عامة من تحدث عن الرسم العثماني من المعاصرين، قالوا: اختلف العلماء فيه على قولين، فمنهم من يقول بالتوقيف، ومنهم من يقول بالاصطلاح، فيجعلون رأي المتأخرين قسيم مذهب علماء الأمة (١).
إن هذا التقسيم الذي وضعه المتأخرون، لا يقوم على أسس علمية، وهو غير صحيح في نظري، لأن العلماء الأوائل لم يختلفوا في وجوب اتباع الرسم العثماني، فأجمع الصحابة والتابعون ومن بعدهم على ذلك، إلى أن جاء محمد بن الطيب الباقلاني المتوفى سنة ٤٠٣ هـ، ثم جاء بعده العز بن عبد السلام المتوفى سنة ٦٠٦ هـ، وجاء بعدهما عبد الرحمن بن خلدون المتوفى سنة ٨٠٨ هـ في القرن الثامن، فقالوا بتغيير الرسم، وكتابة المصاحف على ما أحدثه الناس من الهجاء.
ومن ثم رأيت من الإجحاف وعدم الإنصاف أن يقولوا: «اختلف العلماء على قولين»، فهذا فيه إيهام بأنهما متساويان، وفيه إجحاف بأحد القولين، لأن الذين قالوا بعدم الوجوب متأخرون وبعد قرون من الزمن، ويعد هذا القول محدثا طارئا ولا يرقى أن يكون مذهبا يساوي مذهب علماء الأمة، لأن الذين ذهبوا إلى وجوب اتباع الرسم العثماني هم أئمة الأمة وعلماؤها وخيارها كما سيتضح ذلك في نصوصهم ورواياتهم الآتية:
_________________
(١) انظر: لمحات في علوم القرآن للصباغ ١٢٥، مناهل العرفان ١/ ٣٧٧، رسم المصحف للفرماوي ٢٢.
[ ١ / ٢٠٧ ]
روى الداني بسنده قال: قال أشهب: سئل مالك عن الحروف تكون في القرآن مثل الواو والألف: أترى أن تغيّر من المصحف، إذا وجدت فيه كذلك، فقال: لا. قال أبو عمرو الداني: يعني الواو، والألف المزيدتين في الرسم لمعنى المعدومتين في اللفظ» (١).
بل جاء أصرح من ذلك في موضع آخر عن الإمام مالك؛ روى أبو عمرو الداني بسنده عن عبد الله بن عبد الحكم، قال: «قال أشهب:
سئل مالك، فقيل له: أرأيت من استكتب مصحفا اليوم، أترى أن يكتب على ما أحدث الناس من الهجاء اليوم؟ فقال: لا أرى ذلك، ولكن يكتب على الكتبة الأولى» (٢). وعقب على كلامه أبو عمرو فقال: «ولا مخالف له في ذلك من علماء الأمة» (٣).
وقال الجعبري معقبا على قول مالك ﵁: «وهذا مذهب الأئمة الأربعة ﵃، وخص مالكا لأنه حكى فتياه، ومستندهم مستند الخلفاء الأربعة» (٤).
ومعنى الكتابة الأولى في قول مالك: تجريدها من نحو النقط والشكل (٥)، ووضعها على مصطلح الرسم من البدل والزيادة والحذف (٦).
_________________
(١) انظر: المقنع ٢٨، البرهان ٢/ ١٤، الإتقان ٢/ ٤٧٠.
(٢) انظر: المحكم ١١، المقنع ٩، ١٠، البرهان ٢/ ١٣، الوسيلة ١٨، الإتقان ٢/ ٤٧٠.
(٣) انظر: المقنع ١٠، الجميلة ٣٩، الإتقان ٢/ ٤٧٠.
(٤) انظر: الجميلة للجعبري ورقة ٣٩.
(٥) سيأتي الكلام عليه في ص: ٢٢٦.
(٦) انظر: الجميلة للجعبري ورقة ٣٩.
[ ١ / ٢٠٨ ]
فمعنى كلام أبي عمرو الداني، وهو من كبار العلماء الحفاظ المتقنين أنه لم يعرف مخالفا لوجوب اتباع الرسم العثماني إلى منتصف القرن الخامس، وحتى بعد ذلك لا نعلم أحدا خالف في ذلك ممن يعتد بقوله، إلا العز بن عبد السلام ولا عبرة بخلافه، ولا خلاف غيره إن وجد، وقد ردّ عليه قوم من علماء هذا الشأن كما سنذكره.
وبعد هذا فلا معنى لتسوية القول الحادث الطارئ بقول علماء الأمة وخيارها.
فأخطئوا في المنهج وأخطئوا فيما ذهبوا إليه من عدم وجوب اتباع الرسم العثماني.
فإن المتقدمين لم يختلفوا فيه، وإنّما هو عندهم سنة متبعة، وعقب علم الدين السخاوي على قول مالك، فقال:
«والذي ذهب إليه مالك هو الحق، إذ فيه بقاء الحالة الأولى إلى أن تعلمها الطبقة الأخرى، بعد الأخرى، ولا شك أن هذا هو الأحرى، إذ في خلاف ذلك تجهيل بأولية ما في الطبقة الأولى» (١).
أورد الزركشي عن أبي عبيد القاسم بن سلام أنه قال: «وترى القراء لم يلتفتوا إلى مذهب العربية في القراءة، إذا خالف ذلك خط المصحف، واتباع حروف المصاحف عندهم كالسنن القائمة التي لا يجوز لأحد أن يتعداها» (٢).
_________________
(١) الوسيلة للسخاوي ورقة ١٨، إرشاد الحيران ٥٩.
(٢) انظر: البرهان ٢/ ١٥.
[ ١ / ٢٠٩ ]
وقال الفراء (ت ٢٠٢ هـ): «اتباع المصحف إذا وجدت له وجها من كلام العرب وقراءة القراء أحب إليّ من خلافه» (١).
وقال البيهقي أحمد بن الحسين (ت ٤٥٨ هـ): «من كتب مصحفا، فينبغي أن يحافظ على حروف الهجاء التي كتبوا بها تلك المصاحف، ولا يخالفهم فيها، ولا يغير مما كتبوه شيئا، فإنهم أكثر علما، وأصدق قلبا ولسانا، وأعظم أمانة منا، فلا ينبغي أن نظن بأنفسنا استدراكا عليهم» (٢).
وقال الإمام أحمد ﵀: «تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في ياء أو واو أو ألف أو غير ذلك» (٣).
وفي شرح الطحاوي: ينبغي لمن أراد كتابة القرآن أن ينظم الكلمات كما هي في مصحف عثمان﵁- لإجماع الأمة على ذلك» (٤).
وجاء في المحيط البرهاني- في فقه الحنفية- ما نصه: «أنه ينبغي أن لا يكتب المصحف بغير الرسم العثماني» (٥).
وجاء في حواشي المنهج- في فقه الشافعية- ما نصه: «كلمة:
الربوا تكتب بالواو والألف كما جاء في الرسم العثماني، ولا تكتب في القرآن بالياء أو الألف لأن رسمه سنة متبعة» (٦).
_________________
(١) انظر: البرهان ٢/ ١٢.
(٢) انظر: شعب الإيمان للبيهقي ٥/ ٦٠٠، البرهان ٢/ ١٤، الإتقان ٢/ ٤٧٠.
(٣) انظر: البرهان ٢/ ١٤، الإتقان ٢/ ٤٧٠.
(٤) سمير الطالبين ٢٠، الجمع الصوتي ٢٩٩.
(٥) مناهل العرفان ١/ ٣٧٩، رسم المصحف ٣٥.
(٦) مناهل العرفان ١/ ٣٧٩، رسم المصحف ٣٥، ولم أقف على هذه الأقوال في منابعها الأصلية.
[ ١ / ٢١٠ ]
فاتفق الجمهور على وجوب التمسك والعمل بالرسم العثماني، ونقل الجعبري وغيره إجماع الأئمة الأربعة على وجوب اتباع مرسوم المصحف العثماني (١) كما تقدم.
وقال محيي السنة أبو محمد الحسين البغوي (ت ٥١٦ هـ):
«ثم إن الناس كما أنهم متعبّدون باتباع أحكام القرآن وحفظ حدوده، فهم متعبّدون بتلاوته، وحفظ حروفه على خط المصحف الإمام، الذي اتفقت الصحابة عليه» (٢).
ويرى القاضي عياض المتوفى ٥٤٤ هـ أن اتباع رسم المصحف واجب، فقال: «من نقص من القرآن حرفا، قاصدا لذلك، أو بدله بحرف آخر مكانه، أو زاد فيه حرفا مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع عليه الإجماع، وأجمع على أنه ليس من القرآن عامدا لكل هذا، أنه كافر» (٣).
قال علم الدين السخاوي (ت ٦٤٣ هـ):
«وما كتبوا- الصحابة- شيئا عن ضعف معرفة، وعدم تحصيل. فإياك وما تراه من قول: لم تكن العرب أهل كتاب وأقلام، ففي هجائهم ضعف ونقص، ويحتج بقول الرسول ﷺ: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» ويحتج أيضا بأن رسول الله ﷺ كان لا يكتب، فإنما ذلك كله لعدم التحصيل.
_________________
(١) انظر: الجميلة للجعبري ٣٩.
(٢) انظر: النشر لابن الجزري ١/ ٣٨، تفسير البغوي ١/ ٣٠.
(٣) انظر: نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض للخفاجي ٤/ ٥٥٧.
[ ١ / ٢١١ ]
أما كون رسول الله ﷺ لا يكتب فذلك فضيلة في حقه وآية من آياته، على ما لا يخفى، وأما قوله: «إنا أمة أمية» فذلك غالب حالهم.
وقد كتب منهم جماعة، وكانوا الغاية القصوى في المعرفة والذكاء والفطنة» (١).
وقال نظام الدين الحسن النيسابوري المتوفى ٧٢٨ هـ:
«وقال جماعة من الأئمة: إن الواجب على القراء، والعلماء، وأهل الكتابة، أن يتبعوا هذا الرسم في خط المصحف، فإنه رسم زيد بن ثابت، وكان أمين رسول الله ﷺ، وكاتب وحيه، وعلم من هذا العلم- بدعوة النبي ﷺ ما لم يعلمه غيره، فما كتب شيئا من ذلك إلا لعلة لطيفة، وحكمة بليغة، وإن قصر عنها رأينا» (٢).
وقال الشيخ بدر الدين الزركشي المتوفى ٧٩٤ هـ:
«ولما كان خط المصحف هو الإمام الذي يعتمده القارئ في الوقف والتمام، ولا يعدو رسومه، ولا يتجاوز مرسومه، قد خالف الخط الإملائي في كثير من الحروف والأعلام، ولم يكن ذلك منهم كيف اتفق، بل على أمر عندهم قد تحقق، وجب الاعتناء به، والوقوف على سببه» (٣).
_________________
(١) انظر: الوسيلة للسخاوي ورقة ٢١.
(٢) انظر: غرائب القرآن ورغائب الفرقان ١/ ٤٠.
(٣) انظر: البرهان في علوم القرآن ١/ ٣٧٦.
[ ١ / ٢١٢ ]
ورد كلام ابن خلدون كثير من العلماء، قال الشيخ حفني ناصف، في معاضدة بقاء الرسم العثماني للمصحف:
«ولا نعلم أن أحدا من العلماء تشكك في هذا الأمر، إلا ابن خلدون في القرن الثامن، وبعض رجال الأزهر في القرن الرابع عشر، وليس أحد منهما إماما مجتهدا والحمد لله» (١).
أقول: إن القرآن كتب بين يدي رسول الله ﷺ، والوحي لا يزال ينزل، ولو وقع فيه خطأ في الرسم لبينه الوحي ونزل فيه، كما نزلت آيات العتاب، ولم يكن الله ﷿ ليدع الخطأ في كتابه الكريم، وهو الذي يقول: إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحفظون [الحجر: ٩].
لأن الخطأ في الرسم يلزم منه خطأ في بعض وجوه القراءة، وبما أن هذا لم يقع يتبين ضعف كلام ابن خلدون ومن سار على شاكلته (٢).
وأما ما يراه أبو بكر الباقلاني من أن الرسم العثماني لا يلزم أن يتبع في كتابة المصحف، فهو رأي ضعيف، لأن الأئمة في جميع العصور المختلفة درجوا على التزامه في كتابة المصاحف، ولأن سد ذرائع الفساد، مهما كانت بعيدة، أصل من أصول الشريعة (٣).
وأن ما احتج به العز بن عبد السلام لما رآه من: «عدم جواز كتابة المصاحف الآن على المرسوم الأول خشية الالتباس، ولئلا يوقع في تغيير من
_________________
(١) تاريخ المصحف، بحث نشر في مجلة المقتطف، ع أول يوليو ١٩٣٣ ٨ ربيع الأول ١٣٥٢، الجزء ٢ من المجلد ٨٣ ص ٢٠٥، نقله اللبيب في الجمع الصوتي ٢٩٢.
(٢) انظر: الجمع الصوتي ص ٣٠٠.
(٣) انظر: مجلة الأزهر، ج ١، المجلد ٧، ص ٧٢٩، عدد محرم سنة ١٣٥٥ هـ.
[ ١ / ٢١٣ ]
الجهال» رده كثير من العلماء.
وعقب على رأيه الإمام محمد رشيد رضا في فتاويه، وقال: «ليس بشيء، لأن الاتباع، إذا لم يكن واجبا في الأصل وهو ما لا ينكره، فترك الناس له لا يجعله حراما أو غير جائز لما ذكره من الالتباس» (١).
وقد ذهب إلى تضعيف القول بعدم الوجوب طائفة من العلماء الأعلام.
قال الإمام أبو عبد الله بن الحاج (ت ٧٣٧ هـ) (٢):
«ويتعين عليه- ناسخ المصحف- ترك ما أحدثه بعض الناس، في هذا الزمن، وهو أن ينسخ الختمة على غير مرسوم المصحف الذي اجتمعت عليه الأمة على ما وجدته بخط عثمان بن عفان ﵁. وقال مالك ﵀: القرآن يكتب بالكتابة الأولى.
ولا يجوز غير ذلك، لأن من لا يعرف الرسم من الأمة، يجب عليه أن لا يقرأ في المصحف إلا بعد أن يتعلم القراءة على وجهها، أو يتعلم مرسوم المصاحف، فإن فعل غير ذلك، فقد خالف ما اجتمعت عليه الأمة، وحكمه معلوم في الشرع الشريف، ومن علل بشيء، فهو مردود عليه لمخالفته الإجماع، وقد تعدت هذه المفسدة إلى خلق كثير من الناس في هذا الزمن، فليتحفظ من ذلك في حق نفسه، وفي حق
_________________
(١) انظر: فتاوى الإمام محمد رشيد رضا، المجلد ٢، ص ٧٨٩ - ٧٩٤، جمعها صلاح الدين المنجد، نقلا من الجمع الصوتي ٣٠٢.
(٢) انظر: ألف سنة من الوفيات ١٩٠.
[ ١ / ٢١٤ ]
غيره» (١).
ونقل الشيخ محمد حبيب الله عن صاحب كتاب الفوائد المهمة إجماع أئمة القراء، وأهل الأداء على لزوم متابعة مرسوم الخط، وقال: «وقد قالوا إن خط المصاحف سنة متبعة، لا يجوز لأحد أن يخالفه في الحذف، والإثبات، والزيادة، والنقصان، والقطع، والوصل، والإبدال» (٢).
قال الإمام أبو عبد الله الجريني (ت ٧٨٣ هـ):
«فالواجب على القراء والكتاب أن يعرفوا رسم المصاحف العثمانية ويتبعوه، فإنه رسم زيد بن ثابت ﵁، فإنّه لم يكتب شيئا من ذلك إلا لعلة لطيفة، وحكمة بالغة، ولا يجوز لأحد أن يخالف ما كتبه زيد، لأنه كان أمين رسول الله ﷺ، وكاتب وحيه، ولا يجوز أن يقيس هجاء المصحف العظيم، ولكن يتلقاه بالقبول والتسليم».
وقال: «من طعن في شيء من هجائه، فهو كالطاعن في تلاوته.
فلا بدّ من معرفة هجاء المصحف الواجب علينا اتباعه، ونميزه من هجاء الخط الذي بني على القياس» (٣).
ونقل أبو العباس الونشريسي (ت ٩١٤ هـ) في المعيار قول الإمام المقرئ أبي عبد الله الكناني (ت ٨١١ هـ)، فقال:
_________________
(١) انظر: مدخل الشرع الشريف ٤/ ٨٦.
(٢) انظر: إيقاظ الأعلام ص ٢٣.
(٣) انظر: جامع الكلام في رسم مصحف الإمام، مخطوط رقم ٧٧١، فيلم بالجامعة الإسلامية، مصدره المكتبة الأزهرية رقم ٢٢٣٠٧.
[ ١ / ٢١٥ ]
«والكتابة عبارة عن الرسوم المخصوصة التي وضعها الصحابة ﵃ في مصحف الإمام المجمع عليه، والمكتوب كلام الله القديم المدلول عليه بصور تلك الرسوم المجمع عليها، وهي محدثة، ولما كانت كذلك توفرت الدواعي إلى نقلها، فنقلها الناس تواترا لقراءاتهم وكتاباتهم، فلا يجوز لهم أن يقرءوا قراءة تخالف صورة الخط، ولا أن يكتبوا كتابة مخالفة للرسوم التي وضعها الصحابة ﵃ في المصاحف المجمع عليها، فالمكتوب متواتر بنقل دليله المتحد» (١).
ونص ابن القاضي- وهو إمام الأئمة في علم هجاء المصاحف- على وجوب اتباع خط المصاحف، فقال:
«اعلم رحمنا الله وإياك أن متابعة مرسوم الإمام أمر واجب محتم على الأنام كما نص عليه الأئمة الأعلام، فمن حاد عنه فقد خالف الإجماع، ومن خالفه فحكمه معلوم في الشرع الشريف بلا نزاع» (٢)، ثم نقل كلام أئمة هذا الشأن، وقال:
«ولا يجوز غير ذلك، ولا يلتفت إلى اعتلال من خالفه بقوله: إن العامة لا تعرف مرسوم المصحف، ويدخل عليهم الخلل في قراءتهم في المصحف، إذا كتب على المرسوم أي العثماني، إلى آخر ما عللوا به، فهذا ليس بشيء، لأن من لا يعرف المرسوم من الأمة، يجب عليه أن
_________________
(١) انظر: المعيار المعرب والجامع المغرب للونشريسي ١٢/ ١٤٩، إيقاظ الإعلام ٢٠، بيان الخلاف والتشهير ٢٧.
(٢) انظر: بيان الخلاف ص ٢٤.
[ ١ / ٢١٦ ]
لا يقرأ في المصحف حتّى يتعلم القراءة على وجهها، ويتعلم مرسوم المصحف، فإن فعل غير ذلك فقد خالف ما أجمعت عليه الأمة، وحكمه معلوم في الشرع الشريف.
ومن علل بشيء فهو مردود عليه لمخالفته للإجماع المتقدم وقد تعدت هذه المفسدة إلى خلق كثير من الناس في هذا الزمن، فليتحفظ من ذلك في حق نفسه وحق غيره» (١).
ولقد تأملت رأي من قال: تكتب مصاحف بالرسم العثماني خاصة للعلماء والعارفين، وتكتب مصاحف بالرسم القياسي لعامة الناس، فظهر لي أن فيه تقسيما وتشتيتا للأمة الإسلامية، ومما يزيد في ضعف هذا القول، أنه يؤدي إلى اختلاف المصاحف، وتعددها بين قديم مأثور وحديث، ووحدة المصاحف خير من اختلافها، وتعددها يلزم منه اختلاف القلوب.
ثم إن هذا التعدد في المصاحف الذي دعوا إليه هو الذي حدا بسيدنا عثمان ﵁ إلى نسخ المصاحف وإرسالها إلى الآفاق، وأتلف ما عداها بالحرق والمحو وغيرهما، فهؤلاء يريدون تفريق جمع سيدنا عثمان، وما أحرقها إلا لمخالفة رسمها رسم صحف أبي بكر، وكان إحراقها منه إعلاما بأن كل ما يخالف هذا الرسم باطل مردود (٢).
_________________
(١) انظر: بيان الخلاف ص ٢٥، ٢٦، إيقاظ الأعلام ٢٠.
(٢) انظر: رسم المصحف للفرماوي ٢٩.
[ ١ / ٢١٧ ]
قال الدكتور فهد الرومي:
«ولو كان المراد صحة التلاوة، لأبقوا مصاحفهم، وتلوا كما جاء في مصحف عثمان، ولكنهم لما علموا أن الأمر يشمل القراءة والكتابة، بادروا من فورهم إلى التخلص مما بأيديهم (١)، ولذلك نجد أن بعض الصحابة كانت لهم مصاحف يقرءون فيها، فلما نسخ سيدنا عثمان المصاحف تركوا مصاحفهم، واتبعوا المصحف الإمام» (٢).
قال مكي: «وهذا الاختلاف الذي يخالف خط المصحف، وما جاء منه مما هو زيادة على خط المصحف، أو نقصان من خط المصحف، أو تبديل لخط المصحف هو الذي سمع حذيفة في المغازي وسمع ردّ الناس بعضهم على بعض، ونكير بعضهم على بعض، فحداه ذلك على إعلام عثمان ﵁، وهو الذي حداه على جمع الناس على مصحف واحد، ليزول ذلك الاختلاف فافهمه» (٣).
ومما اعترضوا به على عدم وجوب اتباع رسم المصحف العثماني اختلاف خطوط المصاحف. وهذا الاعتراض مردود باطل من وجوه:
إن أرادوا أشكال الحروف وصورها، فهذا لا خلاف فيه بين علماء الأمة قاطبة، وينحصر الخلاف في الزيادة، والنقص، والبدل.
وإن أرادوا اختلاف المصاحف في حروف معينة، فذلك من الحروف
_________________
(١) خصائص القرآن ١٨٤.
(٢) انظر: الضياء المبين فيما يتعلق بكلام رب العالمين للإمام التونسي الكافي ٥٠.
(٣) انظر: الإبانة لمكي ص ١٢٦.
[ ١ / ٢١٨ ]
التي لا يحتملها الرسم فوزعها الصحابة ﵃ في سائر مصاحف الأمصار، لأنها من الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن مثل قوله تعالى: سارعوا، وقوله: وسارعوا.
وإن أرادوا اختلاف مصاحف الصحابة والتابعين، فذلك يكون مما نسخ في العرضة الأخيرة، أو يكون مما ألحقه بعض الصحابة والتابعين، كالتفسير، والبيان.
ومما اعترضوا به على القول بإجماع العلماء على وجوب اتباع رسم المصحف قولهم: «وإجماع الأمة عليه بعد ذلك في عهد التابعين والأئمة المجتهدين غير مسلم، فقد أحدثوا النقط والشكل».
فهذا الاعتراض باطل مردود، فإن ما أحدثه التابعون ومن بعدهم من النقط والشكل، لا يخرق الإجماع ولا يؤثر فيه، لأنهم وضعوا نقط الإعجام ونقط الإعراب والهمزات بعيدا عن الرسم، فلا يلتبس بالرسم، فإن نقط الإعجام ليست له صورة فيتوهم من أجلها دخوله في الرسم.
وأما نقط الإعراب فكرهه جماعة كابن عمر، ومحمد بن سيرين، والنخعي، والحسن، وجوّزه مالك في الألواح للصبيان.
ثم وفقهم الله ﷿ فجعلوه بالألوان، ومنعوا أن يكتب بالسواد منعا لالتباس الرسم بالشكل، فجعلوا الهمزة المحققة بالصفرة، والمسهلة والحركات بالحمرة، وعلامة الابتداء بالخضرة.
قال أبو عمرو الداني: «لا أستجيز النقط بالسواد لما فيه من التغيير لصورة الرسم» ثم قال: «وأرى أن تكون الحركات والتنوين والتشديد
[ ١ / ٢١٩ ]
والسكون بالحمرة، والهمزات بالصفرة» (١).
واستمر الحال على ذلك حتى ظهرت المطابع الحديثة فتعسر ذلك، فجعلوا نقط الإعراب وجميع الملحقات بحروف صغيرة تمييزا لها عن الرسم، فهي من الضبط، وبالغ علماء الرسم في المحافظة على هجاء المصاحف فمنعوا أن تقطع خط المصحف أو تتصل به.
وأصبح الآن إلحاق هذه الحروف المحذوفة بالحمرة والألوان متيسرا وممكنا، وحينئذ لم يلتبس رسم الصحابة بشكل التابعين.
إن هؤلاء الذين ينادون بتغيير الرسم العثماني (٢)، ارتكبوا أخطاء جمّة في مناداتهم تلك:
الأول: اعتقادهم أن القرآن يتلقى من المصاحف والصحف، وهذا أمر لم يقل به أحد من أئمة القراء، وهو خطأ في التصور.
فالأساس الذي انطلق منه هؤلاء، وبنوا عليه دعوتهم فاسد، وما بني على فاسد فهو فاسد باطل. فإن حفظ القرآن وتلاوته لم يعتمد على المصاحف وحدها، بل على التلقي، والمشافهة، والسماع، والرواية.
وكان أبو داود﵀- كثيرا ما يحث على الأخذ بالسماع والمشافهة
_________________
(١) انظر: المحكم ص ١٩، ٢٢.
(٢) طائفة من المحدثين أطلقت ألسنتها تصف الرسم بما نجل الرسم والصحابة الذين كتبوه عن مجرد ذكره، وهو إن دل على شيء فإنما يدل على الجهالة في العلم، وسوء النية، وخبث القصد، والجهل المطبق بالرسم والقراءات. انظر: الحروف اللاتينية لكتابة العربية لعبد العزيز فهمي ٢١، ٢٣، الفرقان لابن الخطيب محمد عبد اللطيف ص ٥٧، ٧١ صودر الكتاب ومنع من التداول بقرار من شيخ الأزهر.
[ ١ / ٢٢٠ ]
فقال: «إذ لا غنى لقارئ هذا الحرف من مشافهة العالم فيه إذ لا يقدر على اللفظ به من الكتاب» (١).
وأثر عن بعضهم القول: «لا تأخذوا القرآن من مصحفي، ولا العلم من صحفي» (٢).
وهذا واضح من السنة، فهذا معلم الأمة ﷺ كان يتعلم القرآن من جبريل ﵇، ويشافهه به، ويعارضه القرآن في كل عام في شهر رمضان، وعارضه عام وفاته بالقرآن مرتين كما جاء في الصحيح (٣).
واتبع سنته صحابته ﵃ في الحفظ عن طريق السماع والتلقي فهذا عبد الله بن مسعود يقول: «حفظت من في رسول الله ﷺ بضعا وسبعين سورة» (٤).
ويبين عمن أخذ باقيه فيقول في رواية أخرى: «وأخذت بقية القرآن عن أصحابه» (٥).
ويتجلى ذلك في المصاحف التي نسخها عثمان ﵁، فأرسل مع كل مصحف قارئا، فهذا دليل قاطع على أن من أحكام القراءة ما لا يمكن إتقانه، إلا بالتلقي
والسماع والمشافهة.
_________________
(١) انظر: أصول الضبط ورقة ١٥٣.
(٢) انظر: شرح ما يقع فيه التصحيف للعسكري ص ١٠.
(٣) انظر: فتح الباري ٩/ ٤٣، ٤/ ١١٦.
(٤) صحيح البخاري فضائل القرآن ٦/ ١٠٢، مسلم فضائل الصحابة ٤/ ١٩١٢.
(٥) فتح الباري لابن حجر ٩/ ٤٨.
[ ١ / ٢٢١ ]
القراءة رواية وسند وتلق، وليس خط المصاحف إلا كالتذكرة (١). ولو كتبناه بالرسم القياسي- كما يقولون- لا يزول اللبس الذي ادعوه، لأن في القراءات كيفيات خاصة ثابتة بالرواية والنقل، وهي لا تعرف إلا بالمشافهة والتلقي والتعليم، إذ لا يوجد في الرسم ما يرشد إليها، كالمدّ، والإمالة، والإظهار، والإدغام، والغنة، والإشمام، والروم، وغيرها.
وإن أبا داود ﵀ خالف شيخه في ضبط الإخفاء والاختلاس، فقال: «وأنا أخالفه في هذا الباب، وأختار ترك ضبط العشر الكلمات المذكورات لمن أخفاها واختلسها ممن تقدم ذكره، إذ لا يقدر أحد أن يلفظ بهن مخفاة ولا مختلسة من الكتاب حتى يأخذ ذلك مشافهة من العالم مع رياضة، وتفهم، وتعلم» (٢).
وعلل ذلك بقوله: «لأنه لا يتوصل إلى حقيقة اللفظ بها إلا بالمشافهة من فم المقرئ دون الضبط والخط» (٣).
الثاني: اعتقادهم أن الصحابة ﵃ اصطلحوا على هذا الرسم، وحينئذ لا يوجب ذلك اتباعهم وهذا قصور في التصور، وخطأ في الاعتقاد. وهذا الزعم أيضا فاسد، وكل ما بني على فاسد فهو فاسد بل يكون آكد في حقنا اتباعه والعمل به، فتأكد من جهتين:
_________________
(١) انظر: التحرير والتنوير ٣٠/ ٥٥٦.
(٢) انظر: كتاب أصول الضبط ورقة ٢٤٠.
(٣) انظر: كتاب أصول الضبط ورقة ١٣٧.
[ ١ / ٢٢٢ ]
الأولى: إقرار الرسول ﷺ لهذا الرسم.
والثانية: عمل الصحابة ﵃، وهذا أيضا وحده كاف في وجوب الاقتداء بهم، والعمل على الاتباع لهم فهؤلاء القوم يزعمون أن عمل الصحابة غير واجب الاتباع وهذا خطأ جسيم.
إنّ الصحابة ﵃ نقلوا لنا القرآن والسنة وما تفرع عنهما بما في ذلك هجاء المصاحف، فيجب عدم مخالفتهم، لأننا مأمورون باتباع الصحابة ﵃ والاقتداء بهم.
فإن كان الرسم توقيفيا كان اتباعنا له ألزم، وإن كان اصطلاحا من الصحابة كان عملنا به أحق واتباعنا له ألزم، فعلى كلا القولين يلزمنا اتباعه.
فاتباع الصحابة واجب، وبخاصة الخلفاء الراشدين، وذلك لحديث العرباض بن سارية، ومما جاء فيه، قال رسول الله ﷺ: « فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» (١).
وجمع هذين القولين الشيخ محمد بن العاقب، فقال:
_________________
(١) رواه ابن ماجة ١/ ١٥، وأبو داود ٥/ ٥، وابن حبان ١/ ١٦٦، والترمذي «تحفة الأحوذي ٧/ ٤٣٨» وقال: حسن صحيح، وصححه الحاكم ١/ ٩٥، ووافقه الذهبي، وكذا أخرجه أحمد ٤/ ١٢٦.
[ ١ / ٢٢٣ ]
رسم الكتاب سنة متبعة* كما نحا أهل المناحي الأربعة لأنه إما بأمر المصطفى* أو باجتماع الراشدين الخلفا وكل من بدّل منه حرفا* باء بكفر أو عليه أشفى (١) قال اللبيب في شرح العقيلة: «فيلزمنا اتباعهم- الصحابة ﵃- إذ هم الأئمة، والصحابة، والعمدة، فما فعله صحابي واحد، وأمر به، فلنا الأخذ به، والاقتداء بفعله، والاتباع لأمره، فكيف وقد اجتمعت الصحابة على كتب المصحف حين كتبوه، نحو اثني عشر ألفا من الصحابة ﵃، ونحن مأجورون على اتباعهم، ومأثومون على مخالفتهم. فينبغي لكل مسلم عاقل أن يقتدي بهم، وبفعلهم، فما كتبوه بغير ألف فواجب أن يكتب بغير ألف، وما كتبوه متصلا فواجب أن يكتب متصلا، وما كتبوه منفصلا فواجب أن يكتب منفصلا، وما كتبوه من هاء التأنيث بالتاء فواجب أن يكتب بالتاء، وما كتبوه بالهاء فواجب أن يكتب بالهاء» (٢).
ثم قال: «لأنهم لم يرسموا شيئا، إلا على أصل، وعلم، ومعرفة، وقصد، وذلك لمعان جمة علمها من علمها، وجهلها من جهلها، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم» (٣).
الثالث: جهلهم بالصلة الوثيقة التي بين هذا الرسم ووجوه القراءات وأصواتها وأدائها.
_________________
(١) انظر: إيقاظ الأعلام لمحمد بن حبيب الله ١٦.
(٢) الدرة الصقيلة ١٨.
(٣) الدرة الصقيلة ورقة ٢٦.
[ ١ / ٢٢٤ ]
وقد لا يكون الواحد منهم يحسن رواية واحدة من طريق واحد، فكيف بالقراءات العشر المتواترة بالروايات والطرق المتعددة، فأي تغيير في بعض الحروف يلزم منه تغيير في بعض وجوه هذه القراءات، وإن لم يظهر لنا ذلك في بعضها الآخر.
من المعلوم لدى علماء القراءات أن تغيير حرف من رسم القرآن غالبا ما يؤدي إلى تغيير في نص القرآن، إما بتغيير في بنية الكلمة يترتب عليه تحريفها، أو تغيير في الوقف، أو ربّما أدّى إلى إسقاط قراءة منزلة.
فكتابة «ملك» بألف بعد الميم يسقط القراءة بحذف الألف وهي متواترة.
كما أنه لو كتبت: «امرأت» و«رحمت» و«نعمت» في مواضعها المفتوحة بالهاء لتغير حكم الوقف عليها.
ومثلها لو حذفت الألف في الخط من قوله ﷿: الظنونا (الأحزاب: ١٠) والرّسولا (الأحزاب: ٦٦) والسبيلا (الأحزاب: ٦٧) لسقطت القراءة بالألف، وهي متواترة، فأي تغيير في الرسم في هذه المواضع وأمثالها يؤدي إلى تغيير في القراءة، أو إخلال فيها، أو إسقاط لها.
ولقد عبّر عن هذه الصلة الوثيقة بين القراءة والرسم أبو العباس المهدوي، فقال: «كانت الحاجة إليه كالحاجة إلى سائر علوم القرآن بل أهم، ووجوب تعليمه أشمل وأعم، إذ لا يصح معرفة بعض ما اختلف القرّاء فيه دون معرفته» (١) أي الرسم.
_________________
(١) انظر: هجاء مصاحف الأمصار للمهدوي ٧٥.
[ ١ / ٢٢٥ ]
قال الدكتور عبد الحي الفرماوي:
«فربما كان الترخيص في رسم المصحف المأثور قريبا- على نحو ما- من أسلوب التحريف» (١).
ولو أهملنا هذا الرسم لضاع، وبضياعه يضيع كثير من هذه اللغات، والقراءات، والأوجه، التي لا يمكن الاستدلال عليها حينئذ بالمصاحف التي هي أوثق وأصدق الحديث، فهجاء المصاحف له تعلق كبير بالقراءات، وأصواتها، وأدائها، فيجب الاحتياط الشديد لبقاء القرآن على أصله لفظا وكتابة، سدا للذرائع، ومنعا من فتح باب الاستحسان في كتابة القرآن.
الرابع: التناقض العجيب الذي وقعوا فيه، وهو إذا كان السبب الدافع إلى كتابة المصاحف بالرسم القياسي على حد دعواهم هي هذه الحروف المحذوفة والزائدة في المصحف، فإن الكتابة بالرسم القياسي في غير المصحف لا تخلو من هذه الحروف الزائدة والناقصة، من ذلك مثلا:
«هذا» و«ذلك» و«لكن» و«أولئك» و«قالوا» و«الشمس» و«النّهار».
فيتفقون مع مرسوم المصاحف، ولكثرة استعمالهم لها لا يشعرون بذلك (٢).
قال الشيخ محمد رجب فرجاني:
«وليس هذا الحال قاصرا على اللغة العربية وحدها، ولا على رسم المصحف وحده، بل عمّ ذلك جميع اللغات التي يتكلم بها البشر» (٣).
_________________
(١) انظر: رسم المصحف ١٦٥.
(٢) انظر: تاريخ القرآن وغرائب رسمه ١٣٣.
(٣) انظر: كيف نتأدب مع المصحف ص ٩١.
[ ١ / ٢٢٦ ]
ثم إن رسم المصحف لا يخالف قواعد الرسم القياسي إلا في كلمات معينة معدودة لأغراض بلاغية، ومن السهل معرفتها، ووضعت عليها علامات من الشكل والضبط تدل على الحروف المحذوفة التي ينطق بها، وأمارات معينة تدل على الحروف الزائدة التي لا ينطق بها، ونص على ذلك نساخ المصاحف في ذيل آخر كل مصحف إرشادا وتيسيرا للقارئ، بعد التلقي والسماع من المقرئ، لأنه لكل علم أدواته ومبادئه واصطلاحاته التي يجب أن تعلم قبل الإقدام عليه.
ثم إن المبتدئ في أول مراحل التعليم الذي عرف زيادة الألف بعد واو الجمع في نحو: «قالوا»، وحذفها في نحو قوله: «هذا» وشبهه في الرسم القياسي يعرف زيادة ذلك وحذفه في الرسم العثماني، لا فرق بين هذا وذاك.
بل إن علامة الفتحة، والضمة، والكسرة، لا تدل في نفسها على كيفية النطق بها في أول مراحل التعليم، وإنما لما اقترن وضع الحركة على الحرف بكيفية النطق بها تعلمها الصغار، فهي علامة على الكيفية، ولا تدل على الكيفية.
وهذا واضح وجلي من طريقة أبي الأسود الدؤلي في تنقيط المصحف حيث قال لكاتبه: «إذا فتحت فمي فانقط فوق الحرف، وإذا ضممت شفتي فانقط أمامه، وإذا كسرتهما فانقط تحته (١)» فاقترن الخط بالمشافهة بالكيفيات.
_________________
(١) انظر: مراتب النحويين ٢٩، أخبار النحويين ٣٤، إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٣٩، المحكم ص ٤.
[ ١ / ٢٢٧ ]
وبمثل ذلك يقال في الحروف المثبتة والمحذوفة والمبدلة في الرسم العثماني لا فرق بين هذا وذاك.
وحينئذ الطريقة واحدة في التعليم والتلقي، لا فرق بين تعلم الرسم العثماني والرسم القياسي، بل هناك ما يدعو إلى أن الرسم في بعض الحالات يكون أسهل، إذا علمت بعض مزايا الرسم العثماني وفصاحته وبلاغته.
وإن أهل المغرب (١) كانوا، ولا يزالون، لا يفصلون بين حفظ القرآن ورسمه، ودرج على ذلك سلفهم وخلفهم فيعتقدون أن الحفظ لن يتم، ولا يسمى الحافظ حافظا، حتى يتقن حفظ القرآن مع حفظ رسمه حرفا حرفا وكلمة كلمة، فتقرر عندهم أن المكتوب والمحفوظ شيء واحد، لا يمكن الفصل بينهما، ولا يخطر ببالهم غير ذلك، فهذا معتقدهم، ويبالغ الشيخ المقرئ في المحافظة على الرسم في اللوح من أول الحفظ مع تلاميذه المبتدئين. فهذه طريقة المغاربة في الحفظ، التي حفظنا القرآن بها، ولم نسمع أحدا منهم شكا من أمر صعوبة الرسم، بل يأخذونه مسلّما لأنه رسم زيد بن ثابت.
ولا يجاز الطالب إلا على حفظ القرآن عرضا وسماعا مع رسمه وإعرابه بالنقط والشكل (٢).
_________________
(١) لا أعني الاصطلاح الجغرافي الذي صنعه الاستعمار، وإنما أعني به: المغرب، والجزائر، وتونس، وموريتانيا، وليبيا، والأندلس، وكذا بلاد السودان.
(٢) انظر: هذه التسميات: جمال القراء ١/ ٢٣، الإتقان ١/ ١٤٤.
[ ١ / ٢٢٨ ]
والدليل على ما للمغاربة من تفوق في حفظ القرآن، وإتقان رسمه معا، ما ذكره عبد الرحمن بن خلدون، إذ قال:
«فأما أهل المغرب فمذهبهم في الولدان، الاقتصار على تعليم القرآن فقط، وأخذهم أثناء المدارسة بالرسم ومسائله» إلى أن قال: «وهذا مذهب أهل الأمصار من المغرب في ولدانهم إلى أن يجاوزوا البلوغ إلى الشبيبة، وكذا في الكبير، إذا رجع إلى مدارسة القرآن الكريم بعد طائفة من عمره، فهم لذلك أقوم على رسم القرآن وحفظه ممن سواهم» (١). فابن خلدون يقرر أن الأولاد يتعلمون الرسم مع تعليم القرآن ويحفظون رسمه كما يحفظون القرآن عرضا فهم فيه متفوقون.
ولعل هذه هي الحكمة من إطلاق تسميتين مشهورتين على القرآن الكريم، من بين التسميات الكثيرة، فسمي «بالقرآن» وسمي «بالكتاب» (٢).
وبين ذلك العلامة الدكتور محمد عبد الله دراز، فقال:
«روعي في تسميته: «قرآنا» كونه متلوا بالألسن، كما روعي في تسميته: «كتابا» كونه مدوّنا بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه، وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين، لا في موضع واحد، أعني أنه يجب حفظه في الصدور، والسطور جميعا فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب المنقول إلينا، جيلا بعد جيل، على
_________________
(١) انظر: مقدمة ابن خلدون الفصل ٣١ في تعليم الولدان ٥٣٧ مقدمة تقييد وقف القرآن ٢١، ٢٢.
(٢) انظر هذه التسميات: جمال القراء ١/ ٢٣، الإتقان ١٤٤.
[ ١ / ٢٢٩ ]
هيئته التي وضع عليها أول مرة، ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر.
وبهذه العناية المزدوجة بقي القرآن محفوظا» (١).
فتوافرت العناية من جهتين مختلفتين من جهة حفظه وعرضه، ومن جهة رسمه وإعرابه بالنقط، وهذا واضح من فعل الرسول ﷺ حيث دعا من يكتب الوحي إلى جانب العرض والتلقي والرواية ومعارضته على جبريل.
وواضح أيضا من المصاحف التي أرسلها سيدنا عثمان إلى الآفاق حيث أنفذ مع كل مصحف قارئا، فتلازمت الكتابة في الخط مع الحفظ والعرض منذ بداية النزول، ومضت على ذلك الأجيال في كل الأعصار والأمصار، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
والخامس: أن العرب الخلص اتسمت لغتهم العربية بالإيجاز، وهو واد من أودية البلاغة والفصاحة، حتى قالوا: البلاغة الإيجاز، فجاء خط المصحف على سنن لغة العرب من الإيجاز في الرسم، فوافق خطهم لغتهم العربية، وبهذا تتجلى فصاحة الرسم القرآني وبلاغته.