قام أبو بكر -﵁- بالجمع الأول للقرآن الكريم، فكتب في عهده أول مصحف، وكان مشتملًا على السبعة الأحرف التي أذن الله للأمة بالتلاوة بها، ولم يخص حرفًا بعينه١، وهذا المصحف هو الذي اعتمد عليه عثمان فيما بعد، وكان بجانب هذا مصاحف لكبار الصحابة مثل: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، كما ذكروا مصاحف أخرى لزوجات النبي -ﷺ- مثل: عائشة، وحفصة، وأم سلمة، ومصاحف لبعض التابعين مثل: عطاء بن رباح، وعكرمة، ومجاهد٢.
وكان في هذه المصاحف ما صح سنده، وثبتت تلاوته، ووافق العربية، ولكن اختلف بعضها عن بعض مما ترتب عليه اختلاف الناشئة واختلاف القراء من أهل العراق والشام، وسندع الصحابي الجليل أبا حذيفة يصف هذا الموقف، ويشرح التصرف الذي قام به:
حضر حذيفة بن اليمان فتح أرمينية، وأذربيجان فرأى الناس يختلفون في القرآن، ويقول أحدهم للآخر: قراءتي أصح من قراءتك، فأفزعه ذلك وقدم على عثمان وقال: أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود
_________________
(١) ١ المقنع في القراءات لأبي عمرو الداني ص١٢٩. ٢ المصاحف لأبي داود السجستاني صفحات ٥٠، ٥٣، ٥٤، ٨٨، ٩١.
[ ٢٤٨ ]
والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها ثم نردها إليك فأرسلتها إليه فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف، وقال: إذا اختلفتم أنتم وزيد في شيء فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، فكتب منها عدة مصاحف، فوجه بمصحف إلى البصرة وآخر إلى الكوفة، وثالث إلى مكة، ورابع إلى اليمن، وخامس إلى البحرين، وأمسك لنفسه مصحفًا يقال له: الإمام١.
وبهذا العمل العظيم الذي يتسم بالدقة والإحكام والذي قام به الخليفة الراشد عثمان بن عفان -﵁- توقفت الاختلافات والمنازعات في الأمصار حول تفضيل قراءة على أخرى؟ إذ منع عثمان القراءة بما خالفها وأصبح رسمها حجة، وساعده على ذلك جماهير الصحابة والتابعين، وسار على ذلك من بعدهم، وتلقتها الأمة بالقبول وأصبح مصحف عثمان هذا هو الإمام، والمرجع في رسمه وخطه، وترتيبه، وأصبحت القراءة بما يخالفه، وإن وافق العربية وصح سنده -كالذي جاء في مصاحف الصحابة والتابعين- شاذة لكونها شذت عن رسم المصحف الإمام المجمع عليه فلا تجوز القراءة بها لا في الصلاة ولا في غيرها٢.
مظاهر الدقة والإحكام في رسم المصحف الإمام:
١- نسخت المصاحف العثمانية ومن بينها المصحف الإمام على أساس الجمع الأول للقرآن في عهد أبي بكر -﵁- إذا اعتمدوا
_________________
(١) ١ النشر في القراءات العشر لابن الجزري ص٥١، ت محيش، وراجع الصاحف للسجستاني ص١٢. ٢ راجع النشر ج١ ص٥٢، ومنجد المقرئين لابن الجزري ص١٦ وما بعدها.
[ ٢٤٩ ]
على مصحفه الذي كان موجودًا إذ ذاك عند حفصة بنت عمر -﵄- والذي تم على أساس العرضة الأخيرة للقرآن١، بين جبريل ورسول الله -ﷺ- في شهر رمضان من السنة العاشرة للهجرة.
٢- قام بهذا الجمع عدد من أجلاء الصحابة وقرائهم الذين تلقوا قراءتهم عن رسول الله -ﷺ- وكانوا أهل علم وفقه وفصاحة، حتى إن عليًّا -﵁- قال عن هذا العمل العظيم: لو وليت في المصاحف ما ولي عثمان لفعلت ما فعل٢.
٣- شرح لهم عثمان -﵁- خطة العمل بما يكفل السداد والاقتصار على القراءات التي صحت سندًا ولغة، فالنسخ يتم من مصحف أبي بكر -﵁- والناسخون من الصحابة، وهم أنفسهم مرجع في ذلك لحفظهم، وفصاحتهم، وزيد بن ثابت حجتهم فإن اختلفوا مع زيد، فلتكن الكتابة بلسان قريش.
٤- خط المصحف العثماني وعاء صالح للأحرف السبعة التي نزل بها القرآن الكريم، وأصبح هذا الخط -فيما تعارف عليه علماء المسلمين- غير خاضع لتطور الرسم الإملائي، حتى أصبح له سمت مُمَيَّز، يحافظ عليه المسلمون إلى الآن حتى إنه كتب بدون "نقط أو شكل" شأن الكتابة في ذلك العهد، ثم تم نقط المصحف وشكله دفعًا لتيار اللحن الذي بدأ يتكاثر في أواخر القرن الأول من الهجرة.
أمثلة للاختلاف بين الرسم العثماني، والرسم الذي اعتدناه في الكتابة في هذا العصر:
توضع صورة سكانر
_________________
(١) ١ المرجع السابق. ٢ المرجع السابق.
[ ٢٥٠ ]