- المطابقة اللفظية للقارئ، والمتابعة الخطية للكاتب، وتمييز أنواع المخالفة المغتفرة من غيرها (١).
- حفظ اللسان من الخطأ، واللحن، ومعرفة الأفصح في الكتابة، وذلك لأنها نائبة عن التكلم، فالخطأ فيها يعد لحنا كالخطإ فيه، وكما أنهم عدوّا في الألفاظ فصيحا وأفصح، فكذلك عدوّا في الكتابة مثله، فقد قالوا: «الأفصح في كتابة ذوات الياء كذا، والأفصح في كتابة ذوات الواو كذا».
ومن كلام العرب: الخط أحد اللسانين، وحسن الخط أحد الفصاحتين (٢).
وكما هو معلوم أن لغة قريش أفصح اللغات، فلذا كانت الكتابة على لغتهم أولى، لا سيما وقد جرى عليها رسم المصحف (٣). قال المؤلف أبو داود: «إلا أن الخط مبني على لغة أهل الحجاز من قريش، وكنانة، ومن جاورهم» (٤).
وكان ﵀ يفضل الكتابة بلغة أهل الحجاز على لغة غيرها مثل هذيل وسليم.
_________________
(١) انظر: الجوهر الفريد في رسم القرآن المجيد ١٩.
(٢) انظر: المطالع النصرية ٢٤ - ٢٦.
(٣) انظر: المقنع ١١٥، منجد المقرئين ١٠٠، تنبيه العطشان ورقة ١٢.
(٤) ذكره عند قوله تعالى: وإذا قيل في الآية ١٠ البقرة.
[ ١ / ٢٣١ ]
فقال عند قوله: فمن تبع هداي (١): «وأنا أستحب كتب ذلك بألف موافقة للغة أهل الحجاز، وللمصاحف المرسوم فيها ذلك كذلك، وهروبا من لغة هذيل وبعض سليم».
وأكثر خط المصاحف موافق لقواعد الرسم القياسي، وأقله خالف الخط القياسي، منه ما ظهرت فائدته وتجلت حكمته، ومنه ما غاب عن العلماء علمه، ولم يكن ذلك من الصحابة كيف اتفق، بل لأمر عندهم قد تحقق.
يقول ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ): «إن كتابة الصحابة للمصحف الكريم ممّا يدل على عظيم فضلهم في علم الهجاء، وثقوب فهمهم في تحقيق كل علم» (٢).
وقال علم الدين السخاوي (ت ٦٤٣ هـ): «وقد كتب منهم جماعة، وكانوا الغاية القصوى في المعرفة، والذكاء، والفطنة» (٣).
وقال النيسابوري (ت ٧٢٨ هـ): «فما كتب- زيد بن ثابت- شيئا من ذلك إلا لعلة لطيفة وحكمة بليغة، وإن قصر عنها رأينا» (٤).
وقال الزركشي (ت ٧٩٤ هـ): «ولم يكن ذلك منهم كيف اتفق، بل على أمر عندهم قد تحقق» (٥).
_________________
(١) انظر ذلك في الآية ٣٧ البقرة.
(٢) انظر: المواهب الفتحية في علوم العربية ١/ ١٦، النشر ١/ ١٢.
(٣) انظر: الوسيلة للسخاوي ورقة ٢١.
(٤) انظر: غرائب القرآن ورغائب الفرقان ١/ ٤٠.
(٥) انظر: البرهان في علوم القرآن ١/ ٣٧٦.
[ ١ / ٢٣٢ ]
واستدل أبو الحسن أحمد بن فارس (ت ٣٩٥ هـ) على قدم علم العربية بما فيه كتابة المصحف، على الوجه الذي يعلله النحاة، فقال:
«ومن الدليل على عرفان القدماء من الصحابة وغيرهم ذلك كتابتهم المصحف على الذي يعلله النحويون في ذوات الواو، والياء والهمز، والمدّ، والقصر، فكتبوا ذوات الياء بالياء، وذوات الواو بالواو، ولم يصوروا الهمزة إذا كان ما قبلها ساكنا، نحو الخبء (النمل: ٢٥) ودفء (النحل: ٥) وملء (آل عمران: ٩٠) فصار ذلك كلّه حجة وحتى كره بعض العلماء ترك اتباع المصحف» (١).
قال الإمام الألوسي (ت ١٢٧٠ هـ):
«والظاهر أن الصحابة﵃- كانوا متقنين رسم المصحف، عارفين ما يقتضي أن يكتب، وما يقتضي ألا يكتب، وما يقتضي أن يوصل، وما يقتضي ألا يوصل،
إلى غير ذلك، لكن خالفوا القواعد في بعض المواضع لحكمة» (٢).
قال الشيخ موسى جار الله الروسي، واصفا عمل زيد بن ثابت:
«رجل كتب مصاحف عديدة، وجرى فيها على أصول له سديدة لم ينحرف عنها قط، وقد بقي عمله العظيم أزمانا مديدة، وكان لا يذهل أصلا في المواضع المناسبة عن نكات دقيقة مفيدة» (٣).
_________________
(١) انظر: الصاحبي لابن فارس ١٤، البرهان ١/ ٣٧٨.
(٢) انظر: روح المعاني ١٩/ ١٨٥.
(٣) انظر: شرح العقيلة لموسى جار الله ١٠.
[ ١ / ٢٣٣ ]
وذهب جمهور القراء وأهل الأداء إلى أن الرسم العثماني كتب بهذه الكيفية، ليشمل الأحرف السبعة، وعللوا ذلك الاختلاف بعلل لغوية ونحوية.
قال الدكتور غانم قدوري الحمد: «وهذا الاتجاه أقرب إلى الحق والواقع» (١).
وخير من يمثل هذا المذهب إمام الإقراء أبو عمرو عثمان بن سعيد (ت ٤٤٤ هـ)، فقال: «وليس شيء من الرسم، ولا من النقط، اصطلح عليه السلف، رضوان الله عليهم، إلا وقد حاولوا به وجها من الصحة والصواب، وقصدوا فيه طريقا من اللغة والقياس، لموضعهم من العلم، ومكانهم من الفصاحة، علم ذلك من علمه، وجهله من جهله، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم» (٢).
ثم قال في موضع آخر:
«وعلة هذه الحروف وغيرها من الحروف المرسومة على خلاف ما يجري به رسم الكتاب من الهجاء في المصحف، الانتقال من وجه معروف مستفيض إلى وجه آخر مثله في الجواز، والاستعمال، وإن كان المنتقل عنه أظهر معنى، وأكثر استعمالا» (٣).
وقال المؤلف أبو داود عند قوله تعالى: فمال هؤلاء (٤):
_________________
(١) انظر: رسم المصحف ٢٠٥.
(٢) انظر: المحكم للداني ١٩٦.
(٣) انظر: المحكم للداني ١٨٦.
(٤) من الآية ٧٧ النساء.
[ ١ / ٢٣٤ ]
«كتبوا المواضع الأربعة في جميع المصاحف على الانفصال، وكتبوا سائر ما يرد من مثلها على الاتصال، ليروا جواز الوجهين عندهم، واستعمال المذهبين في عصرهم».
وهكذا اتفقت كلمة العلماء على أن كتبة المصاحف كتبوه على هذه الصفة لعلل وحكم، ولم يبينوا وجوه هذه الحكم.
فتأملت هذا الموضوع كثيرا، وأعملت الفكر عنده طويلا، وسألت الله العون والتوفيق والسداد، فلاح لي بعد طول نظر وتأمل ما عساه أن يكون أوفق للصواب.
من المعروف أن الإيجاز في اللغة العربية، كنز من كنوزها، بل قال بعضهم: «البلاغة الإيجاز» أو «الإيجاز هو البلاغة» (١).
إن الحذف في الرسم العثماني ليس غريبا في لغة العرب، بل إنه سمة من سمات اللغة العربية وخصائصها.
وإذا راجعنا كتاب سيبويه (ت ١٨٠ هـ) نجد أنه نص في مواضع كثيرة على ضرورة الحذف، ويبين السبب الذي ألجأ العرب إليه من طلب الخفة على اللسان، وذكر في كتابه صورا كثيرة للحذف إيجازا واختصارا مع وجود القرينة (٢). ومثله يحيى بن زياد الفراء (ت ٢٠٧ هـ) في كتابه معاني القرآن (٣)، ومثله أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ) وغيرهم.
_________________
(١) انظر: البيان والتبيين للجاحظ ١١٦١.
(٢) انظر: الكتاب ١/ ٢٤، ٢٥.
(٣) انظر: معاني القرآن ١/ ٩٠.
[ ١ / ٢٣٥ ]
وعلل ذلك بقوله: «لأن فيما بقي دليلا على ما ذهب» (١)، هذا إذا كان الإيجاز في اللغة العربية يراد به الاختصار، والتخفيف، وعدم التطويل، فحسب، فما بالك بهذا الإيجاز في الرسم العثماني الذي ظهر فيه سمو البلاغة، وحسن الفصاحة، في تأدية وجوه القراءات وأصواتها.
فكما أن القرآن معجز مخالف لنظم كلام المخلوقين، كتبوه على ما يخالف خطهم رعاية لتأدية هذه الأحرف المنزلة من عند الله ﷾ (٢)، فبلاغة الرسم وفصاحته لا تقل أهمية عن بلاغة اللغة العربية وفصاحتها التي نزل بها القرآن الكريم.
فالعرب لغتهم اختصت بأنها نالت شرف القرآن الكريم، ومن ثم لاحظ العرب في كتابتهم للقرآن، وبالأخص منهم كتبة المصاحف وزيد بن ثابت في رسم حروف القرآن، ذات الوجه والوجهين بطريقة خاصة وهجاء متميز لاستيعاب الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن.
فالقرآن معجز في مبناه ومعناه، وبليغ فصيح في لفظه ومحتواه، فروعي في كتابته ورسمه بهجاء يحمل هذه المعاني المتعددة والأغراض البلاغية.
فحفظ لنا الرسم العثماني وجوه القراءات المتواترة، فرسمه لا ينفك عن قراءاته وأداء وجوهه المنزلة. فكل تغيير في رسمه يلزم منه تغيير في بعض وجوهه، فلتنوع أغراضه، اختلفت رسومه في الخط، ومن ثم عدّه
_________________
(١) انظر: أدب الكاتب ٢٤٢.
(٢) انظر: المضبوط في القراءات مخطوط رقم ١٧٧٢/ ١ فيلم في مكتبة الجامعة الإسلامية.
[ ١ / ٢٣٦ ]
أئمة القراءة ركنا من أركان قبول القراءة.
قال أبو العباس المهدوي المتوفى بعد ٤٣٠ هـ:
«لما كانت المصاحف التي هي الأئمة قد اجتمعت عليها الأمة تلزم موافقتها، ولا تسوغ مخالفتها، وكان كثير من الخط المثبت فيها يخرج عن المعهود عند الناس، مع حاجتهم إلى معرفته، لتكتب المصاحف على رسمه، وتجري في الوقف على كثير منه، لكل قارئ من القراء على مذهبه وحكمه كانت الحاجة إليه كالحاجة إلى سائر علوم القرآن، بل أهم، ووجوب تعليمه أشمل وأعم، إذ لا يصح معرفة بعض ما اختلف القراء فيه دون معرفته، ولا يسع أحدا اكتتاب مصحف على خلاف خط المصحف الإمام ورتبته» (١).
فجاءت بلاغة الرسم وفصاحته مطابقة لبلاغة القرآن وفصاحته، ويظهر ذلك من عدة وجوه:
أهمها أن الصحابة ﵃ لما كتبوا المصاحف أخلوها من النقط والشكل، ليؤدي الرسم الواحد عدة أوجه، وقراءات، ودلالات لفظية وصوتية، وإفادة بعض اللغات الفصيحة.
منها: أن هاء التأنيث كتبت في بعض المواضع بالتاء، وفي بعضها الآخر بالهاء، فزعم بعضهم أن ذلك من المملي والكاتب، فإن المملي كان إذا وصل الكلمة كتبها الكاتب بالتاء على الوصل وإذا قطع الكلمة كان لفظه بالهاء، فكتب الكاتب بالهاء على لفظه.
_________________
(١) انظر: كتاب هجاء مصاحف الأمصار للمهدوي ص ٧٥. .
[ ١ / ٢٣٧ ]
إلا أن الأنباري والمهدوي ذكرا أن لغة طيّئ ترسم بالتاء المفتوحة فيصلون بالتاء ويقفون بالتاء. وروي أنهم نادوا يوم اليمامة: يا أصحاب سورة البقرة، فقال طائي منهم: أحمد الله ما معي منها آيت» (١).
ونقل سيبويه عن أبي الخطاب «أن ناسا من العرب يقولون في الوقف «طلحت» كما قالوا في تاء الجمع قولا واحدا في الوصل والوقف» (٢) فجاء الرسم على اللغتين.
ومن بلاغة الرسم وفصاحته أنه إذا كان الحرف الواحد المرسوم لا يحتمل أكثر من وجه رسم على خلاف الأصل ليعلم جواز القراءة به، وبالحرف الذي هو الأصل.
ويتجلى ذلك في نحو قوله تعالى: الصّراط أجمعت المصاحف على رسمها بالصاد، وإن كانت السين هي الأصل، ليدل الأصل على قراءة السين، ويدلّ الرسم والخط على قراءة الصاد.
فرسم بالصاد، وهي لغة قريش، وقرئ بالسين وهي لغة عامة العرب، وكلاهما صحت به القراءة (٣).
ولو كتبت بالسين لفات ذلك، ولاعتبرت القراءة بالصاد مخالفة للأصل والرسم، ولهذا اختلف القراء في قوله تعالى: بصطة في
_________________
(١) هجاء مصاحف الأمصار ص ٨٠، إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٢٨٢، ٢٨٧.
(٢) انظر: كتاب سيبويه ٤/ ١٦٧، إبراز المعاني لأبي شامة ٢٧٤.
(٣) انظر: الجميلة للجعبري ورقة ٤٢، الوسيلة للسخاوي ورقة ٢٠، شرح ملا علي قاري على العقيلة ورقة ٤٢.
[ ١ / ٢٣٨ ]
الأعراف (١) قرئت بالسين والصاد، ولم يقع اختلاف في قوله تعالى:
بسطة في البقرة (٢) لكونها كتبت بالسين (٣).
ومن بلاغة الرسم وفصاحته ما لاحظه كتاب المصاحف في رسم هجاء المصاحف أن الكلمة إذا وردت فيها قراءات رسموها بصورة تؤدي جميع الأوجه المنزلة، وذلك
بتجريدها من النقط والشكل.
قال ابن الجزري:
«إن الصحابة ﵃ لما كتبوا تلك المصاحف جرّدوها من النقط والشكل، ليحتمله ما كان في العرضة الأخيرة مما صحّ عن النبي ﷺ».
وإنما أخلوا المصاحف من النقط والشكل لتكون دلالة الخط الواحد على كلا اللفظين المنقولين المسموعين المتلوين شبيهة بدلالة اللفظ الواحد على كلا المعنيين المعقولين المفهومين» (٤).
والأمثلة على هذا النمط كثيرة؛ منها قوله تعالى:
إن هذن لسحرن (٥) رسمت في المصحف العثماني دون نقط، ولا شكل، ولا تشديد، ولا تخفيف، ولا ألف ولا ياء.
فرسمها بهذه الكيفية، ومجيئها على هذه الحال أدى جميع القراءات المتواترة التي رويت بأسانيد صحيحة.
_________________
(١) من الآية ٦٨ الأعراف.
(٢) من الآية ٢٤٥ البقرة.
(٣) انظر: المدخل لدراسة القرآن الكريم ٣٤٦.
(٤) انظر: النشر ٢/ ٣٣.
(٥) من الآية ٦٢ طه، انظر: النشر ٢/ ٣٢٠، مناهل العرفان ١/ ٣٧٤.
[ ١ / ٢٣٩ ]
فمثل هذا الإيجاز في الفصاحة والبلاغة، يقصر دونه أي رسم آخر، فلو رسمت الألف أو الياء في الخط على حد زعمهم لسقطت جميع القراءات الأخرى المتواترة، فرسم واحد أدّى وجوها كثيرة.
قال المؤلف أبو داود وهو يتحدث عن قوله تعالى: لما ءاتينكم (١):
«واكتفى الصحابة بفتح النون من الألف لدلالتها عليها حسب ما تقدم، وجمعها بين القراءتين بصورة واحدة حسب ما فعلوه في سائر المصاحف ﵃».
وهذا الحذف حذف الألف لم يكن مقصورا على الرسم العثماني، وليس غريبا على لغة العرب، بل ورد الحذف في لغة العرب، ذكر ذلك أبو جعفر الطحاوي (ت ٣٢١ هـ) في معرض حديثه عن قوله تعالى: زكية (٢) واختلاف المصاحف فيها بالحذف والإثبات، قال: قال الكسائي إنهما لغتان بمعنى واحد، والعرب قد تفعل مثل هذا فتقول: القاصي، والقصي.
وأنشدني بعض أهل العربية من أهل العرب لبعض الأعراب في خطابه لزوجته في ولد ولدته فأنكره:
لتقعدن مقعد القصيّ* وتحلفي بربك العليّ قال الطحاوي:
يريد بالقصي: القاصي، وبالعلي: العالي (٣).
_________________
(١) من الآية ٨٠ آل عمران.
(٢) من الآية ٧٣ الكهف.
(٣) انظر: مشكل الآثار للطحاوي ٤/ ٢٠٠.
[ ١ / ٢٤٠ ]
أما القراءات المختلفة المتواترة بزيادة لا يحتملها الرسم نحو قوله تعالى: ووصّى وو أوصى (١)، وقوله تعالى: تجري تحتها وتجري من تحتها (٢)، وقوله تعالى: وفيها ما تشتهيه وو فيها ما تشتهي (٣)، كل ذلك وجد في المصحف الإمام، فوزعوا هذه الأحرف، التي لا يحتملها الرسم الواحد، على جميع المصاحف (٤).
فتجريد المصاحف من النقط والشكل أدّى إلى الإيجاز، والاقتصاد في عدد الحروف والكلمات.
ومن فصاحة الرسم وبلاغته زيادة الألف في نحو قوله تعالى:
الظّنونا (٥)، والرّسولا (٦)، والسّبيلا (٧)، وغيرها، فكتب بالألف في المصاحف على لغة من يقول: «لقيت الرجلا».
وروى أحمد بن يحيى عن جماعة من أهل اللغة أنهم رووا عن العرب: «قام الرجلو» بواو، و«مررت بالرجلي» بياء في الوصل والوقف، و«لقيت الرجلا» بألف في الحالين. قال الشاعر:
إذا الجوزاء أردفت الثريا* ظننت بآل فاطمة الظنونا (٨) هذا إذا كان رسم الألف يراد به إقامة الوزن، أو يراد به لغة من اللغات، فما بالك إذا كان رسم هذه الألف في هذه الكلمات وغيرها
_________________
(١) من الآية ١٣١ البقرة.
(٢) من الآية ١٠١ التوبة.
(٣) من الآية ٧١ الزخرف.
(٤) انظر: إيقاظ الأعلام ص ٥٩.
(٥) من الآية ١٠ الأحزاب.
(٦) من الآية ٦٦ الأحزاب.
(٧) من الآية ٦٧ الأحزاب.
(٨) انظر: مقدمة المباني ص ١٦٥.
[ ١ / ٢٤١ ]
جاء لرعاية القراءات التي وردت فيه، فهذا من فصاحة الرسم وبلاغته.
قال الفراء: «وأهل الحجاز يقفون بالألف، وقولهم أحبّ إلينا لاتباع الكتاب، ولو وصلت بالألف لكان صوابا، لأن العرب تفعل ذلك، وقد قرأ بعضهم بالألف في الوصل والقطع» (١).
وحينئذ فلا وجه لقول من قال إن هذه الألف زائدة، ولا ينبغي أن توصف بالزيادة.
ومثلها قوله تعالى: ولا تايئسوا (٢)، وإنّه لا يايئس (٣)، وقوله تعالى: إذا استيئس (٤)، وقوله تعالى: أفلم يايئس (٥).
فوجه علماء الرسم زيادة الألف بأوجه:
منها: أن تكون الألف تقوية للهمزة، وبيانا لها لخفائها.
ومنها: أن تكون للفرق بينها وبين ما يشبهها في الصورة، لأن قوله تعالى: تيئسوا يشبه: «يتبينوا» قبل حدوث النقط والشكل.
إلا أن الذي يبدو وجيها أن الألف زيدت تنبيها لقراءة ابن كثير من رواية البزي، بتقديم الهمزة إلى موضع الياء، وتأخير الياء إلى موضع الهمزة، ثم تبدل الهمزة ألفا لأنها ساكنة بعد فتحة (٦).
_________________
(١) انظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٣٥٠.
(٢) من الآية ٨٧ يوسف.
(٣) من الآية نفسها.
(٤) من الآية ١١٠ يوسف.
(٥) من الآية ٣٢ الرعد.
(٦) انظر: تنبيه العطشان ورقة ١٢٩.
[ ١ / ٢٤٢ ]
وحينئذ، فلا وجه لقول من قال بزيادتها، فرسمها جاء رعاية لقراءة البزي (١).
ومن بلاغة الرسم وفصاحته الدلالة على القراءات المختلفة، ويتجلى ذلك في مواضع كثيرة، منها:
قوله تعالى: مستهزءون (٢) وشبهها، فلم يرسموا للهمزة صورة بحركة نفسها، وهي الواو، ولم يرسموها بحركة ما قبلها وهي الياء كما رسموها في قوله تعالى: ولا ينبئك (٣) وبابه بحركة ما قبلها.
لقد بين وجه ذلك حسين الرجراجي، فقال:
«فعلت الصحابة ﵃ ذلك جمعا بين اللغتين؛ إذ هاهنا لغتان فصيحتان في الهمزة المضمومة بعد الكسرة: إحداهما: تسهيلها بالياء، اعتبارا بحركة ما قبلها، وهو مذهب الأخفش.
والثانية: تسهيلها بالواو، اعتبارا بحركة الهمزة، وهو مذهب سيبويه.
فرسموا الهمزة في المفرد ياء على لغة، ورسموا الهمزة في الجمع واوا على لغة أخرى جمعا بين اللغتين» (٤).
إلا أنهم حذفوا الواو التي هي صورة الهمزة كراهة اجتماع واوين، ولو أمعنا النظر في رسمها لوجدنا فيها نواحي من سموّ البلاغة والفصاحة.
_________________
(١) انظر: هجاء مصاحف الأمصار للمهدوي ٩٦.
(٢) من الآية ١٣ البقرة.
(٣) من الآية ١٤ فاطر.
(٤) انظر: تنبيه العطشان ورقة ١٢١.
[ ١ / ٢٤٣ ]
والأجود من هذا أن يقال: إنها رسمت بحذف صورة الهمزة رعاية لقراءة أبي جعفر بحذف الهمزة وضم الزاي وهو أحد وجوه وقف حمزة.
والثاني: تسهيل الهمزة بينها وبين الواو، وهو مذهب سيبويه.
والثالث: إبدال الهمزة ياء خالصة، وهذا مذهب الأخفش.
فالأول يدل عليه حذف الهمزة وصورتها من الخط، والثاني يدل عليه ضم الهمزة، والثالث يدل عليه كسرة الزاي.
فجاء الرسم على غاية البلاغة والفصاحة، رعاية لأوجه وأصوات مختلفة.
فلو رسمت بالواو أو الياء لحصر الخط جهة اللفظ، وامتنعت بقية الأوجه.
قال الشيخ محمد طاهر الكردي:
«ويستحسن له اتباعه [المصحف] في الهمزات المرسومة في نحو هذه الكلمات: وسئل، والمنشئات، والظّمئان، قرءان وقد نتفق مع مرسوم المصحف في كتابة بعض الكلمات، ولكثرة استعمالنا لها لا نشعر بذلك» (١).
ومن بلاغة الرسم وفصاحته: الدلالة على أصل الحرف. ويتضح ذلك في مثل قوله تعالى: الصّلوة، والزّكوة، والحيوة ومثيلاتها بالواو، نسب الإمام أبو بكر الصولي (ت ٣٣٦ هـ) رسمها
_________________
(١) تاريخ القرآن وغرائب رسمه ١٣٢، ١٣٣.
[ ١ / ٢٤٤ ]
بالواو إلى لغة أهل الحجاز (١).
وقال ابن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ): «وقال بعض أصحاب الإعراب: إنهم كتبوا هذا بالواو على لغات الأعراب».
ثم قال: «ويقال: بل كتبت على الأصل، وأصل الألف فيها واو فقلبت ألفا لما انفتحت وانفتح ما قبلها، ألا ترى أنك إذا جمعت قلت: صلوات وزكوات وحيوات» (٢).
قال أبو بكر بن دريد ٣٢١ هـ: «والصلاة من الواو، وتجمع صلوات» (٣).
وقال الخليل بن أحمد (ت ١٧٥ هـ):
«الصلاة» ألفها واو، لأن جماعتها الصلوات» (٤)، فرسمها بالواو للدلالة على أن أصلها الواو.
وكذا يقال في بقية الألفاظ، وهي: الرّبوا، والغدوة، وكمشكوة، والنّجوة ومنوة فجملتها ثمانية ألفاظ (٥).
بل إن هناك حروفا في الرسم العثماني تظهر فيها فصاحة الرسم العثماني وبلاغته، أكثر من الرسم القياسي دلالة على الأصل، ودلالة
_________________
(١) انظر: أدب الكتّاب ٢٥٥.
(٢) انظر: أدب الكاتب ٢٤٧، الكشاف ٣/ ٢٦٤.
(٣) انظر: جمهرة اللغة ٣/ ٨٨.
(٤) انظر: كتاب العين ٧/ ١٥٣، كتاب الكتّاب لابن درستويه ٩٠.
(٥) انظر: تنبيه العطشان ورقة ١٤٣، الموضح ورقة ٢٥، الوسيلة للسخاوي ورقة ٨٢، جميلة أرباب المراصد ١٠٨، شرح الطرة على الغرة للآلوسي ٤٦٣.
[ ١ / ٢٤٥ ]
على قراءة الإمالة لمن أمال فيهن، وهي الكلمات التي رسمت بالياء، قال الشيخ محمد طاهر مكي:
«أما بيان ما يستحسن لنا اتباعه ففي نحو هذه الكلمات:
اشتريه (١)، ومثويه (١)، وإحديهما (٢)، ويغشيها (٣). فكتابة الرسم العثماني لها أصح من كتابتنا، لأن أصلها يائي، ونحن نكتبها بالألف» (٤).
ورسم قوله تعالى: يويلتى (٥)، ويحسرتى (٦)، ويأسفى (٧) بالياء؛ لأن هذه الألفات منقلبة عن ياء الإضافة، والأصل: يويلتي، ويحسرتي، ويأسفي.
والعرب تقلب ياء الإضافة إلى الألف لخفة الألف، فيقولون:
«يا غلاما اضرب».
وأنشد بعضهم:
يا ابنة عمّا لا تلومي واهجعي وهي لغة مسموعة حكاها الخليل ويونس عن العرب (٨)، فرسمت بالياء على الأصل، وألحقت الألف إقامة للفظ والتلاوة.
_________________
(١) من الآية ٢١ يوسف في الموضعين.
(٢) من الآية ٢٥ القصص.
(٣) من الآية ٤ الشمس.
(٤) انظر: تاريخ القرآن وغرائب رسمه ص ١٣٢، ١٣٣.
(٥) من الآية ٧١ هود.
(٦) من الآية ٥٣ الزمر.
(٧) من الآية ٨٤ يوسف.
(٨) انظر: الكتاب ٢/ ٢١٤، شرح المفصل ٢/ ١٢، المساعد ٢/ ٣٧٥.
[ ١ / ٢٤٦ ]
ومن بلاغة الرسم وفصاحته الدلالة على أصل الحركة. وبين ذلك الكرماني فقال:
«كانت صورة الفتحة في الخطوط قبل الخط العربي ألفا، وصورة الضمة واوا، وصورة الكسرة ياء، فكتبت: لأاوضعوا (١) ونحوه بالألف مكان الفتحة، وإيتايء بالياء مكان الكسرة، وأولئك ونحوه بالواو مكان الضمة، لقرب عهدهم بالخط الأول» (٢).
وقال الداني: «إن العرب لم تكن أصحاب شكل ونقط، فكانت تصور الحركات حروفا، لأن الإعراب قد يكون بها كما يكون بهن، فتصور الفتحة ألفا، والكسرة ياء، والضمة واوا، فتدل هذه الأحرف الثلاثة على ما تدل عليه الحركات الثلاث من الفتح، والضم، والكسر» (٣). وهذا التعليل يشعر بأن الرسم العثماني اجتهادي اصطلح عليه الصحابة ﵃ ويوافق رأي من قال إن الرسم العثماني كتب على ما كان عليه واقع الكتابة العربية (٤)، إلا أن الرسم العثماني حفظ لنا هذا النمط من إعراب القرآن.
فكما أن في الزيادة فصاحة وبلاغة، فكذلك في الحذف فصاحة وبلاغة، من ذلك قوله تعالى: أيّه المؤمنون (٥) ومثيلاتها حذفت
_________________
(١) من الآية ٤٧ التوبة، والراجح فيها عدم زيادة الألف، كما سيأتي في موضعها.
(٢) عجائب التفسير وغرائب التأويل للكرماني ١/ ٤٥٥.
(٣) انظر: المحكم للداني ١٧٦، حلة الأعيان ورقة ٢٥٠.
(٤) وهو ما أثبته الدكتور غانم قدوري الحمد في كتابه رسم المصحف.
(٥) من الآية ٣١ النور، انظر: أدب الكتّاب للصولي ٢٥١.
[ ١ / ٢٤٧ ]
الألف بعد الهاء، استغناء بالفتحة قبلها ولسقوطها أيضا في الوصل، فجاء الخط موافقا لذلك.
قال ابن الأنباري: «ومن العرب من يقول: «يأيه النبي»، و«يأيه الرّجل» وأنشد بيتا للفراء احتجاجا لهذه اللغة، فقال:
يأيه القلب اللجوج النفس (١).
أقول: فجاء رسم المصحف موافقا لهذه اللغة، وبها قرأ عبد الله بن عامر الشامي في مواضعها الثلاثة، وهي لغة لبعض العرب، حكاها الفراء والأصمعي وغيرهما من اللغويين.
وقد نبه الشيخ الإمام البلنسي على هذه اللغة في كتابه المنصف، فقال:
وحذفها هنا بعيد الهاء* على سبيل اللفظ في الأداء لأنها في الدرج دأبا تذهب* للساكنين، ولذا لا تكتب ومع ذاك قرأ ابن عامر* بضمها درجا، وقال الشاعر وساق أبياتا من الشعر احتجاجا لهذه اللغة (٢).
إن المواضع التي حذفت منها الياء في مثل قوله تعالى: يقوم (٣)، ويربّ (٤) ونحوهما الحجة فيها أنهم اكتفوا بالكسرة من الياء فحذفوها، وكثر استعمالهم لهذا الجنس فقوي الحذف.
_________________
(١) انظر: إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٢٧٨.
(٢) انظر: تنبيه العطشان ورقة ٩٦.
(٣) من الآية ٥٣ البقرة.
(٤) من الآية ٣٠ الفرقان.
[ ١ / ٢٤٨ ]
واستشهد ابن الأنباري بأبيات للفراء، وحسان بن ثابت، على وقوع هذا الحذف في لغة العرب.
وحذفت الياء في مثل قوله تعالى: يوم يات (١) وشبهها، استغناء بالكسرة عن الياء، وكذلك في نحو قوله تعالى: فارهبون (٢).
ذكر الزمخشري أن الاجتزاء بالكسرة عن الياء كثير في لغة هذيل، وأنشد الطبري بيتا من الشعر شاهدا لهذه اللغة، فقال: «وأنها لغة معروفة لهذيل» (٣).
وحكى سيبويه والخليل أن العرب تحذف الياء، وتجتزئ بالكسرة.
قال الزجاج: «وقد جاء مثله في كلام العرب» (٤).
فالمواضع التي رسمت فيها الياء جاءت على الأصل، والمواضع التي حذفت منها الياء اكتفي بالكسرة عنها.
وقد جاءت القراءة على اللغتين بالحذف والإثبات.
وقد أشار البلنسي صاحب المنصف إلى هذه اللغة، فقال:
كذاك جاءت عندنا مسطورة* وهي فاعلم لغة مشهورة (٥)
_________________
(١) من الآية ١٠٥ هود.
(٢) من الآية ٣٩ البقرة انظر: الأمالي الشجرية لأبي السعادات ١/ ٧٢.
(٣) جامع البيان للطبري ١١/ ٦٩، الكشاف ٢/ ٢٣٥.
(٤) انظر: إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٢٤٧، ٢٥٠، البحر ٥/ ٢٦٢، القرطبي ٩/ ٩٧.
(٥) انظر: تنبيه العطشان ورقة ١٠٢، معاني القرآن للفراء ١/ ٩٠.
[ ١ / ٢٤٩ ]
وقال ابن معاذ الجهني (ت ٤٤٢ هـ): «وهي لغة للعرب فاشية» وأنشد سيبويه لهذه اللغة أبياتا من الشعر (١).
قال محمد بن يحيى الصولي (ت ٣٣٦ هـ): «ومن العرب من يسقط الياء في الخفض والرفع، فيقول: هذا القاض ومررت بالغاز» (٢).
وذكر الفراء أن العرب مرة يحذفونها ومرة يثبتونها، وكل صواب مستعمل (٣).
وحذفت الواو من قوله تعالى: يدع (٤) ومثيلاتها لغير جازم في الأربعة مواضع، أنهم اكتفوا بالضمة عن الواو، فأسقطوها فبني الخط على اللفظ.
وحكى الكسائي عن العرب أنهم يكتفون بالضمة عن الواو.
قال ابن الأنباري: «وحذف واو الجمع موجود كثير في كلام العرب»، واستشهد على ذلك بأبيات من الشعر، وقال: «لأن العرب حذفت واو الجمع، فحذف واو الجمع أغلظ من حذف لام الفعل، فإذا جاز حذف ما يدل على الجمع كان حذف ما لا يدل على معنى أسهل، ويدل له إجماع المصاحف على حذف اللام» (٥).
_________________
(١) انظر: كتاب البديع لابن معاذ ٢٦٨.
(٢) انظر: أدب الكتّاب ٢٥٢.
(٣) انظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٢٠٠، ٢٠١.
(٤) من الآية ٦ القمر.
(٥) انظر: إيضاح الوقف ١/ ٢٨٠، ٢٧٠.
[ ١ / ٢٥٠ ]
ونسب يحيى بن زياد الفراء هذا الحذف إلى لغة هوازن وعليا قيس، وأنشد على ذلك أبياتا من الشعر استشهادا لهذه اللغة، فقال:
إذا ما شاء ضرّوا من أرادوا* ولا يألوهم أحد ضرارا (١) وكتب الصحابة ﵃: أن لّا في بعض المواضع مقطوعة وفي بعضها الآخر موصولة (٢).
فالمواضع التي كتبت فيها مقطوعة كتبت على الأصل، لأن الأصل فيها: «أن لا»، والمواضع التي كتبت فيها موصولة بني الخط فيها على الوصل والإدغام (٣).
ويبدو لي أن الرسم بالقطع جاء على لغة من يبقي الغنة عند اللام، وأن الرسم بالوصل جاء على لغة من يدغم النون في اللام إدغاما محضا.
وبعد هذا العرض تبين لي أن الرسم العثماني ليس غريبا على لغة العرب، فكما أن الرسم العثماني اشتمل على حروف زائدة، فكذلك اللغة العربية اشتملت على حروف زائدة، وكما أن الرسم العثماني اشتمل على حروف محذوفة، فكذلك اللغة العربية اشتملت على حروف محذوفة.
_________________
(١) انظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٩٠.
(٢) انظر: قوله تعالى: حقيق عليّ أن لّا أقول في الآية ١٠٤ الأعراف.
(٣) انظر: إيضاح الوقف والابتداء ١/ ١٤٦.
[ ١ / ٢٥١ ]
فوافق الرسم العثماني لغة العرب، وطابق فصاحة القرآن وبلاغته، فكما أنهم كانوا يراعون في الألفاظ الفصيح والأفصح كانوا يراعون في الخط الفصيح والأفصح، ويكرهون في الخط ما يكرهون في اللفظ.
وحينئذ لا وجه للعجب والاستغراب، ولا جفوة ولا قطيعة بين الرسم واللغة العربية وكتابتها، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ١ / ٢٥٢ ]