سلك المؤلف في كتابه هذا منهجا بين بعضا منه في مقدمة كتابه، واستنبطت البعض الآخر من خلال الاستقراء والتتبع.
استهل المؤلف بمقدمة بين فيها بعض الملامح لمنهجه في كتابه، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ. ثم ذكر سبب تأليفه، وهو أن جماعة من العلماء وطلبة العلم سألوه أن يجرد لهم من كتابه الكبير المسمى «بالتبيين» هجاء المصاحف دون بقية مواضعه رغبة منهم في اتباع الصحابة ﵃، واقتفاء آثارهم فأجابهم إلى ذلك ابتغاء ما وعد الله من جزيل الثواب، وخوف الدخول في الوعيد لمن سئل عن علم فكتمه.
[ ١ / ٢٧١ ]
فذكر المؤلف أنه يبين زيادة بعض الحروف في بعض المصاحف والنقصان من بعضها الآخر، كقوله تعالى: سارعوا، وقوله:
وسارعوا كما نبّه أنه يذكر في أول كل سورة إن كانت مكية أو مدنية وعدد آي كل سورة في أولها، وذكر سبب تجريده فقال: «ليخف نسخه على من أراده، ويسهل نسخ المصحف منه لمن رغبه».
وقال: «وأسرد لهم القرآن آية آية، وحرفا حرفا من أوله إلى آخره، فيستغني به من لا يحفظ القرآن من الناسخين للمصاحف والدارسين له من المريدين والمتعلمين عن مصحف ينظر فيه، ونجعله إماما يقتدي به الجاهل ويستعين به الحافظ الماهر، ويزيل عنهم الالتباس في الحروف والكلم والآي» (١).
وذكر المؤلف أنه يجعل في آخره أصولا من الضبط على قراءة نافع بن أبي نعيم المدني، واعتمد في ذلك على مصاحف أهل المدينة في الهجاء وعدد الآي والخمس والعشر مع بيان المخالفين لهم في الهجاء من سائر مصاحف الأمصار.
ثم أجمل الكلام على السور المكية والمدنية فقال: «وأنا أجعل ذلك على الأصح من الروايات حسب ما انتقدته ورضيت سنده، وقيدته عن الإمام الحافظ أبي عمرو الداني». فحصر السور المختلف فيها في تسع عشرة سورة وسردها سورة سورة، وحصر السور المدنية في إحدى وعشرين سورة وسردها سورة سورة، ثم قال فيما بقي: «وسائرهن مكيات» وهي
_________________
(١) انظر: مقدمة المؤلف ص ٣، ٤.
[ ١ / ٢٧٢ ]
أربع وسبعون سورة مكية.
ثم ذكر أنه يعيد ذكرها في أول كل سورة، وقال: «فإن كانت السورة من التسع عشرة سورة المذكورات المختلف فيهن أضربت عن ذكرها، فإذا لم ير في أولها مكي ولا مدني علم أنها من المختلف فيها» وقال إنه يذكر في أول كل سورة عدد آياتها، وكلما مر برأس الخمس والعشر، ورأس الجزء، ذكر موضعه وقيده وبينه.
ثم بين المؤلف في مقدمته اصطلاحات جرى عليها، فجمع بين قارئين أو أكثر بكلمة اصطلح عليها جريا إلى الاختصار، ولم يلتزم بذلك في بعض الأحيان، حيث يتبع الكلمة المصطلح عليها بما تدل عليه، فيذكرها، ويذكر المراد منها.
فيجمع بين حمزة والكسائي بالأخوين، ويجمع بين ابن كثير وأبي عمرو بالصاحبين، ويجمع بين قراء الكوفة: عاصم وحمزة والكسائي بالكوفيين، ويجمع بين أبي بكر شعبة وأبي عمرو بالأبوين، ويجمع بين ابن كثير ونافع بالحرميين، ويجمع بين الكسائي وأبي عمرو بالنحويين، ويجمع بين ابن عامر وأبي عمرو بالعربيين، ويجمع بين ابن كثير وابن عامر بالابنين.
وذكر أنه إذا أتى حرف ما، له أصل يكثر دوره ويطّرد، ذكره في أول حرف منه، وينبه على كثرة دورانه واطراده، وحصره بعدد ثم يأتي به في كل موضع، ورد فيه في سورته حسب نسق التلاوة، خوف النسيان على ناسخ القرآن.
[ ١ / ٢٧٣ ]
ثم ختم مقدمة كتابه بسؤال الله ﷾ أن يمده بعونه ويعصمه من الزلل في القول والعمل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ثم استهل حديثه عن البسملة، واستدل على أنها ليست آية من الفاتحة، مما يدل على أنه يتبع مذهب الإمام مالك وأهل المدينة في العدد.
ويلاحظ أن المسائل والتوجيهات التي تعترضه، ولم يكن لها وجه في هجاء المصاحف، يحيلها على كتابه الأصل المسمى بالتبيين، ولم أجده أحال الرسم على كتابه.
وإذا أتى حرف في أول مواضعه يذكره ويضم إليه نظائره ويحصره بعدد ويشرحه كما تلاحظ ذلك عند الكلام على هجاء: إيّاك نعبد (١) فذكر عندها أحكام الهمز وأقسامها، وكل ما يتصل بها، ثم لما مرّ على حرف منها، في موضعه من السور أعاد وصف هجائه وأحال على ما تقدم.
ومثله ما فعله عند قوله: هدى لّلمتّقين (٢) فوصف هجاءها، ثم استطرد في ذكر كل ذوات الياء وجمع نظائرها ثم أعاد ذكر كل ما يرد منها في موضعه من السور.
يسرد المؤلف في التنزيل وصف هجاء الكلمات القرآنية على ترتيبها في المصحف، من أول سورة الفاتحة إلى سورة الناس، ولكنه يخالف هذا المنهج في بعض الأحوال، فإذا اشتركت الكلمة مع كلمة أخرى متأخرة
_________________
(١) من الآية ٤ الفاتحة.
(٢) من الآية ١ البقرة.
[ ١ / ٢٧٤ ]
عنها ضمها إلى نظيرتها، فيجمع النظير إلى نظيره، ثم يعيد الكلام عليه في موضعه. انظر ما فعله في قوله تعالى: وإذا قيل لهم (١) ضم إليها قوله تعالى: سىء بهم، وسيئت، وسيق، وجىء، وحيل.
وانظر ما صنعه في قوله تعالى: سبع سموت (٢) فضم إليها:
سموت فصلت، وجمع معها: ثمنى، وثمنين، وثمنية أيام، واليتمى، واستطرد إلى حذف الألف من الأسماء الأعجمية وإن لم ترد في هذا الخمس من الهجاء.
والملابسة هي وجود الألف في اللفظ قبل الميم أو بعدها، والمؤلف نفسه صرّح في مقدمته بأنه يفعل ذلك، إذا كان له أصل يكثر دورانه ويطرد، يحصره بعدد، ثم يأتي به في كل موضع ورد فيه، وما ذكرته ليس من هذا القبيل.
وفعل ذلك عند قوله: مستهزءون (٣) فذكر حذف صورة الهمزة ثم ضم إليها كل ما كان مثلها مما اجتمع فيه واوان ثم لما مرّ على حرف منها في سورته أعاد الكلام عليه.
ومثل ذلك ما ذكره في زيادة الألف بعد واو الجمع عند قوله:
إنّ الّذين كفروا (٤) فضم إليه جميع ما يماثله. وما يستثنى منها، ثم لما مرّ على حرف منها في موضعه من السورة أعاد ذكره.
_________________
(١) من الآية ١٠ البقرة.
(٢) من الآية ٢٨ البقرة.
(٣) من الآية ١٣ البقرة.
(٤) من الآية ٥ البقرة.
[ ١ / ٢٧٥ ]
ومثله ما فعله في حذف ألف ياء النداء عند قوله: يأيّها النّاس (١) وجمع معه نظائرها ثم أعاد ذكرها في موضعها من السورة.
فترتب على هذا المنهج حشد الأمثلة، فجاء التكرار ظاهرة لافتة للنظر، وقد لاحظه المؤلف، فقال: «وقد ذكر ذلك كله، وإنما تكرر للبيان وخوف النسيان على ناسخ المصحف، فيكون تذكرة للحافظ الفاهم غير ضار له وتنبيها وتعليما لغيره»، فبين المؤلف وجه الحاجة إليه فهذا المنهج يسهل على نساخ المصاحف الرجوع إلى الكلمة في موضعها من السورة دون البحث والرجوع إلى ما تقدم.
وأخذ هذا المنهج من جاء بعده من المؤلفين، مثل عيد رضوان المخللاتي في كتابه إرشاد القراء والكاتبين (٢).
وهذا منهج القرآن الكريم، لأن الله ﷿، وصف كتابه بقوله:
كتبا متشبها مّثاني (٣)، تثنى فيه الأخبار والقصص والأحكام، وجميع المواضع النافعة لحكم عظيمة وأمرنا بتدبر جميعه، ولا يكتفي منهج القرآن بذكر ما يتعلق بالمواضع السابقة عن ذكر ما يتعلق بالمواضع اللاحقة.
ثم استرسل المؤلف في موضوعه مرتبا الكلام في ذلك على السور والآيات، على نسق التلاوة وترتيب المصحف من أول فاتحة الكتاب إلى آخر سورة الناس متبعا في ذلك منهج المفسرين في تناولهم لتفسير القرآن.
_________________
(١) من الآية ٢٠ البقرة.
(٢) توجد منه نسخة مخطوطة عند الشيخ الأستاذ المقرئ تميم الزعبي.
(٣) من الآية ٢٢ الزمر.
[ ١ / ٢٧٦ ]
وقسم السورة إلى خمس آيات خمس آيات، فيذكر كل ما فيها من هجاء ويصفه وصفا دقيقا، وإذا كانت الخمس تتضمن هجاء كثيرا اقتصر على الآية والآيتين بدل الخمس، ثم يذكر الآية التي تليها إلى نهاية الخمس. ويكثر هذا في مقدمات الكتاب لكثرة الهجاء فيها، وكلما تقدم المؤلف، فإنه يقتصر على الخمس لقلة الهجاء فيه، ولكونه تقدم له نظير.
وكلما مر برأس الخمس ذكره، وقال: «رأس الخمس الأول» وهكذا في الثاني والثالث، إلخ.
ويقصد بالخمس: خمس آيات، وبالخمس الثاني: خمس آيات بعد العشر، وبالخمس الثالث: خمس آيات بعد العشرين وهكذا.
وإذا مر على رأس العشر من الآيات ذكره، وقال: «رأس العشر الأول» وهكذا يفعل كما فعل في الخمس، وهي طريقة الصحابة في الحفظ؛ إذ كانوا لا يتجاوزون الخمس أو العشر آيات حتى يعلموا ما فيهن من العلم والعمل.
وسلك المؤلف أبو داود في حديثه عن وصف هجاء الكلمة طريقة إحصائية لم نعهدها عند غيره، إما بعدّ حروف الكلمة أو بتقطيعها أو بذكرها بالوزن الصرفي وهذا كثير.
وتارة يجمع بين العدّ والتقطيع كما فعل ذلك في وصف هجاء قوله تعالى: فنادته المليكة (١)، فقال: فنادته على ستة أحرف، وقطعها حرفا حرفا، فحصره لهجاء الكلمة بالعدّ لضمان عدم الزيادة فيها أو النقص منها مثل ما قال: أنّك (٢) على ثلاثة أحرف ويقطعها:
_________________
(١) من الآية ٣٩ آل عمران.
(٢) من الآية ٩٠ يوسف.
[ ١ / ٢٧٧ ]
«أ، نّ، ك» نفيا لتوهم رسم صورة الهمزة ومثل قوله تعالى: وإن مّا نرينّك (١) كتبوه في جميع المصاحف بالنون على الأصل ليس في القرآن غيره على أربعة أحرف: «إ- ن- م- ا» وكتبوا سائرها فيما مضى قبل أو يأتي بعد بغير نون على الإدغام على ثلاثة أحرف: «إ- م- ا».
أما استعماله للوزن الصرفي لبيان أصل الكلمة، وما حصل فيها من إعلال وإبدال، فأكثر من أن يحصر.
وكثيرا ما يهتم بالترجمة والرسم العملي لوصف هجاء الكلمات.
ترجم أبو داود للحذف، إذ هو المخالف لقاعدة الرسم القياسي المحتاج إلى البيان، أما الإثبات فلا حاجة إلى التنصيص عليه لمعرفته من قاعدة الخط، وتصوير الكلمة بحروف هجائها، بتقدير الابتداء بها، والوقف عليها، ولذلك لم يتعرض لشيء منه استقلالا، بل لداع وأمر يقتضي ذلك كالاستثناء، أو ما جاء فيه الخلاف، فتعرض مثلا إلى إثبات ألف:
النهار، والحساب، والعقاب، والجبار (٢).
وتعرض للفعل المضارع المجزوم بحذف حرف العلة، ولم يقتصر على الرسم الاصطلاحي بل ذكر أيضا الرسم القياسي ويتضح ذلك في باب الهمز عند قوله تعالى: إيّاك نعبد (٣).
وبين المؤلف لناسخ المصحف أن يترك فسحة بين الحروف لإلحاق
_________________
(١) من الآية ٤١ الرعد.
(٢) انظر قوله تعالى: ولهم عذاب من الآية ٦ البقرة.
(٣) من الآية ٤ الفاتحة.
[ ١ / ٢٧٨ ]
الشكل وحروف المدّ، وعدّه المؤلف من كمال الناسخ، ومن مؤكد ما يحتاج إليه الضابط أن يترك موضعا لإلحاق الألف والواو والياء المحذوفات من الرسم فوصفه بقوله: «فهو من كمال الناسخ، ومن مؤكد ما يحتاج إليه الضابط وإلا لم يتم له المراد ولا استبان».
وقال: «وأن لا يقع في حرج، ويوقع غيره في أعظم من ذلك، إذا كان جاهلا بالخط، أو مستهزئا بالأمر وغير مراع لما يجب عليه من ذلك».
وهذا فيه حرص على المحافظة على الرسم، وفيه الحرص على تجريد المصحف، وعدم خلط إلحاق المحذوف باللون، كما شاع ذلك في القرون الأولى، أو بإلحاق المحذوف بالصغر والدقة تمييزا له عن الرسم كما هو الحال في زماننا هذا، ونظرا لإدماج الحروف بعضها في بعض في بعض مصاحفنا الحالية، رأيت بعض الحركات ليست على حرفها المتحرك بها.
فيجب ترك الفسحة وعدم إدماج الحروف لإلحاق المحذوف والحركات.
وبين﵀- أن خط المصاحف رسم على لغة أهل الحجاز واختارها المؤلف على غيرها من اللغات، فقال عند قوله تعالى: وإذا قيل لهم (١) كتبوه بياء بعد القاف وفيها لغتان: «الضم والكسر، إلا أن الخط مبني على لغة أهل الحجاز ومن وافقهم من قريش وكنانة ومن جاورهم وهي الكسر لا غير»، ثم إنه اختار هذه اللغة فقال عند قوله تعالى: فمن تبع هداي (٢): «وأنا أستحب كتب ذلك بألف موافقة
_________________
(١) من الآية ١٠ البقرة.
(٢) من الآية ٣٧ البقرة.
[ ١ / ٢٧٩ ]
للغة أهل الحجاز وللمصاحف المرسومة فيها ذلك كذلك، وهروبا من لغة هذيل، وبعض سليم الذين يقولون: «هديّ» مثل: «عليّ» و«لديّ» و«هويّ» و«قفيّ».
أقول: وهو الموافق لقول عثمان ﵁ لنفر القرشيين: إذا اختلفتم أنتم وزيد فاكتبوه بلسان قريش.
قال الشيخ نصر الهوريني: «ومعلوم أن لغة قريش أفصح اللغات، فلذا كان الكتب على لغتهم أولى، لا سيما وقد جرى عليها رسم المصحف» (١).
ومما يجب معرفته: منهج المؤلف وطريقته في بعض الحروف؛ لأن الناقل عن التنزيل دون معرفة لمنهجه يقع في أخطاء؛ من ذلك مثلا:
أن المؤلف إذا ذكر قاعدة ذات وجهين ثم أعاد فردا من أفرادها، مقتصرا على أحدهما، فمحمل الاقتصار عنده على الترجيح للمذكور، والاكتفاء عن الآخر بما قدمه، وتتضح هذه القاعدة في كلام المؤلف عن ألف المثنى، فقال عند قوله تعالى: وما يعلّمان (٢): «فكتبوه بألف وبغير ألف أيضا، وبالألف أختار لمعنيين: أحدهما موافقة لبعض المصاحف والثاني إعلاما بالتثنية».
ثم إذا ما جاء بعد ألف التثنية تراه قد يقتصر فيه على أحد وجهي الخلاف بعد أن قرره اختيارا منه لهذا الوجه.
_________________
(١) المطالع النصرية ص ٢٦.
(٢) من الآية ١٠١ البقرة.
[ ١ / ٢٨٠ ]
من ذلك مثلا ذكر اختلاف المصاحف في إثبات الألف وحذفها في قوله: إسرائيل (١) واختار حذف الألف، ثم اقتصر عليه، عند قوله تعالى: ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل (٢). ومثل ذلك ما ذكره عند قوله: قل أرأيتكم (٣) ذكر فيه اختلاف المصاحف ثم اقتصر على الحذف في قوله: أفرايت (٤) ترجيحا منه للحذف.
منهج المؤلف واختياره في بعض الحروف غير واضح، حيث إنه قرّر اختلاف المصاحف في قوله تعالى: بآيتنا في البقرة (٥) ولم يعين اختياره كعادته، إلا أنه في بعض الكلمات التي تليها كقوله تعالى:
بأيت في الأنفال (٦) اقتصر على رسمها بياءين على أحد الوجهين.
وقد يدل اقتصاره عليه ترجيح الرسم بالياءين، وتقدم في البقرة (٧).
وإذا ذكر حرفا بحكم ما وعمّ فيه كقوله: «كيف أتى» أو: «حيث جاء» أو «كيف وقع» و«كيف ما تصرف» فهو عام لجميع حروفه ونظائره سواء فيها ما تقدم ذلك الموضع، أو ما تأخر عنه.
وقد يكتفي المؤلف بالسابق عن اللاحق، وسواء أشار في الألفاظ التي بعد المذكور إلى الإحالة عليه أم لا، كأن يقول: «تقدم» أو «هجاؤه مذكور».
_________________
(١) ذكر ذلك في الكتاب عند الآية ٢٨ البقرة.
(٢) من الآية ٢٤٤ البقرة.
(٣) من الآية ٤١ الأنعام.
(٤) من الآية ٢٢ الجاثية.
(٥) من الآية ٣٨ البقرة.
(٦) من الآية ٥٥ الأنفال.
(٧) من الآية ٣٨ البقرة.
[ ١ / ٢٨١ ]
وسأبين في ملاحظاتي على الكتاب بعض الكلمات التي لم يظهر فيها منهج أبي داود. فالمؤلف﵀- اعتمد في عد آي القرآن على مذهب أهل المدينة، وأطلق القول في ذلك، فقال: «وعلى مصحف أهل المدينة يكون تعويلنا إن شاء الله في الهجاء وعدد الآي»، وحدّده بعدد المدني الأخير، فقال عند قوله: لعلّكم تتفكّرون (١) رأس الآية عند المدني الأخير الذي بنينا كتابنا عليه، في التعشير والتخميس، وعدد الآي» ولذلك التزمت في عزو الآيات إلى سورها على المدني الأخير موافقة لمذهب المؤلف.
وعند بداية كل سورة يذكر عدد آياتها على المذهب المذكور دون بقية المذاهب، ومن حين لآخر يذكر بعض رءوس الآي على بقية مذاهب علماء العدد. فقال عند قوله: وأولئك هم المفلحون (٢) رأس الخمس عند الكوفيين لأنهم عدّوا: ألمّ ولم يعدّها الباقون. وقال عند قوله: لا يؤمنون (٣) «رأس الخمس عند المدني والمكي، والبصري والشامي». وقال عند قوله: مصلحون (٤) رأس العشر عند الجميع حاشا الشامي وحده. لكن هذا المنهج لم يطرد ولم يتناول جميع الكتاب.
بين المؤلف بعض رءوس الآي على مذهب من عدّه، ومن لم يعدّه، إلا أنه لم يشمل جميع الكتاب بل في بعض المواضع، كقوله تعالى:
_________________
(١) من الآية ٢١٧ البقرة.
(٢) من الآية ٤ البقرة.
(٣) من الآية ٥ البقرة.
(٤) من الآية ١٠ البقرة.
[ ١ / ٢٨٢ ]
يأولى الألبب (١)، وقوله تعالى: لعلّكم تتفكّرون (٢)، وقوله تعالى: الحيّ القيّوم (٣)، وقوله تعالى: إلى النّور (٤)، وقوله تعالى: من خلق (٥) وقوله تعالى: خائفين (٦)، وفي آل عمران في قوله تعالى: والإنجيل (٧) وقوله تعالى: والفرقان (٨)، وفي قوله تعالى: والإنجيل في موضعه الثاني (٩).
ومن حين لآخر كان ينبه على ما يشبه رأس الآية ولا يعدّه أحد من العادين. فقال عند قوله تعالى: عذاب أليم (١٠): يشبه بفاصلة، وليس كذلك وقال عند قوله تعالى: جبّارين (١١)، وليس:
جبّارين برأس آية عند أحد من العادين. وقال عند قوله تعالى:
يوصي بها أو دين (١٢)، وليس هذا برأس آية.
لمست في منهج المؤلف ميزة لم تعهد عند غيره ولم يذكرها غيره، وبسبب خلو الكتب منها أثار المناقشون للرسائل العلمية اختلافا فيما بينهم.
فالمؤلف ﵀ كلما ذكر تعليلا للقراءة أو توجيها للرسم، فإنه يردفه ويعقب عليه بقوله: «هذا مع اتباعه من قرأ عليه» إشعارا منه بأن التعليل
_________________
(١) من الآية ١٩٦ البقرة.
(٢) من الآية ٢١٧ البقرة.
(٣) من الآية ٢٥٣ البقرة.
(٤) من الآية ٢٥٦ البقرة.
(٥) من الآية ١٩٩ البقرة.
(٦) من الآية ١١٣ البقرة.
(٧) من الآية ٢ آل عمران.
(٨) من الآية ٣ آل عمران.
(٩) من الآية ٤٨ آل عمران.
(١٠) من الآية ٩٠ آل عمران.
(١١) من الآية ٢٤ المائدة.
(١٢) من الآية ١١ النساء.
[ ١ / ٢٨٣ ]
والتوجيه تابع للقراءة وللتلقي وللسماع، وإن كان يوافق ذلك وجها في العربية فصيحا أو أفصح، فالتماس التعليل والتوجيه بعد متابعة الرواية.
فقال عند قوله تعالى: فلم تقتلون (١) بعد أن بين الوقف على «فلم» قال: «هذا مع اتباعه من قرأ عليه لقوله ﷺ: «اقرءوا كما علمتم».
وقال عند قوله تعالى: وما أنت بهد العمي (٢) «اتباعا للمرسوم، ولمن أخذنا ذلك عنه، إذ ليس للقياس طريق في كتاب الله ﷿ وإنما هو سماع وتلقين لقوله ﷺ: «اقرءوا كما علمتم»، فلا يجوز أن يقرأ أحد إلا بما أقرئ وسمع تلاوة من القارئ على العالم أو من العالم على المتعلم عن قصد منهما لذلك».
ويكاد هذا التعقيب والمتابعة يكون عاما في كتابه، فقال عند قوله تعالى: وقد هدان (٣): «وحذف الياء أبو عمرو ومن وافقه في الوقف موافقة للخط، واتباعا لمن قرأ عليه من أئمته، وقرأ الباقون بحذفها في الحالين موافقة للخط، واتباعا للرسم وحسب ما قرءوا به على أئمتهم».
وقال في موضع آخر: «موافقة للرسم واتباعا لمن قرأ عليه»، وقال:
«اتباعا للرسم، ولمن قرأ عليه».
لمست في كتابه روح السهولة واليسر، وعدم التكلف والتعصب، سواء أكان ذلك فيما يتعلق بالشكل أم بالمحتوى أم بما ذهب إليه واختاره، فعباراته ولغته سهلة، كما ظهرت هذه السهولة واليسر في اختياراته
_________________
(١) من الآية ٩٠ البقرة.
(٢) من الآية ٨٣ النمل.
(٣) من الآية ٨١ الأنعام.
[ ١ / ٢٨٤ ]
وترجيحاته، ويتجلى ذلك في بعض الكلمات حيث يروي رواية مخالفة لما رواه غيره، فلا يردها بل يحترمها ويحسّن العمل بها.
فقال عند قوله تعالى: ولولا نعمة ربّي (١): «بالهاء هذه روايتنا، ورأيت الغازي بن قيس وحكما وعطاء قد رسموها بالتاء، وكلاهما حسن، فليكتب الكاتب ما أحب من ذلك، فهو في سعة لمجيء الروايتين عنهم بذلك».
بل إنه إذا اختلفت المصاحف في حرف ما ولم يجد فيه رواية يختار وجها ويصرح بعدم المنع من الوجه الآخر.
فقال عند قوله تعالى: وجعل اللّيل سكنا (٢): «وأنا أستحب كتاب ذلك بغير ألف لجميع القراء وإن كتبه الناسخ للعربيين والحرميين بألف على قراءتهم، وللكوفيين بغير ألف على قراءتهم أيضا فحسن، إذ لم تبلغنا رواية أنه كتب في مصحف من مصاحف الأمصار بوجه ما وإنما جاءت الرواية مبهمة، أن ذلك في بعض المصاحف كذا وفي بعضها كذا من غير تسمية مصر بعينه مخصوص به، فبذلك أوجب إطلاق الناسخ».
وإذا تعادل عنده الرأيان حسّن الوجهين، وخيّر ناسخ المصحف أن يختار ما يشاء. فقال عند قوله تعالى: فنظرة بم يرجع المرسلون (٣):
«كتبوه في بعض المصاحف بألف، وفي بعضها بغير ألف، ولا رسمها الغازي، وأما حكم وعطاء فرسماها بألف، والكاتب مخيّر فيها، فليكتب
_________________
(١) من الآية ٥٧ الصافات.
(٢) من الآية ٩٧ الأنعام.
(٣) من الآية ٣٦ النمل.
[ ١ / ٢٨٥ ]
كيف يشاء لمجيء ذلك عن الصحابة ﵃ بالوجهين».
وكذلك إذا لم يرو في الحرف شيئا يخيّر الكاتب في الإثبات والحذف، فنص على ذلك عند قوله تعالى: ومن آياته أن يرسل الرّياح مبشّرات (١).
فالمؤلف لا يتشدد ويتمسك بقبول وجه وردّ الآخر إذا اختلفت المصاحف ولم يظهر له وجه الترجيح، فيطلق لناسخ المصحف أن يختار ما يشاء، ويضبط بما يريد، ويحسّن الوجهين، فيقول: «وكلاهما حسن» ويقول: «وكلاهما حسن، فليكتب الكاتب ما أحب من ذلك»، ويقول:
«وهو في سعة من ذلك».
وحتى عند ما يختار وجها ما، فإنه ينص على عدم منعه من الوجه الثاني، فيقول: «فأختار كذا ولا أمنع من الثاني».
ونرى المؤلف يتمسك بالرواية الثابتة والأثر والنقل ولو كان يخالف قراءته، فقال عند قوله تعالى: إذا مسّهم طيف (٢): اختلفت المصاحف فيه وأنا أستحب كتبه بغير ألف على حسب روايتنا ذلك عن نافع بن أبي نعيم المدني، وإن كانت قراءته بألف لروايتنا عنه ذلك في الهجاء، ولتتابع الرواية في الخط واللفظ، ولا أمنع من إثبات الألف للغير لما قدمناه من الرواية أيضا لذلك.
_________________
(١) من الآية ٤٥ الرّوم.
(٢) من الآية ٢٠١ الأعراف.
[ ١ / ٢٨٦ ]
واختياره غالبا ما يكون موافقا لمصاحف أهل المدينة، فقال عند قوله تعالى:
سحرن تظهرا (١) واختياري حذف الألف الأولى بين السين والحاء لروايتنا ذلك عن مصاحف المدينة، وبعض مصاحف سائر الأمصار.
وقال عند قوله تعالى: بكلّ سحر عليم (٢) بعد أن نقل فيه اختلاف المصاحف، قال: «قال نصير: وفي بعضها «سحر» بغير ألف أيضا، وهو الذي أختار، وبه أكتب موافقة لرسم أهل المدينة، وما رويناه عن بعض المصاحف التي كتب فيها ذلك كذلك».
أما إذ اختلفت المصاحف في حرف ما وظهر وجه الترجيح فلا يحسّن الوجهين، فيختار الرسم الذي يحمل القراءتين، فقال عند قوله تعالى:
واذكر عبدنا (٣): وأستحب كتب كلمة «عبدنا» بغير ألف بين الباء والدال لقراءة ابن كثير على التوحيد.
وبين أن الصحابة ﵃ اكتفوا بالفتحة عن الألف لدلالتها عليها ليجمعوا بين القراءتين بصورة واحدة.
فقال عند قوله تعالى: لما ءاتينكم من كتب (٤): «واكتفى الصحابة ﵃ بفتح النون من الألف لدلالتها عليها حسب ما تقدم وجمعها بين القراءتين بصورة واحدة حسب ما فعلوه في سائر المصاحف ﵃ أجمعين».
_________________
(١) من الآية ٤٨ القصص.
(٢) من الآية ١١١ الأعراف، انظر هذا الكلام في سورة يونس عند الآية ٨١.
(٣) من الآية ٤٤ سورة ص.
(٤) من الآية ٨٠ آل عمران.
[ ١ / ٢٨٧ ]
وإذا ورد اختلاف المصاحف في رسم حرف ما وتضمن هذا الحرف قراءات، رجح المؤلف الرسم الذي يحمل القراءات، مثال ذلك أن المصاحف اختلفت في رسم: «كلمت» في بعضها بالهاء، وفي بعضها بالتاء.
قال أبو داود: فما قرئ من هذا وشبهه بالجمع، فلا يجوز أن يكتب إلا بالتاء على كل حال مثل: «السموت» و«الثمرت» و«الخيرت» وشبهه (١).
وقال عند قوله تعالى: فلا يخاف ظلما (٢): «قرأها ابن كثير بجزم الفاء من غير ألف، فعلى قراءته يجب أن تكون هذه الكلمة من غير ألف وعلى قراءة أهل المدينة والعراق والشام يحتمل أن تكتب بالألف لقراءتنا ذلك كذلك لهم، ويجوز حذف الألف على الاختصار، وليس عندنا للمصاحف في هذا الحرف رواية، إلا أن الذي يجب في القياس
أن تكون في مصاحف أهل مكة بغير ألف لما ذكرناه»، فهنا استند على القراءة.
ولم أجد له إلا موضعا واحدا اختار فيه الرسم الذي يخالف القراءة المتواترة، والمؤلف نفسه نص على أن الصحابة يجمعون برسم واحد بعض القراءات.
فقال عند قوله تعالى: يسألون عن أنبائكم (٣): كتبوه في بعض المصاحف من غير صورة للهمزة، وبذلك أكتب، وهو الذي روينا عن
_________________
(١) انظر قوله تعالى: يرجون رحمت الله في الآية ٢١٦ البقرة.
(٢) من الآية ١٠٩ طه.
(٣) من الآية ٢٠ الأحزاب.
[ ١ / ٢٨٨ ]
نافع عن مصاحف أهل المدينة، وكتبوا في بعضها بألف على قراءة رويس، فالمرجح هنا الرسم بالألف رعاية لقراءة يعقوب من رواية رويس، فالمؤلف في هذه الكلمة خالف أصله.
وإذا جاءت الرواية شاذة مخالفة لسائر المصاحف لا يقبلها ويختار ما جاء في سائر مصاحف الأمصار، فقال: «وحكى أيوب بن المتوكل أن في مصاحف أهل المدينة: إنّا لننصر (١) بنون واحدة ولم أرو ذلك في حروف نافع، لا من طريق قالون ولا من طريق الغازي، ولا ذكر ذلك عطاء ولا حكم في كتابيهما، ولا ابن أشتة، قال أيوب بن المتوكل:
وفي سائر المصاحف: إنّا لننصر بنونين».
قال أبو داود: «وهو الذي أختار وبه أكتب».
وما وقع رسما دون رواية أو رآه في المصحف دون رواية لا يأخذ به، فقال عند قوله تعالى: فبأيّ حديث (٢): «ووقع في مصحف الغازي ابن قيس بياءين على الأصل، وليست لي فيه رواية، وبياء واحدة أكتب».
وقال عند قوله تعالى: وإيتائ ذي القربى (٣): «ورسمه الغازي ابن قيس بياء بعد التاء من غير ألف بينهما، وبالألف أكتب».
فالمؤلف يتبع الغازي بن قيس فيما رواه لا فيما رسمه، فإذا وقع عنده حرف برسم ما دون النص على الرواية لم يتابعه عليه، فهو يتبع روايته دون رسمه؛ مثال ذلك:
_________________
(١) من الآية ٥١ غافر، وانظر الآية ١٤ يونس.
(٢) من الآية ١٨٥ الأعراف.
(٣) من الآية ٩٠ النحل.
[ ١ / ٢٨٩ ]
قال: «ورسم الغازي بن قيس هنا: أرحام الانثيين (١) بغير ألف وكذا وقع عنده رسما دون ترجمة، ورسم في الأنفال: وأولوا الارحام (٢) بألف، والله أعلم كيف وقع هذا، والذي أختاره في الجميع بألف».
وعند ما وافقت الرواية ما رسمه الغازي بن قيس صححه المؤلف، وتابعه عليه. فقال عند قوله تعالى: إنّما عند الله (٣): «متصلا كذا رسمه الغازي بن قيس، ورويناه عن جماعة منهم ابن الأنباري ونصير النحوي وحمزة وأبو حفص وغيرهم، ورسمه حكم وعطاء الخراساني منفصلا مثل الذي وقع في الأنعام رسما دون ترجمة، والصحيح ما قدمناه».
وقال عند قوله تعالى: فبما رحمة مّن الله (٤): «ورسم هذه الغازي وحكم وعطاء بالتاء رسما دون ترجمة، لم يذكرها غيرهم، واختياري ما قدمته: «رحمة» بالهاء، ولا يجوز عندي أن يكتب بالتاء».
وهذا يدل دلالة قاطعة على أن كل ما ذكره في كتابه هو ما رواه عن شيوخه وإن كان ساقه مجردا من ذكر السند.
وإذا عدم الرواية تأمل المصاحف العتيقة، ولم يلجأ إلى القياس إلا إذا كان له سند يقويه من نحو قراءة أو نظير يحمل عليه. فقال عند قوله
_________________
(١) من الآية ١٤٤ الأنعام.
(٢) من الآية ٧٦ الأنفال.
(٣) من الآية ٩٥ النحل.
(٤) من الآية ١٥٩ آل عمران.
[ ١ / ٢٩٠ ]
تعالى: وعلمت وبالنّجم (١): «بغير ألف كذا رأيته في مصاحف قديمة، وليست لي فيه رواية، ويجب أن يكون في القياس، مثل ما رويناه من حذف ما اجتمع فيه ألفان نحو: فالصّلحت، وقنتت، وشبهه».
وأصرح من ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: اجتبيه (٢) فقال:
«بغير ألف، وأصل هذه الكلمة أن تكون بياء بين الباء والهاء، إلا أنني لم أرو ذلك عن أحد، ولا رسمها أحد في كتابه لا بالياء ولا بالألف، ثابتة ولا محذوفة فلما رأيتهم قد أضربوا عنها تأملتها في المصاحف القديمة، فوجدتها بغير ألف وفي أكثرها بالألف»، وجوّز فيها الأوجه الثلاثة. وهي أوضح من أن يلتمس لها رواية، لأنها من ذوات الياء فالمؤلف حريص على التزام الرواية.
ثم إن المؤلف يرد على من خالف الإجماع، فذكر أن أبا حاتم السجستاني ذكر أن في بعض المصاحف: وهيّئ لنا (٣)، ويهيّئ لكم (٤) بألف صورة للهمزة، فرد ذلك المؤلف، وقال: «وذلك خلاف للإجماع، والذي قدمته هو الصحيح».
ونقد المؤلف بعض من يكتب المصاحف ولا يعرف العربية، فقال عند
_________________
(١) من الآية ١٦ النحل.
(٢) من الآية ١٢١ النحل.
(٣) من الآية ١٠ الكهف.
(٤) من الآية ١٦ الكهف.
[ ١ / ٢٩١ ]
قوله تعالى: وإن تدعوهم (١): «وكتبوا في الكهف: وإن تدعهم (٢) بغير واو، لأنه مجزوم بطرح الواو، لأنه هناك للواحد، وهنا للجماعة، فسقطت النون للجزم، وإنما قيدت ذلك لأني رأيت بعض من يكتب المصاحف ولا يبصر العربية قد غلط فيها».
وقال عند قوله تعالى: وألّف بين قلوبهم (٣) «ألف» بلام واحدة ولا يجوز غير ذلك، إذ هو فعل، وإنما قيدته لأني رأيت كثيرا من كتاب المصاحف وغيرهم قد رسموها بلامين جعلوها مثل الألف واللام اللتين يدخلان للتعريف».
وقد اعتنى المؤلف بالقراءات وتوجيهها، وقد يذكر لها شواهد من الشعر. فاستشهد لقراءة ابن عامر عند قوله تعالى: وكذلك زيّن لكثير (٤)، واستشهد لقراءة ابن كثير عند قوله تعالى: إنّه من يتّق ويصبر (٥).
واستشهد لقراءة الحرميّين عند قوله تعالى: فاسر (٦).
والمؤلف ﵀ تابع شيخه أبا عمرو الداني في تجزئة رمضان حيث جزّأ القرآن على سبعة وعشرين على عدد الحروف ليوافق ختم القرآن في صلاة التراويح ليلة السابع والعشرين من رمضان، وكلما مرّ بجزء منه
_________________
(١) من الآية ١٩٨ الأعراف.
(٢) من الآية ٥٦ الكهف.
(٣) من الآية ٦٤ الأنفال.
(٤) من الآية ١٣٨ الأنعام.
(٥) من الآية ٩٠ يوسف.
(٦) من الآية ٨٠ هود.
[ ١ / ٢٩٢ ]
ذكره، إلا أنه لم يراع هذه التجزئة، لأن معظمها ليس بمحل للوقف لتعلق الكلام بعضه ببعض، فقال:
«وأنا أذكر كل جزء منها في موضعه كلما مررت به، وفيها مواضع يكره القطع عليها لتعلق الكلام بعضه ببعض، وارتباطه به، وأستحب الوقوف على ما قبل ذلك بيسير أو بعده بقليل، في كل موضع لم يكن الوقف عليه ليتم» وسأنبه على ذلك كله في موضعه إن شاء الله (١).
وقال أيضا عند قوله تعالى: ما يوحى (٢): «وأستحب أنا أن يوقف قبل ذلك بثلاث آيات عند قوله تعالى: بصيرا لأنه آخر سؤال موسى ربه، وهنا عند قوله تعالى: ما يوحى كلام متعلق لا يصلح الوقف عليه، ولا الابتداء بما بعده». وقال أيضا: «وأختار للمصلي بالناس أن يقطع على قوله ﷿: وهم صاغرون (٣) ثم يبتدئ بقوله: قال يا أيّها الملؤا فهو أحسن عندي».
لكن بعضها لا يسلم له فيها كما هنا، فالأحسن منه أن يقطع على قوله ﷿: لله ربّ العالمين لأنها نهاية القصة وابتداء أخرى، فيبتدئ في اليوم التالي بقوله تعالى: ولقد
أرسلنا إلى ثمود (٤).
وإذا مرّ بالجزء من أجزاء الستين- وهو المسمى عند علماء المغرب
_________________
(١) انظر قوله تعالى: شاكر عليم في الآية ١٥٧ البقرة.
(٢) من الآية ٣٧ طه.
(٣) من الآية ٣٨ النمل.
(٤) من الآية ٤٧ النمل.
[ ١ / ٢٩٣ ]
بالحزب- نبه على موضعه قائلا: «رأس الجزء الأول من أجزاء ستين» متبعا في ذلك مذهب أبي عمرو الداني.
وكثيرا ما يخالف هذه المواضع. فذكر رأس الحزب في نهاية سورة الأنعام، وقيل: عند قوله تعالى: أو هم قائلون (١)، واختار رأس الحزب آخر سورة الأنعام وذكر قولين لرأس الحزب: الأول في نهاية سورة يونس، والثاني عند قوله تعالى: بذات الصّدور (٢)، وقال: «وكلاهما حسن والأول أختار». وذكر في هود ثلاثة أقوال، واختار رأس الحزب عند قوله: ببعيد (٣)، فقال: «والذي أختار هذا لكونه أول قصة، ولكون الثاني متعلقا بالقصة الأولى وهو قوله: الرّشيد (٤) وودود (٥).
واختار قوله تعالى: العزيز الرّحيم (٦) نهاية قصة إبراهيم ﵇، فقال: «رأس الجزء السابع والثلاثين باختلاف يأتي بعد، وهذا الذي أختار، لأنه تمام قصة وابتداء أخرى».
وكلما مر بالآيات المتشابهات التي تكررت في القرآن وألفاظها متفقة، لكن وقع في بعضها زيادة أو نقصان أو تقديم أو تأخير أو إبدال حرف مكان حرف ذكرها وبينها لتقوية الحفظ وسهولة الاستذكار، إلا أنه ليس
_________________
(١) من الآية ٣ الأعراف.
(٢) من الآية ٥ هود.
(٣) من الآية ٨٢ هود.
(٤) من الآية ٨٧ هود.
(٥) من الآية ٩٠ هود.
(٦) من الآية ١٠٤ الشعراء.
[ ١ / ٢٩٤ ]
على سبيل الاستقصاء والحصر، ولم يتتبع كل الآيات المتشابهة كما فعل ابن المنادي في كتابه متشابه القرآن، ولم يتعرض للتوجيه والتعليل كما صنع أحمد بن الزبير الغرناطي في ملاك التأويل، ومحمود الكرماني في البرهان، فهو يكتفي ببيان الفرق، وقد تعرض لموضع واحد بالتوجيه فقال: «ووقع في الأعراف: فانبجست (١) مكان: فانفجرت (٢) هنا، ومعناهما واحد، وقيل: الانفجار: خروج الماء الكثير، والانبجاس:
خروج الماء قليلا قليلا، فكأنه كان الانبجاس ابتداؤه ثم الانفجار بعده».
ويحصر بعضه بعدد معين مثل قوله: إنّنا (٣) بنونين، وذكر:
«اللعب» قبل: ولهو (٤) أو العكس، وذكر فيه رجزا من نظمه.
ومثله: حكيم عليم (٥) بين جميع مواضعه، وسائرها عليم حكيم.
وإذا مرّ بقراءة شاذة خالفت خط المصحف أنكرها وشدد في النكير.
فقال: «وقد جاء عن عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ما لا يصح عنهما، ولا تجوز القراءة به، لورود ذلك عنهما من طريق الآحاد، ومخالفة ما جاء عنهما وعن غيرهما من طريق الأئمة الثقات الذين نقلوا القرآن إلينا عنهما، وهم جماعة عدول رواية وتلاوة مع مخالفة هذه
_________________
(١) من الآية ١٦٠ الأعراف.
(٢) من الآية ٥٩ البقرة.
(٣) انظر: الآية ١٦ آل عمران، والآية ٢٠ الأنعام في الكتاب.
(٤) انظر: الآية ٣٣ الأنعام.
(٥) من الآية ٨٤ الأنعام.
[ ١ / ٢٩٥ ]
الرواية الشاذة المنكرة خط المصحف المجتمع عليه، وهي قراءة: «ما ءاتيتم به» مكان ما جئتم به (١).
وقال أيضا: «وجاء عن عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب ويحيى بن وثاب، وإبراهيم النخعي والأعمش أنهم قرءوا: «يقضي بالحق» بياء بعد الضاد، وزيادة باء الجر في كلمة: «الحق» وهذه القراءة شاذة لا تصح عنهم».
فالمؤلف إمام في القراءة لم يمر على قراءة شاذة إلا ردّها وأنكرها، ولم يثبت في كتابه هذا قراءة شاذة.
وإذا مر المؤلف بالياء المتطرفة ذكر الوقص والعقص، فقال عند قوله تعالى: فاذكروني أذكركم (٢): «في بعض المصاحف بياء عقصي، أعني مردودة إلى خلف، وفي بعضها بياء وقصي، أعني معرفة إلى أمام».
ثم قال: «وأنا أستحب كتبها للمكيين لمن أراد أن يضبط المصحف بياء وقصي، ولسائر المصاحف والأئمة بياء عقصي».
وقال عند قوله: يوصي بها (٣) «وأنا أستحب كتابها مردودة إلى خلف على قراءة الأخوين ونافع وأبي عمرو، وعلى قراءة أبي بكر والابنين بياء معرفة إلى أمام.
وقال في موضع آخر: «وأستحب لمن كتب مصحفا ونيته أن يضبطه
_________________
(١) من الآية ٨١ يونس.
(٢) من الآية ١٥١ البقرة.
(٣) من الآية ١٢ النساء.
[ ١ / ٢٩٦ ]
لأبي عمرو أن يكتب الياء من: نجزي كلّ كفور (١) معرقة إلى أمام، ولمن ضبطه لسائر القراء كتبها مردودة».
وقال عند قوله تعالى: ماذا ترى (٢): «قرأ الأخوان: ترى بضم التاء وكسر الراء كسرة محضة، يجعلانه فعلا رباعيا، واختياري على قراءتهما أن تكتب الياء مردودة إلى خلف لمن ضبط لهما أو لأحدهما».
واقتصر على العقص في قوله تعالى: ادخلي الصّرح (٣) لإجماع القراء على قراءته بكسر اللام ولسكون الياء. ثم أطلق للناسخ أن يختار ما يشاء، فقال: «ومن لم يراع ذلك في هذه الحروف وشبهها فهو في سعة إن شاء الله».
وإذا مرّ المؤلف ﵀ على الحروف الموصولة والمفصولة ذكرها عند أول موضع ترد فيه، ويضم لها جميع نظائرها من باقي السور، وإذا كان فيها اختلاف ذكره. ثم إذا مرّ على هذه الحروف في موضعها من السورة ذكرها واقتصر على الوجه المختار عنده إذا كان فيها خلاف. فذكر المقطوع والموصول في قوله: أين ما عند قوله تعالى: فأينما تولّوا (٤).
وفي قوله: كل ما عند قوله تعالى: كلّ ما ردّوا إلى الفتنة (٥).
_________________
(١) من الآية ٣٦ فاطر.
(٢) من الآية ١٠٢ الصافات.
(٣) من الآية ٤٥ النمل.
(٤) من الآية ١١٤ البقرة.
(٥) من الآية ٩٠ النساء.
[ ١ / ٢٩٧ ]
وفي قوله تعالى: إنما عند قوله تعالى: إنّ ما توعدون (١)، وذكر المقطوع والموصول من أن لا عند قوله تعالى: حقيق علىّ أن لّا أقول (٢).
وإذا مرّ على ما يرسم بالتاء المفتوحة ذكره في أول موضع يرد فيه، ويحصره بعدد، ويضم إليه جميع ما يماثله من باقي السور، ويعيد ذكره في موقعه من السورة، وستلاحظ ذلك عند قوله تعالى: أولئك يرجون رحمت الله (٣)، والله أعلم.
_________________
(١) من الآية ١٣٥ الأنعام.
(٢) من الآية ١٠٤ الأعراف.
(٣) من الآية ٢١٦ البقرة.
[ ١ / ٢٩٨ ]