القراءات: جمع قراءة، وهي مصدر قرأ، وهي الجمع والضم، يقال: ما قرأت الناقة جنينًا أي لم تضم رحمها على ولد، قال أبو عبيدة: سمي القرآن؛ لأنه يجمع السور، فيضمها، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ﴾ أي جمعه وقراءته١.
والقارئ لكل مكتوب من شأنه أن يضم أصوات الحروف في ذهنه لتتكون الكلمات التي ينطق بها وفي اصطلاح القراء: القراءات وجوه مختلفة في الأداء من النواحي الصوتية، أو التصريفية، أو النحوية واختلاف القراءات على هذا النحو اختلاف تنوع وتغاير لا اختلاف تضاد وتناقص؛ لأن التناقص والتضارب يتنزه عنهما الكتاب العزيز، وقد قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ ٢، ولأن التناقض في القول دليل بطلانه، وقد قال رب العالمين: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ
_________________
(١) ١ الصحاح للجوهري "مادة قرأ". ٢ النساء: ٨٢.
[ ٢٧ ]
حَمِيدٍ﴾ ١، والتناقص لا يجتمع مع الإبانة والوضوح، وقد وصف الله كتابه فقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِين﴾ ٢.
وهذا الاختلاف ينحصر في وجوه ثلاثة:
أولها: اختلاف اللفظ والمعنى واحد.
مثالها: كلمة "الصراط" تقرأ بالصاد والسين٣، والإشمام، وكلمة "عليهم"٤ بكسر الهاء وضمها.
ثانيهما: اختلاف اللفظ والمعنى مع جواز اجتماعهما في شيء واحد.
مثالها: "مالك٥، ملك" في الفاتحة، فبرغم أن الملك يزيد عن المالك معنى السلطة إلا أن المراد بهما واحد وهو الله تعالى. ومثل قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾، "ننشرها"٦ بالراء والزاي؛ لأن المراد بهما العظام؛ لأن الله تعالى أنشرها أي أحياها، وأنشزها؛ أي: رفع بعضها إلى بعض حتى التأمت، فيجتمع المعنيان في القراءتين أخيرًا في معنى واحد.
ثالثها: اختلافهما في اللفظ والمعنى، وامتناع اجتماعهما في شيء واحد جوازًا، بل يتفقان من وجه آخر يساير المعنى العام وينتفي معه التضاد.
_________________
(١) ١ فصلت: ٤٣. ٢ الشعراء: ١٩٥. ٣ قرأ بالسين قنبل عن ابن كثير -الكشف ج١ ص ٣٤. ٤ قرأ بضم الهاء حمزة ووافقه يعقوب -راجع الكشف ج ١ ص ٣٥. ٥ قرأ "ملك" بغير ألف جماعة من الصحابة وغيرهم، منهم أبو الدرداء، وابن عباس، وابن عمر، ومروان بن الحكم ومجاهد، المرجع السابق ص٢٧. ٦ قرأها الكوفيون وابن عامر بالزاي، وقرأها الباقون بالراء -الكشف ج١ ص٣١.
[ ٢٨ ]
من ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَم﴾ ١، بالبناء للمعلوم ثم المجهول، وقرئ بعكس هذه القراءة المشهورة: "وهو يطعم ولا يطعم" بالبناء للمجهول، ثم المعلوم في قراءة شاذة.
والوجه الذي تتفق فيه القراءتان هو أن الضمير في القراءة المشهورة يعود على الله، وفي القراءة الأخرى يعود على الولي: والمعنى العام للآية ينسجم مع القراءتين جميعًا٢.
_________________
(١) ١ النشر ج١ ص١١٢. ٢ النشر ج١ من ص١١١ إلى ص١١٣ بتصرف.
[ ٢٩ ]