متى بدأ الحكم على بعض القراءات بالشذوذ؟:
بدأ الحكم على بعض القراءات بالشذوذ بعد أن عرفت الضوابط التي تقاس بها القراءات الصحيحة ويمكن أن تحدد ذلك بظهور المصاحف العثمانية، وتوزيعها على الأمصار الإسلامية، والأمر بإحراق ما عداها، ومن هنا ساغ الحكم بالشذوذ على كل ما خالف رسم المصحف باعتباره مخالفًا لإجماع خيار الأمة وهم الصحابة، واتسعت دائرة الحكم بالشذوذ بعد أن وضعت قواعد النحو والتصريف منذ النصف الثاني من القرن الأول.
وقيل هذه الفترة كانت القراءات الشاذة موجودة لكن لم يطلق عليها هذا الاصطلاح بعد ومن التكلف البالغ القول بأن بعض الصحابة لم يحرقوا مصاحفهم واحتفظوا بها، أو أن الخليفة عثمان -﵁- في أول الفتنة أجاز القراءة بالحروف المخالفة لمصحفه اعتمادًا على ما جاء في كتاب المصاحف للسجستاني، وهو كتاب مرتاب فيه احتفى به المستشرقون وحدهم، وذلك من أجل أن نصل إلى القول بأن القراءات الشاذة، عرفت من بعد العرضة الأخيرة١.
وهذه النتيجة كما نرى متكلفة، ومقدماتها بعيدة عن الصواب، فما كان لبعض الصحابة وهم من الخيار أن يخفو مصاحفهم عن عثمان،
_________________
(١) ١ أبدى هذا الرأي الدكتور محمد محيسن في كتابه: في رحاب القرآن، وراجع الدكتور شعبان محمد إسماعيل في كتابه: القراءات مصدرها وأحكامها، ومناقشته لهذا الرأي ص١١٥ وما بعدها.
[ ٥٩ ]
وما كان لعثمان أن يفتح بابًا تحمس من أول الأمر لإغلاقه، وهو الذي لا يخشى في الله لومة لائم. وإذا كان عثمان -﵁- أجاز القراءة بالحروف التي تخالف مصحفه فلماذا -إذن- يخفي بعض الصحابة مصاحفهم.
إن التناقض في هذا الرأي واضح والحق أحق أن يتبع.
يقول مكي بعد أن نقل قراءة ابن الزبير في سورة الفاتحة "صراط من أنعمت عليهم": وإنما قرئ بهذه الحروف التي تخالف المصحف قبل جمع عثمان -﵁- الناس على المصحف. فبقي ذلك محفوظًا في النقل غير معمول به عند الأكثر لمخالفته للخط المجمع عليه"١ معنى هذا أن المصاحف العثمانية كانت الفصل بين الشاذ وغيره من القراءات.
_________________
(١) ١ الإبانة ص١٢٧.
[ ٦٠ ]