الفصل الرابع: صور من الاحتجاج للقراءت
صور من الاحتجاج بالأسانيد:
الإسناد في القراءات هو في أعلى درجات الإسناد -كما علمنا- وهو متواتر لا ريب في تواتره والقراءة التي تفتقد التواتر لا تقبل؛ لأن غير المتواتر لا يكون قرآنًا.
وبسبب هذا اختفى علماء القراءات بالإسناد احتفاء بالغًا، وكل عالم من علماء القراءات ينص على الأسانيد وطرقها المتعددة حتى عصره. وأحيل القارئ على ما كتبه ابن الباذش في الإقناع، وما كتبه العلامة ابن الجزري في النشر، ومن قبل هذين ابن مجاهد.
وسأقدم على سبيل المثال لا الحصر سند قراءة عاصم كما ذكره ابن مجاهد.
أسانيد قراءة عاصم:
يقول ابن مجاهد: "وما كان من قراءة بن أبي النجود عن أبي بكر بن عياش، فإن عبد الله بن محمد بن شاكر أخبرني بها، عن يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش عن عاصم من أول القرآن إلى خاتمة الكهف.
[ ٢٨٣ ]
وأخبرني إبراهيم بن أحمد بن عمر الوكيعي عن أبيه١، عن يحيى بن آدم، عن أبي بكر، عن عاصم، من أول القرآن إلى آخره.
وأخبرني محمد بن الجهم قال: حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي أمية البصري، عن أبي بكر عن عاصم بذلك من أوله إلى آخره.
قال: وحدثني ابن الجهم أيضًا، قال: وحدثنا: أبو توبة٢ ميمون بن حفص النحوي، عن الكسائي، عن أبي بكر، عن عاصم.
قال: وأخبرني أبو بكر موسى بن إسحاق، عن هارون بن حاتم، أبي بشر، عن حسين بن علي الجعفي، عن أبي بكر عن عاصم.
وحدثني موسى بن إسحاق، ومحمد بن عيسى بن حيان المقرئ، عن أبي هشام، عن يحيى، عن أبي بكر، عن عاصم.
وحدثني الكسائي محمد بن يحيى عن أبي عمارة عن أبي عمارة عن حفص٣ عن عاصم.
وحدثني أحمد بن علي الْخَزَّار، قال: حدثنا أبو عمر هبيرة٤ بن محمد التمار، عن حفص بن سليمان بن عاصم.
وحدثنا أبو محمد الرقي، عن أبي عمرو الدوري، عن أبي عمارة، عن حفص، عن عاصم.
وأخبرني محمد بن حماد بن ماهان الدباغ٥، قال: حدثني أبو الربيع، عن حفص، عن عاصم.
_________________
(١) ١ أبوه أحمد بن عمر بن حفص توفي سنة ٢٣٥هـ. ٢ روى القراءة عن الكسائي عرضًا، ورواها عنه محمد بن الجهم. ٣ هو حفص بن سليمان الراوي الثاني عن عاصم. ٤ هبيرة التمار، تلميذ حفص، وأستاذ الخزار أحمد بن علي بن الفضل أخذ عنه بن مجاهد توفي سنة ٢٨٦هـ. ٥ هو شيخ مقرئ بغداد، وأبو الربيع هذا هو أستاذه وهو سليمان بن داود الزهراني.
[ ٢٨٤ ]
وحدثنا أبو بكر وهب بن عبد الله المروزي، قال: حدثنا الحسين ابن المبارك الأنماطي، ويعرف بابن اليتيم، قال: حدثنا أبو حفص عمرو بن الصباح بن صبيح قال: رويت هذه القراءة عن أبي عمر البزار، وهو حفص بن سليمان بن المغيرة، ويعرف بالأسدي قال: قرأت عن عاصم بن أبي النجود، وذكر أبو عمر أنه لم يخالف عاصمًا إلا في حرف من كتاب الله، إلا في قوله تعالى: "مِنْ ضُعْف" [الروم: ٥٤] .
وحدثني أحمد بن علي الخزار ومحمد بن حيان، عن محمد بن يحيى القطعي، عن أبي زيد النحوي، عن المفضل بن محمد١ الضبي، عن عاصم. محمد بن حيان: من أول القرآن إلى آخر سورة آل عمران، والخزاز: من أول النساء: إلى آخر الكتاب.
وحدثني عبد الله بن سليمان، قال حدثني أبو زيد "عمر بن شبة" قال: حدثنا جبلة، عن المفضل، عن عاصم.
وحدثني غير واحد من أصحاب أبان عن أبان عن عاصم٢.
وفي تكملة هذا السند إلى رسول الله -ﷺ- يقول ابن الجزري: وقرأ حفص وأبو بكر على إمام الكوفة وقارئها عاصم بن أبي النجود الأسدي، فذلك مائة وثمانين وعشرون٣ طريقًا لعاصم، وقرأ عاصم على أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب بن ربيعة السلمي الضرير، وعلى أبي مريم زر بن حبيش بن حباشة الأسدي، وعلى أبي عمرو سعد بن إلياس الشيباني، وقرأ هؤلاء الثلاثة على عبد الله بن مسعود، وقرأ السلمي، وزر أيضًا على عثمان بن عفان وعلي بن أبي
_________________
(١) ١ عالم الكوفة اللغوي، المشهور، صاحب المفضليات توفي سنة ١٦٨ أخذ القراءة عنه أبو زيد الأنصاري، وهو غير أبي زيد "عمر بن شبة". ٢ راجع السبعة ص٩٤ وما بعدها. ٣ هذه الطرق فصلها وذكرها طريقًا طريقًا ابن الجزري في النشر.
[ ٢٨٥ ]
طالب -﵄- وقرأ السلمي أيضًا على أُبَيّ بن كعب وزيد بن ثابت -﵄- وقرأ ابن مسعود وعثمان وعلي وأبي، وزيد على رسول الله -صلى الله عليه وسلم١.
ونظرة إلى هذه الأسانيد توقفنا على الحقائق التالية.
١- الدقة البالغة، والضبط المحكم في عرض السند، ووضع كل لفظ موضعه من "أخبرني" إلى "حدثني" ثم تحديد القدر الذي قرأه على كل منهم.
٢- غزارة هذه الأسانيد وتواترها وإذا كان ابن مجاهد وصلت إليه قراءة عاصم من هذه الطرق المتعددة، وكلها موثقة فمن غير شك هناك طرق كثيرة وغزيرة، وقد عرفنا أن ابن الجزري في القرن التاسع أوصلها ١٢٨ طريقًا.
٣- هؤلاء الرواة الذين نقلت قراءة عاصم عنهم علماء ونحاة ولغويون وليسوا مجرد حفظة فقط.
٤- اتضح لنا علو إسناد القراءات بصورة لم تتوافر لأي كتاب في الوجود غير كتاب الله تعالى.
_________________
(١) ١ راجع النشر ص٢٢٥ وما بعدها "محيسن".
[ ٢٨٦ ]
عبد الملك بن مروان.
وأسهم الخليل بن أحمد "١٧٥هـ" في هذا المجال، وذلك بالهمز والتشديد والروم والإشمام١.
قال خلف بن هشام البزار: كنت أحضر بين يدي الكسائي، وهو يقرأ على الناس، وينقطون مصاحفهم بقراءته عليهم٢.
وسار الناس بدافع الغيرة على نهج هؤلاء الأعلام، وأضافوا إلى رسم المصحف علامات دالة على الأرباع والأحزاب، والأجزاء، وسجدات التلاوة، ووقفات السكت، وعلامات الوقف، وأصبحت المصاحف في عصرنا تذيل باصطلاحات الضبط، وتكتب بألوان متنوعة من الخطوط، وما أصاب النص القرآني أدنى تغيير.
على أن ينبغي أن نضع في الاعتبار أننا مهما طورنا في خط المصحف لتيسير قراءته فإن ذلك لن ينال منه شيئًا وقد قال رب العالمين: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .
وهذا رأي وسط نراه أمام هذا الخلاف أولى بالقبول.
وأوجزه في نقاط محددة.
١- على ضوء ما سجلته المراجع التاريخية واللغوية يتبين أن المصحف لم يكتب بخط متميز وإنما كتب بالخط المتعارف عليه في عصر الصحابة، وأنه قد طرأت عليه تغييرات على يد أعلام الأمة وعلمائها الذين أشرنا إليهم، وهذه التغييرات تمت على مراحل مختلفة، وآخرها مصطلحات الوقف، ونحوها٣.
_________________
(١) ١ المحكم ص٦، وراجع قصة النقط الشكل في المصحف الشريف د. عبد الحي حسن الفرماوي ص٩٦. ٢ المحكم ص٦، وراجع قصة النقط الشكل في المصحف الشريف د. عبد الحي حسن الفرماوي ص٩٦. ٣ راجع التعريف بالمصحف الشريف، المطبعة الأميرية.
[ ٢٨٧ ]