كيف نشأت فكرة القراءات السبع؟:
القراءات كثيرة ومتعددة تتجاوز المئات، والقراء ورواتهم آلاف مؤلفة، وظهرت فكرة تحديد أئمة وقراءات تكون مرجعًا لأهل الأمصار، وقدوة لهم.
يقول مكي: إن الرواة عن الأئمة من القراء كانوا في العصر الثاني والثالث كثيرًا في العدد، كثيرًا في الاختلاف فأراد الناس في العصر الرابع أن يقتصروا من القراءات التي توافق المصحف على ما يسهل حفظه وتنضبط القراءة به فنظروا إلى إمام مشهور بالثقة والأمانة وحسن الدين، وكمال العلم، قد طال عمره، واشتهر أمره، وأجمع أهل مصره على عدالته فيما نقل، وثقته فيما قرأ وروى، وعلمه بما يقرأ فلم تخرج قراءته عن خط مصحفهم المنسوب إليهم، فأفردوا من كل مصر وجه إليه عثمان مصحفًا إمامًا هذه صفته وقراءته على مصحف ذلك المصر١.
هكذا شرح مكي الأسس التي قام عليها فيما بعد اختيار ما عرف بالقراءات السبع والقراء السبعة.
وقد ألف ابن جبير المقري كتابًا في القراءات وسماه: كتاب الثمانية، ذكر فيه القراء السبعة المشهورين:
ابن عامر إمام أهل الشام.
أبو عمرو بن العلاء من البصرة.
وحمزة وعاصم والكسائي من الكوفة.
ونافع من المدينة.
وابن كثير من مكة.
_________________
(١) ١ الإبانة ص٨٦.
[ ١٤٩ ]
وزاد عليهم يعقوب الحضرمي.
وكان عمل ابن جبير اتجاهًا من اتجاهات التحديد التي ظهرت من هذا العصر، وأول من سبع السبعة أبو بكر بن مجاهد١، وتابعه على ذلك من أتى بعده.
وشاع أمر القراء السبعة، والقراءات السبع.
وهذا التحديد أمر أكده العلماء.
يقول الإمام ابن تيمية ﵀: "لا نزاع بين العلماء المعتبرين أن الأحرف السبعة التي ذكر النبي -ﷺ- أن القرآن أنزل عليها ليست قراءات القراء السبعة المشهورة، بل أول من جمع ذلك ابن مجاهد"٢.
وهنا أمور لا بد من مناقشتها:
ماذا يعني التزام ابن مجاهد بالسبعة؟
هل هذا التحديد يعني إهدار من سواهم؟
ما القيمة العلمية لعمل ابن مجاهد؟
أما التحديد بالسبعة فيمكن أن نجيب عنه بما يأتي:
١- أن عثمان -﵁- كتب سبعة مصاحف، ووجه بها إلى الأمصار، فجعل عدد القراء على عدد المصاحف.
٢- أنه جعل عددهم على عدد الحروف التي نزل بها القرآن وهي سبعة، على أنه لو جعل عددهم أكثر أو أقل لم يمنع ذلك؛ لأن عدد الرواة
_________________
(١) ١ أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد التميمي، شيخ القراء، ولد سنة ٢٤٥ بسوق العطش ببغداد، وتوفي سنة ٣٢٤ "طبقات القراء ج١ ص١٢٩". ٢ راجع النشر ج١ ص٩٧.
[ ١٥٠ ]
الموثوق بهم أكثر من أن يحصى١.
فهدف ابن مجاهد مجرد الموافقة في العدد "لا لاعتقاده واعتاقد غيره من العلماء أن القراءات السبع هي الحروف السبعة، أو أن هؤلاء السبعة المعينين هم الذين لا يجوز أن يقرأ بغير قراءتهم"٢.
هذه هي الأسباب وراء التحديد بالسبعة.
ولا يعني إهدار من سواهم.
وما دام قد تبين لنا حكمة التحديد بالسبعة عند ابن مجاهد ومن تابعه فقد اتضح لنا بناء على هذا أنه لا يعني عدم توثيق من سواهم، وذلك لأمور.
١- لم تترك القراءة بقراءة غيرهم، أو اختيار من أتى بعدهم إلى الآن مثل قراءة يعقوب الحضرمي٣ وعاصم الجحدري٤، واختيار أبي حاتم٥ وأبي عبيد٦.
٢- اختلاف وجهات النظر في السبعة زيادة ونقصانًا، يقول
_________________
(١) ١ الإبانة ص٩٠. ٢ النشر ج١ ص٩٧. ٣ يعقوب بن إسحاق بن زيد الحضرمي البصري أحد القراء العشرة، إمام البصرة ومقرئها، وهو أعلم الناس بالحروف والنحو توفي سنة ٢٥٠هـ. ٤ هو عاصم بن أبي الصبن الجحدري البصري، قرأ على نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر توفي سنة ١٢٨هـ. ٥ أبو حاتم السجستاني: سهل بن محمد بن عثمان إمام البصرة في النحو والقراءة واللغة، عرض على يعقوب الحضرمي، وروى عن الأصعمي "ت سنة ٢٥٥" طبقات القراء ج١ ص٣٢٠. ٦ أبو عبيد القاسم بن سلام الخراساني الأنصاري صاحب التصانيف الكثيرة في القراءات والحديث والفقه واللغة والشعر، ورحل في طلب العلم توفي سنة ٢٢٤هـ، وطبقات القراء ج٢ ص١٧.
[ ١٥١ ]
مكي: "والكسائي إنما ألحق بالسبعة بالأمس في أيام المأمون وغيره، وكان السابع يعقوب الحضرمي فأثبت ابن مجاهد في سنة ثلاثمائة أو نحوها الكسائي في موضع يعقوب١، وتم ذلك في عصر المأمون.
وفي كلام ابن تيمية الذي نقله عنه صاحب النشر جاء فيه قوله. ولهذا قال بعض من قال من أئمة القراء: لولا أن ابن مجاهد سبقني إلى حمزة لجعلت مكانه يعقوب الحضرمي إمام جامع البصرة وإمام قراء البصرة في زمانه في رأس المائتين٢.
كما نقل صاحب النشر عن مكي: وقد ذكر الناس من الأئمة في كتبهم أكثر من سببين ممن هو أعلى رتبة وأجل قدرًا من هؤلاء السبعة، على أنه قد ترك جماعة من العلماء في كتبهم في القراءات ذكر بعض هؤلاء السبعة" ثم ذكر مكي أمثلة لذلك، فذكر أبو حاتم الذي ترك ذكر السبعة، وكذلك زاد الطبري في كتاب القرءات له على هؤلاء نحو خمسة عشر رجلًا٣.
٣- مما أجمع٤ عليه علماء الإسلام والأئمة المتبعون للسلف أنه لا يتعين القراءة بهذه القراءات في جميع أمصار المسلمين، فمن ثبت عنده قراءة الأعمش شيخ حمزة، أو قراءة يعقوب الحضرمي، ونحوهم كما ثبت عنده قراءة حمزة والكسائي فله أن يقرأ بها بلا نزاع بين العلماء المعتد بهم، والمعدودين من أهل الإجماع والخلاف.
_________________
(١) ١ الإبانة ص٣٩، والنشر ج١ ص٩٣. ٢ النشر ج١ ص٩٧. ٣ المرجع السابق ص٩٢. ٤ ذكر هذا الإجماع صاحب النشر ج١ ص٩٧.
[ ١٥٢ ]
فمتى توافر في القراءة شروط القبول قرئ بها ولو كانت لغير السبعة الذين ذكرهم ابن مجاهد.
القيمة العلمية لعمل ابن مجاهد:
لكن هذا العمل الذي عمله ابن مجاهد له قيمة علمية كبيرة.
هو أنه وضع أمام الجماهير المسلمة أنماطًا محددة من القراءات معتدًا بها، دفعًا لما يترتب على اختلاف القراءات الكثيرة من نوع من الفوضى لدى غير الواعين بأبعاد هذا العلم فقد سن منهج التحديد، وهو نافع بلا ريب.
وجاء بعده من ذكر القراءات العشر وقرائها، وأضاف إلى السبعة أبا جعفر المدني، وأبا يعقوب البصري، وخلفًا العاشر البغدادي.
ويبدو لنا من خلال النصوص السابقة أن العلماء الذين جاءوا بعد ابن مجاهد ارتضوا عمله، ووافقوا عليه وتلقوه بالقبول، وقد أسلفنا قول من قال: لولا ابن مجاهد سبقني إلى حمزة لجعلت مكانه يعقوب.
وثمرة صنيع ابن مجاهد باقية إلى عصرنا الحاضر فيما نراه من الدقة والانضباط١، واجتماع العالم الإسلامي على الشاطبية والتيسير، مع علمنا بقيمة القراءات الأخرى التي استوفت شروط القبول.
_________________
(١) ١ راجع السبعة لابن مجاهد -مقدمة د. شوقي ضيف ص٢٣.
[ ١٥٣ ]