لاحظت وأنا بصدد هذا البحث ملاحظات على كتابة المصاحف في ثلاثة مجالات:
الأول: ملاحظات علمية، وهذه فصلت الحديث عنها في مبحث ملاحظات على الكتاب، استدعى ذكرها المقام هناك (١).
الثاني: ملاحظات شكلية، وهي ما يتعلق بالشكل والضبط.
الثالث: ملاحظات فنية، وهي ما يتعلق بأوضاع الحروف وطريقة رسمها، وإليك طرفا منها.
يجب العناية بكتابة المصحف بأحسن الخطوط وأوضحها وأبينها وأن تبين حروفه ولا تدمج، ولا تطمس الميمات وتدغم في اللامات، كما لاحظت ذلك في مواضع كثيرة منها قوله تعالى: بالواد المقدس (٢)، فتبين الميم وتفصل من اللام، ولا تدمج فيه؛ هكذا: بالواد المقدّس، ومنها قوله تعالى: ونمارق مصفوفة (٣) فقد لاحظت أن النون معلقة فوق الميم المطموسة الدائرة، وقد سمعت وشاهدت في المسجد النبوي الشريف من يقرأ قوله تعالى: ونمارق وغارق، فالنون المعلقة على الميم المدغمة حسبها غينا،
فبينت له ذلك، ولم يقتنع إلا بعد طول نظر، وحينئذ- والحالة هذه- يجب فصل الحروف بعضها عن بعض، ويجب رسم الميم دارة صغيرة دون طمس.
_________________
(١) انظر: مبحث ملاحظات على الكتاب.
(٢) من الآية ١٦ النازعات.
(٣) من الآية ١٥ الغاشية.
[ ١ / ٤٠٣ ]
ومنها قوله تعالى: وعدسها (١)، وقوله تعالى: كانوا أنفسهم (٢) فحرف السين في هاتين الكلمتين وغيرهما جاء مرسوما بسنتين اثنتين، والواجب رسمه بثلاث سنات كما هو معروف في هجاء اللغة العربية، فيجب أن ترسم الحروف على هيئتها المعروفة في الهجاء، ولا يدخلها استحسان، لأن المبتدئ لا يعرف الميم إلا دارة، ولا يعرف السين إلا بثلاث سنات (٣)، ويجب عند كتابة المصاحف وضع اعتبار المبتدئين وصغار المتعلمين لا المنتهين.
ومما يجب أن يراعيه ناسخ المصحف أن يقرّب علامة الحركة والسكون من الحرف، لأن شأن العلامة أن تكون فوق المعلّم بها، وأن يدنيها من الحرف. وأخبرني من أثق به أنه وجد من يقرأ قوله تعالى: وأهديك (٤) بمد الدال والياء الساكنة؛ لأن فتحة الياء وضعت بعيدة، فأوجب ذلك لهذا القارئ لحنا. وكذا لاحظت في قوله تعالى: قد جئتكم (٥) أن الهمزة لم توضع فوق صورتها وهي الياء، وهذا غلط، فإنه ينبغي أن توضع الهمزة فوق صورتها الياء.
ثم إن الهاء جاء رسمها في بعض المصاحف هكذا: فيها، ولكن المعروف في هجاء المصاحف أن ترسم هكذا: فيها، وكذلك الكاف ينبغي أن يكون على الشكل التالي: «كذلك»، ولا يلجأ إلى هذا الشكل: «ذلك».
_________________
(١) من الآية ٦٠ البقرة.
(٢) من الآية ٨ الروم.
(٣) انظر: البداية والنهاية ١٠/ ٢٠٢.
(٤) من الآية ١٩ النازعات.
(٥) من الآية ١٠٤ الأعراف.
[ ١ / ٤٠٤ ]
ومما يجب أن يلاحظ أن ترسم الهمزة المكسورة في نحو قوله تعالى:
متّكئين (١) تحت السطر دلالة على أنها مكسورة، ومناسبة لوضع الشفتين، ولا توضع فوق السطر إلا الهمزة المفتوحة والمضمومة.
ومنها: أني لاحظت أن نقطة علامة الابتداء ونقطة علامة التسهيل، وضعتا متساويتين، والذي ينبغي أن تكون علامة التسهيل أكبر من علامة الابتداء للتفريق بين هذه وتلك، لأن علامة التسهيل تعبر عن حرف، وعلامة الابتداء تعبر عن حركة، والحرف أكبر من الحركة.
ومنها أنه يجب أن تكون نقطة النون المعرقة فوق سنتها، ولا توضع فوق التعريق، لأن تعريق النون غير لازم لها فقد يحذف في بعض الأحوال، فيجب أن تكون النقطة فوق سنتها هكذا: «من».
ومنها: يجب تقصير علامة الفتحة، ولا تطول طول الألف، لأنها فرع عن أصلها الألف، ليتميز الفرع عن الأصل، وحدّدها بعض العلماء بثلاث نقط متصلة.
ومن الخطأ الواضح إبعاد علامة التنوين عن الحرف الذي يليه عند غير حروف الحلق، كما هو الحال في قوله ﷿: لعبرة لّمن يخشى وشبهه، وهذا من الخطأ الشائع في مصاحف أهل المشرق يجب الرجوع عنه.
ولتفادي بعض الأخطاء في الرسم والضبط في كتابة المصاحف أنصح وألتمس ممن لهم عناية بهذا الشأن أن يحققوا كتبا من الكتب الجامعة للرسم والضبط، وإن الحاجة لشديدة إلى مثل هذه الكتب المخطوطة،
_________________
(١) من الآية ٥٣ الرحمن.
[ ١ / ٤٠٥ ]
ومن أجمعها وأوثقها، ولا يستغني عنها طالب هذا الفن هي:
أولا- كتاب حلة الأعيان على عمدة البيان للحسين بن علي الرجراجي (ت ٨٩٩ هـ)، «شرح فيه ما يتعلق بالضبط للخرّاز».
ثانيا- كتاب تنبيه العطشان على مورد الظمآن للمؤلف نفسه الحسين بن علي الرجراجي «شرح فيه ما يتعلق بالرسم للخراز»، فلم أر كتابا أوسع وأشمل منهما.
ثالثا- «التبيان في شرح مورد الظمآن» لأبي عبد الله الصنهاجي المعروف بابن آجطا.
رابعا- نظم «الميمونة الفريدة» للإمام المقرئ أبي عبد الله محمد بن سليمان القيسي، في علم نقط المصاحف.
خامسا- نظم: «الدرة الجلية» لميمون الفخار في علم نقط المصاحف وإعرابها بالشكل.
وهذان الكتابان من أحسن الكتب حسب علمي، والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
***
[ ١ / ٤٠٦ ]