ عند ما يعدم الرواية يتأمل المصاحف القديمة المظنون بها الصحة.
قال الشيخ حسين الرجراجي: «وإنما الحجة بالمصاحف القديمة التي كتبها الصحابة ﵃ وهي التي اطلع عليها أبو عمرو الداني، وأبو داود، وغيرهما، من الشيوخ المقتدى بهم في هذا الشأن» (٣).
كما هو معروف في موضعه أن المؤلف وصف بأنه من أكثر الملازمين لأبي عمرو الداني، ومن أثبتهم فيه.
_________________
(١) من الآية ١٢١ النحل.
(٢) من الآية ١٦ النحل.
(٣) انظر: تنبيه العطشان ١٤٦.
[ ١ / ٣٠٤ ]
وعلم أن جميع كتب الداني رواها عن شيخه أبي عمرو الداني، وأجازه بها، بل ثبت أنه كان يدرسها ويعلق عليها ووضع على بعضها حواشي. وقد خالفه في بعضها، ومن طريقه وروايته وصل ما وصل منها إلينا.
ومن ثم أقول: إن مصادر المؤلف هي كتب الداني، وقد صنع المؤلف ﵀ فهرسة لما رواه عن شيوخه وتلقاه. قال ابن خلدون في مقدمته: «واشتهر أبو داود بحمل علوم الداني ورواية كتبه» (١).
ومن مصادر المؤلف: البيان في عد آي القرآن لأبي عمرو الداني (٢)، ولم يصرح المؤلف باسم الكتاب، ولكن صرح باسم مؤلفه أبي عمرو، واستفاد منه المؤلف في موضوع السور المكية والمدنية حيث قال: «وقد اختلف في بعض سور القرآن، فقيل: مكية وقيل: مدنية، وأنا أجعل ذلك على الأصحّ من الروايات إن شاء الله حسبما ألفيته ورضيت سنده وقيدته عن الإمام الحافظ أبي عمرو» (٣).
واستفاد منه في موضوع تجزئة القرآن على أجزائه الثلاثين والستين، وفي موضوع تجزئة القرآن على سبعة وعشرين لقيام رمضان على عدد الحروف، إلا أن المؤلف﵀- أظهر استقلاله العلمي، فخالف شيخه الداني في كثير من المواضع التي يكره القطع عليها، واختار مواضع يتم الوقف عليها والابتداء بما بعدها كما تلاحظ في منهجه.
_________________
(١) مقدمة ابن خلدون ١/ ٣٦٦.
(٢) يوجد منه نسخة مخطوطة في مكتبة مخطوطات الجامعة الإسلامية.
(٣) انظر: مقدمة المؤلف في كتابه هذا مختصر التبيين.
[ ١ / ٣٠٥ ]
ومن المؤلفات التي يمكن أن يكون قد استفاد منها: الموضح في الفتح والإمالة وما بين اللفظين، ولم يصرّح باسم الكتاب، إلا أنني لاحظت بعض التشابه عند المؤلف وخاصة فيما يذكره في ذوات الياء مما يرسم بالياء على الأصل والإمالة (١).
ومن المؤلفات التي قد يكون استفاد منها: المحكم في نقط المصاحف لأبي عمرو الداني، ولم يصرح باسم الكتاب، ولكن صرّح باسم مؤلفه، والنص الذي نقله ونسبه إلى الداني هو نفسه في كتاب المحكم، إلا أن استفادته من هذا الكتاب لا تعدّ في موضوع هجاء المصاحف، وإنما تظهر استفادته جلية في موضوع نقط المصاحف في كتاب أصول الضبط وما نقله إلا للرد عليه، فذكر حذف إحدى الياءين في قوله ﷿:
النّبيّين، ونقل عن الداني اختياره حذف الياء الأولى وإثبات الثانية.
فقال: «قال أبو داود: وأنا أخالف أبا عمرو في هذا، وأقول: إن المذهب الثاني أحسن عندي من أجل أن البناء يختل بحذف الأولى» واستفاد منه في حذف إحدى الواوين من قوله: يلوون (٢) وشبهه، وقوله: مستهزءون وشبهه، وقوله: أفإين (٣) وشبهه في زيادة الألف وزيادة الياء وما أشبهه.
فقد لاحظت تشابها في مثل هذه المواضع عند المؤلف كما هي عند أبي عمرو الداني في كتابه: المحكم، وكتابه في النقط الذي جعله ذيلا لكتاب المقنع.
_________________
(١) حققه الأخ محمد شفاعت رباني ونال به درجة الماجستير بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
(٢) من الآية ٧٧ آل عمران.
(٣) من الآية ١٤٤ آل عمران.
[ ١ / ٣٠٦ ]
ومن المؤلفات التي استفاد منها المؤلف: كتاب إيضاح الوقف والابتداء لابن الأنباري، ولم يعين اسم الكتاب، وصرّح باسم مؤلفه أبي بكر محمد بن الأنباري، وظهرت استفادته واضحة في فصل رسم التاءات المفتوحة عند قوله تعالى: أولئك يرجون رحمت الله (١) فجمع جميع التاءات المفتوحة في هذا الموضع، ثم قال: «وهذا الباب رويناه عن ابن الأنباري وغيره بالزيادة والنقصان فأثبتناه على لفظنا وبالله التوفيق». وكل ما ذكره في هذا الباب موافق لكلام ابن الأنباري في كتابه: «إيضاح الوقف والابتداء».
ومما يدل على الاعتماد عليه قوله: «ورسم الغازي وحكم وعطاء:
فبما رحمة مّن الله (٢) بالتاء إلا أنه وقع في كتبهم رسما بغير تقييد، واعتمادي على ما قدمته ولا أكتب هذا الذي في آل عمران إلا بالهاء».
ويعني به ما رواه عن ابن الأنباري في كتابه إيضاح الوقف والابتداء وقال أيضا: إنّما عند الله (٣) متصلا، كذا رسمه الغازي ورويناه عن جماعة منهم ابن الأنباري». وهو موافق لما في كتاب إيضاح الوقف والابتداء.
ومن المؤلفات التي ظهر أثرها واضحا في كتاب التنزيل واعتمد مؤلفه عليها في أكثر الأحوال: كتاب هجاء السنة للغازي بن قيس، الذي روى هجاء مصاحف أهل المدينة.
صرّح المؤلف باسم كتابه في كثير من المواضع،
_________________
(١) من الآية ٢١٦ البقرة.
(٢) من الآية ١٥٩ آل عمران.
(٣) من الآية ٩٥ النحل.
[ ١ / ٣٠٧ ]
فقال عند قوله تعالى: بكلّ ساحر (١) بغير ألف، وكذا رسمه الغازي ابن قيس في كتاب هجاء السنة له الذي أخذه من مصحف نافع بن أبي نعيم المدني.
وبين سبب اعتماده عليه عند قوله تعالى: وتمّت كلمة ربّك الحسنى (٢)، فقال: «ورسمه الغازي بن قيس في كتابه كذلك»، أي بالهاء ثم قال:
«يدل هذا وما قدمناه من قول عاصم، ورسم الغازي بن قيس لذلك بالهاء، أن مصاحف أهل المدينة على الهاء لرواية الغازي بن قيس عن نافع بن أبي نعيم المدني، وأخذه الهجاء عنه ومن مصنفه، وأنه عرض مصحفه بمصحف نافع ثلاث عشرة مرة، وقيل: أربع عشرة مرة، وهو الصحيح في القياس، إذ لم يقرأ أحد هذا الموضع بالجمع».
وصرّح المؤلف باعتماده عليه، فقال: «ورسم حكم وعطاء: لا أرى الهدهد (٣) بألف بعد الراء، ورسمها الغازي بالياء على الأصل، كما قدمنا، وعليه الاعتماد في الخط».
لكن المؤلف اعتمد عليه فيما رواه، لا فيما يرسمه ولا رواية له فيه، فقال: «ووقع في مصحف الغازي بن قيس بياءين على الأصل، وليست لي فيه رواية، وبياء واحدة أكتب» ذكر ذلك عند قوله تعالى: فبأيّ (٤).
_________________
(١) من الآية ١١١ الأعراف، ذكر هذا الكلام في سورة يونس عند الآية ٨١.
(٢) من الآية ١٣٦ الأعراف.
(٣) من الآية ٢٠ النمل.
(٤) من الآية ١٨٥ الأعراف.
[ ١ / ٣٠٨ ]
وقال عند قوله تعالى: وإيتائ ذى القربى (١): «ورسمه الغازي ابن قيس بياء بعد التاء من غير ألف بينهما، وبالألف أكتب». ومثله عند قوله تعالى: أربى من أمّة (٢): «رسمها الغازي بألف، ورسمها عطاء بالألف والياء معا، قال: والألف أجود وأنا أقول: وبالياء أجود لما أصلناه قبل».
ومن مصادر المؤلف التي اعتمد عليها: مصاحف أهل المدينة، وما نقل منها نافع بن أبي نعيم المدني أو الغازي بن قيس، فذكر زيادة الواو في قوله تعالى: لأصلّبنّكم (٣) ثم اختار عدم زيادتها، وقال: «لأنها لم تزد في شيء من مصاحف أهل المدينة التي بنينا كتابنا عليها في الخط والعدد والخمس والعشر».
وقال عند قوله تعالى: وأوصى بها (٤): «إنهم كتبوا في مصاحف أهل المدينة التي بنينا هجاء كتابنا عليها ».
بل إن المؤلف صرّح في مقدمته بذلك، ولم يهمل بقية المصاحف فقال: «وعلى مصحف أهل المدينة يكون تعويلنا في الهجاء، وعدد الآي والخمس والعشر مع تنبيها على من خالفهم في الهجاء من سائر المصاحف الموجهة إليهم» (٥).
_________________
(١) من الآية ٩٠ النحل.
(٢) من الآية ٩٢ النحل.
(٣) من الآية ١٢٣ الأعراف.
(٤) من الآية ١٣١ البقرة.
(٥) انظر: مقدمة المؤلف.
[ ١ / ٣٠٩ ]
وقال عند قوله تعالى: لّكيلا تحزنوا (١): «موصولة في مصاحف أهل المدينة التي بنينا كتابنا عليها، واجتمعت عليها مصاحفهم، فلم تختلف، وكذلك في مصاحف أهل الكوفة والبصرة والشام، وبعض مصاحف أهل بغداد». وقال عند قوله تعالى: كلمت ربّك (٢):
«وكتابنا مبني على هجاء مصحف أهل المدينة ومن وافقهم من سائر الأمصار، وتنبيها على الخلاف لهم».
ومن الشيوخ الذين نقل المؤلف عنهم في التنزيل حكم بن عمران الناقط الأندلسي القرطبي، ومثله عطاء بن يزيد الخراساني، وغالبا ما يذكرهما المؤلف في نسق واحد مقترنين، وفي الأقل يقتصر على أحدهما عند ما يختلفان.
وقد صرح في غير ما موضع أن لهما كتابين، ولم يسم الكتابين، فقال عند قوله تعالى: إنّا لننصر رسلنا (٣) ردا على من ذكر أنه رسم بنون واحدة: «ولا ذكر ذلك عطاء ولا حكم في كتابيهما».
وقال أيضا: «ورسم الغازي وحكم وعطاء رحمت (٤) بالتاء في آل عمران إلا أنه وقع في كتبهم رسما بغير تقييد».
وتارة يفرد عطاء بالذكر مع كتابه.
فقال عند قوله تعالى: كلّ ما ردّوا (٥): «وقال عطاء في
_________________
(١) من الآية ١٥٣ آل عمران.
(٢) من الآية ٣٣ يونس.
(٣) من الآية ٥١ غافر.
(٤) انظر قوله تعالى: يرجون رحمت الله في الآية ٢١٦ البقرة.
(٥) من الآية ٩٠ النساء.
[ ١ / ٣١٠ ]
كتابه »، وتارة أخرى يفرد حكما بالذكر مع كتابه مصحوبا بذكر الغازي، فقال عند قوله تعالى: فالق الحبّ (١): وكذا رويناه عن الغازي وحكم، وكذا رسماه في كتابيهما».
وكثيرا ما يخالفهما المؤلف ولا يأخذ بمذهبهما، فذكر المؤلف أن قوله تعالى: إنّما عند الله (٢) «متصلا، كذا رسمه الغازي ورويناه عن جماعة، ثم قال: ورسمه حكم وعطاء منفصلا رسما دون ترجمة، والصحيح ما قدمناه».
وقال عند قوله تعالى: جزاء من تزكّى (٣): «ووقع في كتاب الغازي بن قيس وحكم وعطاء: «جزاء» بألف قبل الواو من غير ألف بعدها رسما دون ترجمة، والذي قدمناه هو المعروف».
وذكر المؤلف عند قوله ﷿: من يرتدّ منكم (٤) رواية عن أبي عبيد القاسم بن سلام، فقال: «وكذلك روينا عن أبي عبيد أنه رآها في الإمام بدالين» ومثلها عند قوله تعالى: لننظر (٥). فقال: «وروينا أيضا عن أبي عبيد أنه قال: رأيت في الذي يقال له الإمام مصحف عثمان بن عفان ﵁».
_________________
(١) من الآية ٩٦ الأنعام.
(٢) من الآية ٩٥ النحل.
(٣) من الآية ٧٥ طه.
(٤) من الآية ٥٦ المائدة.
(٥) من الآية ١٤ يونس.
[ ١ / ٣١١ ]
ونقل عنه المؤلف أيضا عند قوله ﷿: إنّ هذن لساحرن (١).
فقال: «وحكى أبو عبيد القاسم بن سلام أنه رأى ذلك في الإمام مصحف عثمان بن عفان ﵁ استخرج له من بعض خزائن الأمراء».
ونقل عنه أيضا في قوله تعالى: والحبّ ذو العصف (٢)، فقال: «قال أبو عبيد: وكذا رأيتها في الذي يقال له الإمام مصحف عثمان بن عفان ﵁».
ونقل عنه المؤلف أيضا فيما رواه في بقية المصاحف، ولم يقتصر على المصحف الإمام فيها، فذكر عن ذلك عند قوله تعالى: لّئن أنجيتنا (٣) قال: «وروينا عن أبي عبيد القاسم بن سلام، قال: اختلفت مصاحف أهل العراق والكوفة والبصرة».
فالمصحف الإمام روى منه بالرؤية والمشاهدة أبو عبيد القاسم بن سلام.
ومثله يحيى بن الحارث الذماري الذي ذكره المؤلف عند قوله تعالى:
لننظر (٤). قال: «وروينا أيضا عن يحيى بن الحارث الذماري أنه وجدها في الإمام بنون واحدة».
وكذلك الإمام عاصم الجحدري روى عن المصحف الإمام، ونقل عنه المؤلف عند قوله تعالى: ولؤلؤا ولباسهم (٥). قال: «وقال عاصم
_________________
(١) من الآية ٦٢ طه.
(٢) من الآية ١٠ الرحمن.
(٣) من الآية ٦٤ الأنعام.
(٤) من الآية ١٤ يونس.
(٥) من الآية ٢١ الحج.
[ ١ / ٣١٢ ]
الجحدري: كل شيء في الإمام مصحف عثمان بن عفان ﵁ من «اللؤلؤ» فيها الألف إلا التي في الملائكة».
وكذلك روى أسيد بن أسيد عن المصحف الإمام، ذكره المؤلف عند قوله: وأن يظهر (١)، فقال: «وكذلك روى هارون عن صخر بن جويرية وبشار الناقط عن أسيد أن ذلك كذلك في مصحف عثمان بن عفان ﵁».
ومن الروايات التي اعتمد عليها المؤلف: رواية نافع بن أبي نعيم المدني القارئ سواء من طريق قالون أو من طريق الغازي بن قيس. فالمؤلف اعتمد على رواية نافع، وقدمها على غيرها، ولو كانت مخالفة لقراءته، فذكر ذلك عند قوله تعالى: طائف (٢)، فقال: «وأنا أستحب كتابه بغير ألف حسب روايتنا في ذلك عن نافع بن أبي نعيم المدني، وإن كانت قراءته بألف لروايتنا عنه ذلك في الهجاء، ولتتابع الرواية في الخط واللفظ».
فالملاحظ أن المؤلف اختار حذف الألف، وإن كان يخالف قراءته وقراءة نافع.
وقال في موضع آخر عند قوله تعالى: ولا تقولنّ لشايء (٣):
«ولم يذكره الغازي في كتابه ولا عطاء ولا حكم، ولا ذكره قالون في
_________________
(١) من الآية ٢٦ غافر.
(٢) من الآية ٢٠١ الأعراف.
(٣) من الآية ٢٤ الكهف.
[ ١ / ٣١٣ ]
الحروف التي روينا عن نافع». وذكره أيضا عند قوله تعالى: زكية (١) بغير ألف. قال: «وهذا الذي أختار لروايتنا ذلك عن نافع بن أبي نعيم المدني».
وأشار المؤلف كما ذكرت إلى الطريقين عند قوله تعالى: إنّا لننصر (٢)، فقال: «ولم أرو ذلك في حروف نافع لا من طريق قالون ولا من طريق الغازي، ولا ذكر ذلك عطاء ولا حكم في كتابيهما، ولا ابن أشتة».
ويستفاد ممّا تقدم أنه نقل عن ابن أشتة، بل صرّح في موضع بكتابه ولم يسمه، فقال عند قوله تعالى: تبوّءو الدّار (٣) «بواوين من غير ألف حكاه ابن أشتة في كتابه عن نصير بن يوسف النحوي في باب اتفاق المصاحف».
ولابن أشتة كتابان في هجاء المصاحف: الأول «المحبّر»، والثاني «علم المصاحف».
ومما يجب التنبيه عليه أن رواية نافع بن أبي نعيم المدني تنصب على ما رآه في مصاحف أهل المدينة، وأن رواية أبي عبيد القاسم بن سلام تنصب على ما رآه في المصحف الإمام.
فإذا قلنا: روى نافع، فمن قبيل ما رآه في المصحف المدني، وإذا قلنا: روى أبو عبيد، فمن قبيل ما رآه في المصحف الإمام.
_________________
(١) من الآية ٧٣ الكهف.
(٢) من الآية ٥١ غافر.
(٣) من الآية ٩ الحشر.
[ ١ / ٣١٤ ]
ومن الروايات التي وردت في التنزيل ما رواه المؤلف عن محمد بن عيسى الأصبهاني، فقال: «وروينا عن محمد بن عيسى الأصبهاني حرفا سادسا: وأرسلنا الرّيح لوقح (١)»، وذكر روايته أيضا عند قوله:
كلّ ما ردّوا إلى الفتنة (٢)، وقال عند قوله: سحر مّبين (٣): «وقال أبو حفص الخراز من روايتنا عن محمد بن عيسى الأصبهاني عنه».
وذكر عنه في قوله تعالى: لا يخلف الميعاد (٤) ونقل عنه في مواضع كثيرة.
وكذلك روى حروفا كثيرة عن شيخه نصير بن يوسف النحوي صاحب الكسائي، ذكر ذلك عند قوله: أنبؤا (٥). فقال: «وروينا عن محمد ابن عيسى الأصبهاني، عن نصير بن يوسف النحوي صاحب الكسائي».
وقال عند قوله تعالى: فأينما تولّوا (٦): «وقياس ما رويناه عن نصير ابن يوسف النحوي». وقال عند قوله تعالى: سراجا وقمرا (٧):
«وروينا عن نصير بن يوسف النحوي عن محمد بن عيسى الأصبهاني».
وكلاهما من علماء الرسم الذين وردت عنهما روايات في هجاء المصاحف.
_________________
(١) من الآية ٢٢ الحجر.
(٢) من الآية ٩٠ النساء.
(٣) من الآية ١١٢ المائدة.
(٤) من الآية ٩ آل عمران.
(٥) من الآية ٦ الأنعام.
(٦) من الآية ١١٤ البقرة.
(٧) من الآية ٦١ الفرقان.
[ ١ / ٣١٥ ]
واستفاد المؤلف ﵀ في موضوع الآيات المتشابهات من كتاب متشابه القرآن لأبي الحسن أحمد بن المنادي ولم يصرح به، ولا باسم كتابه، إلا أنني لاحظت تشابها كبيرا بين ما ذكره المؤلف وما جاء في كتاب ابن المنادي (١)، ولم يرو عنه في هجاء المصاحف بالتصريح إلا في موضع واحد، فقال: «وحكى ابن المنادي أنه رأى في المصاحف العتق إن أولياؤه إلّا المتّقون (٢) بغير ألف ولا صورة للهمزة ولم أروه عن غيره» ولم يتابعه المؤلف واختار رسمه بالألف والواو.
وممن روى المؤلف عنهم أيوب بن المتوكل، فذكره عند قوله تعالى:
لننظر (٣) فقال: «وروينا عن أيوب بن المتوكل أن في مصاحف أهل المدينة ».
وقال عند قوله تعالى: إنّا لننصر (٤): «وحكى أيوب بن المتوكل من روايتنا عنه أن في مصاحف أهل المدينة ».
وروى أيضا عن اليزيدي في قوله ﷿: وسيعلم الكفّر (٥) فقال: «وروينا عن اليزيدي أنه قال: في مصاحف أهل المدينة ومكة:
وسيعلم الكفر على واحد».
_________________
(١) اسمه «متشابه القرآن العظيم» حققه الشيخ عبد الله الغنيمان، طبعة الجامعة الإسلامية ١٤٠٨ هـ ط ١.
(٢) من الآية ٣٤ الأنفال.
(٣) من الآية ١٤ يونس.
(٤) من الآية ٥١ غافر.
(٥) من الآية ٤٣ الرعد.
[ ١ / ٣١٦ ]
وروى أيضا عن معلى الورّاق في قوله تعالى: وتمّت كلمت ربّك الحسنى (١) فقال: «وكتبوا: كلمة ربّك بالهاء وكذا رويناه عن معلى الوراق».
وممن روى عنهم المؤلف الفراء والكسائي وذكرهما في قوله تعالى:
ولؤلؤا ولباسهم (٢)، فقال: «وقال الفراء هنا في مصاحف أهل المدينة والكوفة بألفين» والله أعلم.
_________________
(١) من الآية ١٣٦ الأعراف.
(٢) من الآية ٢١ الحج.
[ ١ / ٣١٧ ]