بين لنا رب العالمين في كتابه الكريم الأسلوب القويم الذي نتلو به كتابه؛ لتتحقق لنا الثمرة المرجوة من تلاوته فقال تعالى: ﴿وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ ١، وقال جل شأنه مخاطبًا نبيه محمدًا ﵊: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ ٢.
فالقراءة على مكث أي، بتأنٍ وتمهل هي الترتيل.
معنى الترتيل:
قال الجوهري: الترتيل في القراءة الترسل فيها والتبيين بغير بغي، وكلام رَتِل بالتحريك، أي مرتل، وثغر رَتَل أيضًا إذا كان مستوى لثنيات، ورجل رَتِل مثل تَعِبْ بَيِّن الرتَل أي مُفَلّج الأسنان٣.
وفي القاموس المحيط: الرتل محركة حسن تناسق الشيء.
قال ابن عباس في تفسير "رتل القرآن" بينه، وقال "مجاهد":
_________________
(١) ١ الإسراء: ١٠٦. ٢ سورة المزمل: ٤. ٣ الصحاح مادة "رتل".
[ ١٠٧ ]
تأن فيه، وقال الضحاك: انبذه حرفًا حرفًا، أي تلبث في قراءته وتمهل فيها، وافصل الحرف من الحرف الذي بعده١.
من خلال هذه التفسيرات سواء أكانت لغوية أم مأثورة يستبين لنا أن الترتيل يعني البيان والوضوح بحيث تخرج الحروف من مخارجها، وتؤدي أداء جيدًا، وتتحرى الوقف الملائم ونحو هذا، وقد سئل علي -﵁- عن الآية: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ فقال: الترتيل تجويد الحروف، ومعرفة الوقوف.
قال ابن الجزري: الترتيل مصدر رتل فلان كلامه إذا أتبع بعضه بعضًا على مكث وتفهم من غير عجلة، وقد نزل القرآن الكريم بالترتيل، فقال تعالى: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ ٢، وروى ابن الجزري عن زيد بن ثابت -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "إن الله يحب أن يقرأ القرآن كما أنزل" ٣.
ولأهمية الترتيل لم تكتف الآية بمجرد الأمر عن طريق الفعل وإنما أكده بالمصدر، تعظيمًا لشأنه، وليكون ذلك عونًا على تدبر القرآن، وتفهمه.
قراءة النبي -ﷺ:
وصفت أم سلمة قراءة النبي -ﷺ- حتى إن الراوي عنها يقول: فإذا هي مفسرة حرفًا حرفًا٤، كما روى ابن أبي مليكة عن أم
_________________
(١) ١ النشر ج١ ص٢٩٦. ٢ المرجع السابق. ٣ النشر ج١ ص٢٩٦. ٤ القطع والائتناف لابن النحاس ص٨٦، والحديث رواه الترمذي ج٤ ص٢٥٤، عن يعلي بن مملك أنه سأل أم سلمة زوج النبي -ﷺ- عن قراءة النبي.
[ ١٠٨ ]
سلمة أيضًا أن النبي -ﷺ- كان يقطع قراءته أي يقف على رءوس الآيات.
كما جاء في حديث ابن عمر -﵁: أنه تنزل السورة من القرآن على النبي محمد -ﷺ- "فتعلم حلالها، وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها، كما تتعلمون أنتم اليوم القرآن"١.
وعن أبي الدرداء -﵁- أن النبي -ﷺ- قام بآية يرددها حتى أصبح، وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢.
وعن أنس أنه سئل عن قراءة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقال: كانت مدًّا، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، يمد الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم٣.
من خلال هذا النصوص نتبين معالم القراءة النبوية، كما يلي:
أ- إخراج الحروف من مخارجها إخراجًا دقيقًا.
ب- تخير الوقف الملائم.
د- مراعاة المد، وتجويد الحروف.
هـ- التأمل والتدبر.
نخلص من هذا إلى أن الترتيل كما فسره علي بن أبي طالب -﵁- له ركنان:
١- تجويد الحروف.
٢- معرفة الوقوف.
_________________
(١) ١ القطع والائتناف ص٨٧. ٢ رواه النسائي وابن ماجه، والآية من سورة المائدة: ١١٨. ٣ رواه البخاري، وراجع النشر ج٢ ص٢٩٧.
[ ١٠٩ ]
وسنتحدث عن كليهما فيما بعد.
أنواع القراءة:
ذكر صاحب النشر ثلاثة أنماط لقراءة القرآن هي:
١- التحقيق.
٢- الحدر.
٣- التدوير
١- التحقيق:
وهو الإتيان بالشيء على حقه دون زيادة أو نقصان، فهو بلوغ حقيقة الشيء، والوقوف على كنهه.
والظواهر القرائية لهذه الطريقة تتمثل في: إعطاء كل حرف حقه من إشباع المد، وتحقيق الهمزة، وإتمام الحركات. واعتماد الإظهار والتشديدات، وتوفية الغنات، وتفكيك الحروف، وهو بيانها، وإخراج بعضها من بعض بالسكت، والترسل، واليسر، والتؤدة، وملاحظة الجائز من الوقوف١، وتتم كل هذه الظواهر دون مبالغة.
والذين قرءوا بالتحقيق حمزة، وورش من غير طريق الأصبهاني عنه.
وقرأ به قتيبة عن الكسائي.
وقرأ به بعض المصريين عن الحلواني عن هشام، وأكثر العراقيين عن الأخفش عن ابن ذكوان.
وذكر ابن الجزري إسنادًا لهذه القراءة يبدأ منه، وينتهي بأبي بن كعب عن رسول الله ﷺ.
وعلق أبو عمرو الداني من قبل على هذا الحديث بأنه غريب "لا أعلمه يحفظ إلا من هذا الوجه، وهو مستقيم الإسناد"٢.
_________________
(١) ١ النشر ج٢ ص٢٩٤. ٢ المرجع السابق ص٢٩٥.
[ ١١٠ ]
٢- قراءة الحدر:
هو من حدَر يحدُر "من باب نصر" إذا أسرع، فهو من الحدور أي الهبوط؛ لأن الإسراع من لوازمه على عكس الصعود، فهي قراءة تتسم بالأداء السريع، وتتلاءم مع من يريدون الإكثار من القراءة رغبته في مزيد من الأجر.
وظواهرها القرائية تتمثل من: إدراج القراءة وسرعتها، وتخفيفها بالقصر والتسكين، والاختلاس، والبدل، والإدغام الكبير، وتخفيف الهمزة؛ ونحوها من الظواهر اللغوية التي وردت القراءة بها مع إيثار وصل، وإقامة الإعراب، ومراعاة تقويم اللفظ، وتمكن الحروف.
والقراءة بالحدر مذهب ابن كثير وأبي جعفر، وسائر من قصر المنفصل كأبي عمرو، ويعقوب وقالون، والأصبهاني عن ورش، وكالولي عن حفص، وأكثر العراقيين عن الحلواني عن هشام١.
٣- قراءة التدوير:
فهو عبارة عن التوسط بين المقامين من التحقيق والحدر.
وقد وردت هذه القراءة عن أكثر الأئمة ممن روى من المنفصل، ولم يبلغ فيه إلى الإشباع.
وهو مذهب سائر القراء، وصح عن جميع الأئمة، وهو المختارعند أكثر أهل الأداء.
قال ابن مسعود ﵁: لا تنثروه -يعني القرآن- نثر الدقل، ولا تهزوه هزَّ الشعر. وجاءه رجل فقال قرأت المفصل الليلة من ركعة، فقال: هزًّا كهز الشعر.
_________________
(١) ١ المرجع السابق ص٢٩٦.
[ ١١١ ]
أي الأنواع الثلاثة أفضل؟:
ذهب بعضهم إلى أن كثرة القراءة أفضل، ومعنى هذا أنهم، يؤثرون الحدر على التحقيق محتجين بحديث ابن مسعود قال: قال رسول الله -ﷺ: "من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنة، الحسنة بعشر أمثالها" ١، كما ذكروا آثارًا كثيرة عن السلف في كثرة القراءة.
والذي عليه معظم السلف والخلف أن الترتيل والتدبر مع قلة القراءة أفضل من السرعة مع كثرتها؛ لأن المقصود من القرآن الكريم فهمه وتدبره، والتفقه فيه، والعمل به، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ﴾ ٢، والتلاوة والحفظ وسيلة إلى فهم المعنى، الذي يلزم المسلم بالعمل والتنفيذ.
وقراءة التحقيق أدنى هذه الأنماط الثلاثة إلى الترتيل.
وإذا نظرنا إلى خصائص قراءة النبي -ﷺ- التي استنتجناها آنفًا نراها أقرب إلى قراءة التحقيق أيضًا؛ إذ تتجه إلى إيضاح المعنى وإبرازه.
وحديث ابن مسعود ليس فيه حث على الإسراع، وإنما فيه بيان للثواب العظيم في القراءة، والذي يضاعفه الله للقارئ المحسن القراءة، المستفيد منها في عمله وسلوكه.
وسئل مجاهد عن رجلين قرأ أحدهما البقرة، والآخر البقرة وآل عمران في الصلاة، وركوعهما، وسجودهما واحد؟ فقال: الذي قرأ البقرة وحدها أفضل٣.
_________________
(١) ١ رواه الترمذي وصححه، ورواه غيره "بكل حرف عشر حسنات". ٢ سورة ص: ٢٩. ٣ النشر ج٢ ص٢٩٧.
[ ١١٢ ]
وقد أسلفنا حديث أبي الدرداء الذي روى فيه ترديد النبي -ﷺ- لآية واحدة حتى الصباح.
وروى ابن الجزري عن محمد بن كعب القرظي قوله: لأن أقرأ ليلتي حتى أصبح: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ و﴿القَارِعَةُ﴾ لا أزيد عليهما، وأردد فيهما، وأتفكر أحب إلى من أن أهز القرآن هزًّا١.
ويقول أبو حامد الغزالي: واعلم أن الترتيل يستحب لا لمجرد التدبر، فإن العجمي الذي لا يفهم معنى القرآن يستحب له أيضًا في القراءة الترتيل والتودة؛ لأن ذلك أقرب إلى التوقير والاحترام، وأشد تأثيرًا في القلب من الهذرمة والاستعجال٢.
بين الترتيل والتحقيق:
أهناك فرق بينهما؟ نقول على ضوء ما سبق: الترتيل أعم من التحقيق، وهو يلائم من يقرأ للتدبر، والتفكر، والاستنباط، أما التحقيق فيكون للتعليم والتمرين، وترويض النشء على القراءة الصحيحة٣.
وعلينا الآن أن نتناول ركني الترتيل اللذين أشرنا إليهما، وهما: التجويد والوقف.
_________________
(١) ١ المصدر السابق. ٢ المصدر السابق. ٣ المرجع السابق ص٢٩٨.
[ ١١٣ ]