ورد النقل عنه في مواضع كثيرة في كتاب المقنع لأبي عمرو الداني، وفي كتاب مختصر التبيين لأبي داود، وغيرهما (٢).
أما مصحف اليمن، ومصحف البحرين، فلم يرد عنهما نقل، ولم أجد لهما نقولا في كتب الرسم، ولم يجر لهما ذكر عند أهل الرسم.
قال ابن عاشر (ت ١٠٤٠ هـ): «ولم يعهد منهم- كتّاب المصاحف- النقل عن مصحفي اليمن والبحرين» (٣).
وليست المصاحف بخط عثمان، بل هي بخط زيد بن ثابت ﵁، وإنما يقال لها المصاحف العثمانية نسبة إلى أمره وزمانه وإمارته (٤).
ومما يجب أن يلاحظ أن الكاتب في مراحله الثلاث هو زيد بن ثابت، الذي شهد العرضة الأخيرة، وكتب القرآن في حياة النبي ﷺ (٥).
_________________
(١) انظر: المقنع للداني ص ٦٦، ومختصر التبيين.
(٢) انظر: المقنع للداني ص ٩٢، ومختصر التبيين.
(٣) انظر: فتح المنان ورقة ١١.
(٤) انظر: البداية والنهاية ٧/ ٢٢٨.
(٥) انظر: أسد الغابة ٢/ ٢٧٨، الاستيعاب ٢/ ٥٣٨، الإصابة ٢/ ٥٩٣، البداية والنهاية لابن كثير ٧/ ٢٢٨.
[ ١ / ١٤٥ ]
ولما نسخ الكتاب المصاحف، أرسل منها عثمان ﵁ مصحفا إلى مكة، ومصحفا إلى الشام، ومصحفا إلى الكوفة، ومصحفا إلى البصرة، وأبقى في المدينة مصحفا عاما وهو الذي ينقل عنه نافع بن أبي نعيم المدني، كما ستلاحظه في رواية المؤلف أبي داود في كتابه التنزيل (١)، واحتبس لنفسه مصحفا، وهو الذي تأمله ونقل منه، ورآه أبو عبيد القاسم بن سلام، وهو الذي يقال له: الإمام، وقيل: يقال لكل منها: إمام.
قال ملا علي قاري: «والأظهر أن المراد بالمصحف الإمام جنسه الشامل لما اتخذه لنفسه في المدينة، ولما أرسله إلى مكة والشام والكوفة والبصرة وغيرها» (٢).
أقول: وهو الصواب؛ لأن كل واحد منها أصل كتب بين يديه وتحت إشرافه، وأجمع عليه الصحابة ﵃، وأرسل مع كل مصحف قارئا يوقف الناس على هجائه ورسمه بالمشافهة والتلقي والرواية.
وكتبوا هذه المصاحف متفاوتة في الحذف، والإثبات، والنقص، والزيادة، والبدل وغير ذلك، لأنهم قصدوا اشتمالها على الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن، وجعلت خالية من النقط والشكل تحقيقا لهذا الغرض.
_________________
(١) انظر: مختصر التبيين لهجاء التنزيل.
(٢) انظر: المنح الفكرية لملا علي قاري ٦٥، الوسيلة للسخاوي ١٩.
[ ١ / ١٤٦ ]
فالكلمات التي اشتملت على أكثر من قراءة، وخلوّها من النقط والشكل يجعلها محتملة لما اشتملت عليه من قراءات، كتبوها برسم واحد في جميع المصاحف، وذلك كنحو قوله تعالى: فتبيّنوا (١) وردت فيها قراءتان الأولى: فتبينوا والثانية: فتثبتوا وكلاهما يحتملها الرسم الواحد المجرد من النقط والشكل (٢).
أما الكلمات التي وردت على قراءتين أو أكثر، وتجريدها من النقط لا يجعلها محتملة لما وردت فيها من قراءات، فلم يكتبوها برسم واحد في جميع المصاحف، وإنما كتبوها في بعض المصاحف برسم يدل على قراءة، وفي بعضها برسم آخر يدل على القراءة الأخرى، نحو قوله:
ووصّى وقوله: وأوصى فكتبوها في بعض المصاحف بواوين بينهما ألف كما هو الحال في مصاحف أهل المدينة وأهل الشام، وكتبوها في بعضها الآخر بواوين من غير ألف كما هو الحال في مصاحف أهل مكة وأهل العراق (٣).
ووزعوا مثل هذه الحروف التي لا يحتملها الرسم الواحد على سائر المصاحف.
وإنما لم يكتبوا هذا النوع من الكلمات برسمين معا في مصحف واحد، خشية أن يتوهم أن اللفظ نزل مكررا بقراءة واحدة.
_________________
(١) من الآية ٩٣ النساء، ٦ الحجرات.
(٢) انظر: النشر ٢/ ٢٥١.
(٣) انظر: الآية ١٣١ البقرة في «مختصر التبيين لهجاء التنزيل».
[ ١ / ١٤٧ ]
وكذلك لم يكتبوا هذه الكلمات برسمين، أحدهما في الأصل والثاني في الحاشية، لئلا يتوهم، أن الثاني تصحيح للأول، وأن الأول خطأ (١).
فكانت هذه الطريقة في كتابة المصاحف أدنى إلى الإحاطة بالوجوه التي نزل عليها القرآن، إيجازا واختصارا.
فاشتملت هذه المصاحف على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي ﷺ على جبريل ﵇ متضمنة لها لم تترك حرفا منها.
قال ابن الجزري: «وهذا القول هو الذي يظهر صوابه؛ لأن الأحاديث الصحيحة والآثار المشهورة المستفيضة تدل عليه وتشهد له» (٢).
وقيل: إن المصاحف العثمانية اشتملت على جميع الأحرف السبعة (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والأول قول أئمة السلف والعلماء والثاني قول طوائف من أهل الكلام والقراء وغيرهم» (٤).
وعند ما وصلت المصاحف إلى الأمصار سارع المسلمون إلى نسخ المصاحف منها حرفا بحرف، وكلمة بكلمة، ثم مقابلة مصاحفهم عليها، وأصبحت أصولا تقتدى، وحرقوا ما عداها، وترك الصحابة مصاحفهم، واتبعوا المصحف الإمام (٥) ومن ثم لاحظ علماء القرآن وحفاظه هيئة
_________________
(١) انظر: من علوم القرآن للشيخ القاضي ٤٩، الكواكب الدرية للحداد ٢٣، مقدمة في الرسم والضبط للمخللاتي ورقة ٦٨.
(٢) انظر: النشر ١/ ٣١، فتاوى شيخ الإسلام ١٣/ ٣٩٥.
(٣) انظر: المصدر نفسه.
(٤) انظر: فتاوى شيخ الإسلام ١٣/ ٤٠١.
(٥) انظر: الضياء المبين فيما يتعلق بكلام رب العالمين للإمام التونسي محمد يوسف ٥٠.
[ ١ / ١٤٨ ]
هذا الرسم وما جاء فيه من حذف أو إثبات، وزيادة أو نقص أو بدل، فوصفوا هجاء كل كلمة وردت في المصحف العتيق وبخاصة تلك التي تميزت برسم معين، فوصفوها بالعدد والوزن والوصف الدقيق.
ومن ثم نشأ علم الرسم، وإن لم يعرف بالعلم كعلم مستقل، ولكن يعد ذلك أصل نشأته.
فكانت المصاحف العثمانية التي أرسلها عثمان إلى الآفاق هي المصدر الأول لهذا العلم، وصارت أصل ما يكتب بعد ذلك.
ولارتباط القراءة بخط المصاحف تتبع القراء هجاء المصاحف، قال أبو عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ): «ورأوا تتبع حروف المصاحف وحفظها عندهم كالسنن القائمة التي لا يجوز لأحد أن يتعداها» (١).
وأوجب الإمام العقيلي الاعتماد على المصاحف الأصول عند نسخ المصاحف فقال: «والقول الحق الذي يجب المصير إليه، أنه لا بد لكل من قصد نسخ مصحف من أصل يعتمد عليه، فإن من وكل إلى نفسه في انتحال مصنوع تعب وزلّ» (٢).
فهذا الغازي بن قيس (ت ١٩٩ هـ) عرض مصحفه وصححه على مصحف نافع بن أبي نعيم (ت ١٦٩ هـ) ثلاث عشرة مرة أو أربع عشرة مرة (٣).
فأخذ عنه الرسم عمليا وعلميا.
_________________
(١) انظر: فضائل القرآن ورقة ١٠٥، البرهان ١/ ٣٨٠.
(٢) انظر: كتاب مرسوم المصحف للإمام العقيلي ورقة ١١٥.
(٣) انظر: قوله تعالى: حقيق على أن لّا أقول في الآية ١٠٤ الأعراف.
[ ١ / ١٤٩ ]
وحينئذ وجه الأئمة عنايتهم إلى رسم المصاحف وإقامتها على نحو ما جاء في المصحف الإمام الذي وجه إليهم، فقامت المصاحف المنسوخة من الأمهات مقام الأصول.
فروى الأئمة عن المصاحف العثمانية أصولا وفروعا طريقة رسم هجاء الكلمات، وما أن وصلت تلك الرواية إلى عصر انتشار تدوين العلوم، حتى سارع علماء القراءات إلى تسجيل تلك الروايات في كتب، كانت أساسا لحفظ صور هجاء المصاحف، كما فعل ذلك نافع بن أبي نعيم (ت ١٦٩ هـ)، والغازي بن قيس (ت ١٩٩ هـ)، والمؤلف أبو داود (ت ٤٩٦ هـ) في مختصر التبيين لهجاء التنزيل.
وإلى كل ذلك أشار أبو عبد الله الخراز (ت ٧١٨ هـ) في نظمه:
ووضع الناس عليه كتبا* كل يبين عنه كيف كتبا (١)