لم تعرف البشرية كتابا حظي بالعناية والاهتمام على مدى الأزمان بمثل ما حظي به القرآن الكريم، سواء من حيث كتابته ورسمه وإعرابه بالنقط، أو من حيث تلاوته وتحقيق قراءاته أو من حيث معرفة أحكامه وحكمه وبيان معانيه. فمن حيث كتابته ورسمه كان ذلك بقلم زيد بن ثابت ﵁ كاتب الوحي في حياة الرسول ﷺ.
فكانت عناية الرسول ﷺ فائقة بكتابة القرآن، ومنع أصحابه من كتابة شيء غير القرآن، فروى الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه» (١).
وروى الترمذي والحاكم من حديث ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يأتي عليه الزمن، وهو ينزل عليه السور ذات العدد فكان إذا نزل الشيء دعا بعض من كان يكتب، فيقول: «ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا» (٢).
وفي رواية البخاري عن البراء بن عازب ﵁: «قال النبي ﷺ ادع لي زيدا وليجيء باللوح والدواة والكتف، أو الكتف والدواة. ثم قال: اكتب: لا يستوي القعدون (٣).
_________________
(١) انظر: شرح مسلم للنووي ١٨/ ١٢٩.
(٢) انظر: فتح الباري ٩/ ٢٢، عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي ١١/ ٢٦٥، المستدرك ٢/ ٣٣٠، الفتح الرباني ١٨/ ١٥٥، مسند أحمد ١/ ٥٧، ٦٩.
(٣) فتح الباري كتاب التفسير باب كاتب النبي ﷺ ٦/ ٢٢٧.
[ ١ / ١٣٧ ]
وقال الشيخ محمد طاهر الكردي: «فقد ورد عن زيد بن ثابت المتخصص في كتابة القرآن أنه قال: «كنت أكتب الوحي عند رسول الله ﷺ، وهو يملي عليّ، فإذا فرغت قال: اقرأه، فأقرؤه فإذا كان فيه سقط أقامه» (١).
وكانت هذه الكتابة منثورة ومتفرقة في اللخاف، والعسب والأكتاف والرقاع.
ثم لما استحر القتل في موقعة اليمامة بقراء القرآن في عهد أبي بكر الصديق ﵁، أمر أبو بكر، بإشارة من عمر بن الخطاب، زيد بن ثابت أن يجمع القرآن في صحف، فكانت الصحف عند أبي بكر، ثم عند عمر في حياته، ثم عند حفصة بنت عمر، وهو المسمى بالجمع الثاني (٢).
ثم لما اختلف القراء في قراءته في عهد عثمان بن عفان ﵁، كما لاحظ ذلك حذيفة بن اليمان عند أهل الشام، أمر عثمان زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث، فنسخوا ما في الصحف الأولى في مصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين: «إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنه إنما نزل بلسانهم» ثم أتلف ما عداه (٣).
وسموه بالمصحف الإمام أخذا من قول عثمان: «يا أصحاب محمد اجتمعوا، فاكتبوا للناس إماما يجمعهم» (٤).
_________________
(١) تاريخ القرآن ٦١ أدب الكتاب للصولي ١٦٥.
(٢) انظر: صحيح البخاري كتاب التفسير باب جمع القرآن، الإتقان ١/ ١٦٤.
(٣) انظر: فتح الباري ٩/ ١١، الإتقان ١/ ١٦٨، عارضة الأحوذي ١١/ ٢٦٥.
(٤) انظر: المقنع للداني ٦، تاريخ القرآن ٥٠، جامع البيان للطبري ١/ ٢١.
[ ١ / ١٣٨ ]