الوقف:
الوقف في اللغة: الكف والحبس.
وفي اصطلاح القراء: عبارة عن قطع الصوت عند آخر الكلمة زمنًا يتنفس فيه عادة بنية استئناف القراءة لا بنية الإعراض عنها١.
ولدراسة الوقف على منهج القراء، وفي علم القراءات جانبان٢.
_________________
(١) ١ النشر ج١ ص٣٣٤، الإتحاف ص١٠٠، هداية القارئ ص٣٧١. ٢ النشر ج١ ص٣٢٣ بتصرف.
[ ١٥٨ ]
أولهما: معرفة ما يوقف عليه، وما يبتدأ به. وهذا قضية يحددها المعنى، ويحكم فيها السياق، وتتصل بتجويد الأداء.
والآخر: كيف يوقف على الكلمة، وكيف يبتدأ؟، وما يحدث في هذا الصدد من صور صوتية أو تصريفية١.
أهمية دراسة الوقوف:
وبخاصة الجانب الأول؛ إذ إن دراسته على جانب كبير من الأهمية لصلته الوثيقة بإبراز المعنى الذي يحتمه السياق، كما يكون مفسدًا للمعنى ومغيرًا له إذا وقف القارئ وقفًا غير صحيح.
روى عن علي بن أبي طالب -﵁- أنه قال: الترتيل معرفة الوقوف، وتجويد الحروف.
وروى عن ابن عمر -﵄- أنه قال: لقد عشنا برهة من دهرنا، وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على النبي -ﷺ- فيتعلم حلالها، وحرامها، وأمرها، وزاجرها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها٢. وقول ابن عمر هنا: لقد عشنا برهة يدل على إجماع الصحابة على ذلك.
وصح عن الشعبي وهو من أئمة التابعين علمًا وفقهًا ومقتدى أنه قال: إذا قرأت: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ فلا تسكت حتى تقرأ: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ
_________________
(١) ١ الوقف: في علم الصرف تختص بحوثه بالجانب الثاني، والفربق بينه وبين الوقف في القراءات أن الأخير مقصور على ما وردت الأسانيد المتواترة، فلا يلزم في كل وقف جائز تصريفيًّا، أن تكون صورته جائزة في القراءات. ٢كتاب القطع والائتناف لأبي جعفر النحاسي تحقيق الدكتور أحمد خطاب العمر -بغداد سنة ١٩٧٨ ص٨٦- ٨٧، وما بعدها والكتاب كله موسوعة توفرت على دراسة مواضع الوقف في القرآن الكريم مستندة إلى معاني الآيات، ومواقع الإعراب.
[ ١٥٩ ]
رَبُّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَام﴾ ١.
بهذا يستبين لنا أهمية هذا الجانب من جوانب الوقف، وأنه يسهم إسهامًا كبيرًا في الترتيل الصحيح للقرآن الكريم.
ولكي يعرف الإنسان التالي للكتاب العزيز أين يقف؟ يجب أن يعرف ما يأتي:
الوقف نوعان: اضطراري، واختياري.
أما الاضطراري فيكون عند انقطاع النفس، وتعذر مواصلة القراءة لسبب من الأسباب الخارجة عن طاقة القارئ، فيقف حيثما اتفق له ولو كان موقفًا قبيحًا أو غير مناسب. حتى إذا استجمع القارئ نفسه وأصل القراءة مبتدئًا البداية المناسبة التي تبرز المعنى الصحيح للآية.
مثاله أنه يضطر القارئ إلى الوقوف عند قوله تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ﴾ فمثل هذا عندما يواصل القراءة يقول: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين﴾، وهو المعروف بالوقف القبيح.
وأما الوقف الاختياري، فله عدة أحكام حسب طبيعة الموقف الذي اختاره القارئ وهي:
١- الوقف التام.
٢- الوقف الكافي.
٣- الوقف الحسن.
٤- الوقف السنة.
١- الوقف التام:
وهو ألا يكون للكلام الذي تقف عليه تعلق بما يعده من ناحية
_________________
(١) ١ النشر ج٢ ص٢٩٨- ٣١.
[ ١٦٠ ]
اللفظ أو المعنى وأكثر ما يكون في رءوس الآيات، وانقضاء القصص.
مثل: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّين﴾، والابتداء بالآية: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ .
ومثل: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾، والابتداء بالآية: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَة﴾ .
وقد يكون الوقف تامًّا قبل انقضاء الآية.
مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّة﴾ وإلى هنا انتهى كلام ملكة سبأ، وتم المعنى.
ويكون الابتداء بعد هذا بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُون﴾ وهو رأس الآية.
وقد يلزم لتمام الوقف أن تأتي بعد نهاية الآية بجزء من الآية التي بعدها، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ، وَلَدَ اللَّهُ﴾ فالوقوف على رأس الآية: "يقولون" لا يكون وقفًا تامًا؛ لأن المعنى لا يتم إلا بإضافة هذا الجزء إليه.
وأحيانًا يكون الوقف تامًا على تفسير أو إعراب، وغير تام على تفسير أو إعراب آخر.
مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه﴾ إلى هنا تم الكلام، وما بعده مستأنف وهو قول عائشة وابن عباس وابن مسعود وغيرهم، ومذهب أبي حنيفة، وقال به من أئمة العربية الفراء والأخفش، وأبو حاتم وسواهم، ومن أئمة القراء: نافع والكسائي ويعقوب. قال عروة: والراسخون في العلم لا يعلمون التأويل، ولكن يقولون: آمنا به.
وهذا الوقف غير تام عند آخرين، والتمام عندهم على
[ ١٦١ ]
﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلِمِ﴾ فهو عندهم معطوف وذهب لهذا الرأي كثير من المفسرين والأصولين كابن الحاجب١.
هذا وتتفاضل درجات التمام في الوقف التام حسب درجات اكتمال المعنى.
٢- الوقوف الكافي:
ويكون الوقف كافيًا إذا كان ما نقف عليه له ارتباط بما بعده في المعنى دون اللفظ، وسمي بذلك للاكتفاء به عما بعده.
وهو كالوقف التام في جواز الوقف عليه والابتداء بما بعده.
ويكثر في رءوس الآي وفي غيرها مثل قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون﴾، ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا﴾ .
وقد تتفاضل درجات الكفاية فالوقف على قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَض﴾ كاف وعلى قوله: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ أكفى منه، ولو وقفت على قوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُون﴾ كان أكفى منهما.
وقد يكون الوقف كافيًا على تفسير أو إعراب، ويكون غير كافٍ على إعراب آخر.
من ذلك قوله تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْر﴾ فالوقف هنا كافٍ إذا جعلت "ما" في العبارة التالية: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْن﴾ نافية، فإن جعلتها موصولة كان الوقف غير كافٍ.
٣- الوقف الحسن:
ويكون الوقف حسنًا إذا كان ما تقف عليه له ارتباط بما بعده لفظًا،
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ج١ ص٣٤٦- ٣٤٧، والنشر ج١ ص٣١٩.
[ ١٦٢ ]
وسمي بذلك لأنه في نفسه حسن ومفيد، لكن لا يجوز الابتداء بما بعده لتعلقه به لفظًا إلا إذا كان رأس آية فإنه يوقف عليه تنفيذًا للسنة كما سنشير لذلك بعد.
ومثاله الوقف على ﴿بِسْمِ اللَّه﴾ وعلى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّه﴾ وعلى ﴿رَبِّ الْعَالَمِين﴾ .
وقد يكون الوقف حسنًا على تقدير، وكافيًا على تقدير آخر، وتامًّا على تقدير ثالث.
وذلك مثل قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِين﴾ يجوز أن يكون حسنًا إذا جعلت: ﴿الّذِينَ يُؤْمِنُون﴾ صفة للمتقين. وإن جعلتها خبر المبتدأ محذوف، أو مفعولًا لفعل محذوف كان كافيًا، وإن جعلته مبتدأ خبره: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِم﴾ كان الوقف تامًّا.
٤- الوقف السنة:
وهو الوقف على رءوس الآيات.
وقد أجازه أكثر القراء، لما ورد عن النبي -ﷺ- فيما ترويه عنه أم سلمة -﵂- أن النبي -ﷺ- كان إذا قرأ قطع قراءته آية آية يقول: ﴿بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم يقف، ثم يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ ثم يقف، ثم يقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ١.
ومن هنا سمي هذا الموقف: الوقف السنة، كما ذهب إلى ذلك بعض القراء.
_________________
(١) ١ رواه أبو داود، والترمذي وأحمد، وهو حديث حسن وسنده صحيح، وراجع النشر ج١ ص٣١٨.
[ ١٦٣ ]
وقال أبو عمرو١: وهو أحب إِلَيَّ.
واختاره البيهقي في شعب الإيمان وغيره من العلماء وقالوا: الأفضل الوقوف على رءوس الأي، وإن تعلقت بما بعده؛ لأن اتباع هدي رسول الله -ﷺ- وسنته أولى٢.
ولا يعني الوقف على رءوس الآية تنفيذًا للسنة أن يبدأ القارئ بما بعدها، فقد يكون البدء موهمًا معنى فاسدًا مثل قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُون﴾ فإذا وقفت على رأس هذه الآية تنفيذًا للسنة وجب عليك عند البداء أن تقول: ﴿لَيَقُولُونَ، وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥١، ١٥٢] .
كما ينبغي أن نعلم أن الوقف على رءوس الآي قد يكون تامًّا، وقد يكون كافيًا، وقد يكون حسنًا.
٥- الوقف اللازم أو الواجب:
هذا نوع من الوقف الاختياري لا يخرج عن دائرة الأنواع السابقة، وقد اختار له بعض علماء القراءات٣ هذا الاسم تعبيرًا عن مزيد استحباب الوقف في هذا الموضع دفعًا لوهم يتسرب إلى الذهن عند الوصل، وليس المراد باللزوم أو الواجب الواجب الفقهي بمعنى أنه يعاقب على تركه.
مثال الوقف اللازم التام: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا
_________________
(١) ١ هو أبو عمرو بن العلاء قارئ البصرة وإمام من أئمة اللغة والنحو. ٢ راجع النشر ج٢ ص٣١٨. ٣ الذي سماه لازمًا هو أبو عبد الله محمد بن طيفور السنجاوندي، وغيره من العلماء سماه "الواجب" راجع النشر ج١ ص٣٢٤.
[ ١٦٤ ]
يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُون﴾ ١ فالوقف على "قولهم"، والاتبداء من "إنا نعلم".
ومثال الوقف اللازم الكافي: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِين﴾ والابتداء بقوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّه﴾ ٢ لئلا: نتوهم أن الحال صفة.
ومثال الوقف اللازم الحسن: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ﴾ والابتداء: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ ٣، لئلا يوهم أنه "إذ" معمولة للفعل "واتل".
٦- الوقف القبيح:
هو الوقف الاضطرابي عندما ينقطع النفس فيضطر القارئ إلى أن يقف موقفًا لا يفيد أو يفسد المعنى ولا يتأتى هذا الموقف في حالة الاختيار وإلا أثم القارئ.
ومن أمثلة الوقف على ﴿بِسْمِ﴾ أو ﴿الْحَمْد﴾ .
وتتفاوت درجات القبح فالوقف على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ﴾ ٤، قبيح جدًّا لما يترتب عليه من فساد المعنى، وأن الأبوين يشتركان مع البنت في نصف التركة.
ومثل الوقف على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى﴾ ٥؛ إذ يترتب عليه محال وهو أن الموتى يستجيبون مع الذين يسمعون وليس الأمر كذلك.
_________________
(١) ١ سورة يس: ٧٦. ٢ سورة البقرة: ٩. ٣ سورة المائدة: ٢٧. ٤ سورة النساء: ١١. ٥ سورة الأنعام: ٣٦.
[ ١٦٥ ]
وأقبح منهما الوقف على قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْي﴾ ١، لما يترتب عليه من سوء الأدب ونسبة ما لا يليق لله ﷾.
ومما ينبغي لنا أن نعلمه من اصطلاحات القراء أنهم إذا قالوا: لا يوقف على كذا، معناه أنه لا يبتدأ بما بعده، فحيثما يجوز الوقف يجوز الابتداء.
"موقف أئمة القراء من مواضع الوقف والابتداء":
نافع قارئ المدينة كان منهجه أن يتخير محاسن الوقف والابتداء بحسب المعنى.
وابن كثير كما روى عنه أبو الفضل الرازي كان يراعي الوقف على رءوس الأي مطلقًا، ولا يعتمد في أوساط الآي وقفًا إلا في مواطن ثلاثة: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه﴾ ٢، ﴿مَا يُشْعِرُكُم﴾ ٣، ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَر﴾ ٤، ومعنى هذا أنه كان يلتزم السنة في الوقف على آخر كل آية مضيفًا إليها هذه المواطن الثلاثة من الأوساط حتى إنه ذكر أنه لا يبالي بعده هذه الثلاثة: أين يقف، بمعنى أنه لا يقف في غيرها إلا اضطرارًا.
وعمرو بن العلاء كان يتعمد الوقف على رءوس الأي ويقول هو أحب إِلَيَّ.
وأما عاصم فقد روى عنه أبو الفضل الرازي أنه كان يراعي حسن الابتداء.
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٢٦. ٢ سورة آل عمران: ٧. ٣ سورة الأنعام: ١٠٩. ٤ سورة النحل: ١٠٣.
[ ١٦٦ ]
وذكر الخزاعي أنه عاصمًا والكسائي كانا يطلبان الوقف حيث يتم الكلام.
واتفقت الرواة عن حمزة أنه كان يقف عند انقطاع النفس، وعللوا ذلك بأن قراءته تعتمد على التحقيق والمد الطويل، ولكن ابن الجزري يعلل ذلك بأن القرآن عند كالسورة الواحدة، فلم يكن يتعمد وقفًا معينًا١.
وبقية القراء يراعون الحسن في الوقف والابتداء، كما حكى عنهم الإمامان: أبو الفضل الخزاعي، وأبو الفضل الرازي.
الوقف المتكلف:
قد يتجه بعض القراء أو المعربين، أو أصحاب الأهواء إلى تكلف أنواع من الوقف والابتداء من شأنها أن تخرج معنى الآية عن مساره الصحيح إلى معنى آخر قد يكون مقبولًا لكنه غير مراد، ولا يساير السياق.
وهذا اتجاه خاطئ في تلاوة الكتاب العزيز إن لم يكن تحريفًا للكلم عن مواضعه٢، ومحاولة ضالة، وضارة بالمعاني السامية التي تحملها الآيات الحكيمة.
من أمثلة هذه الوقوف المتكلفة.
الوقوف عند قوله تعالى: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْت﴾ والابتداء
_________________
(١) ١ النشر ج٢ ص ٣٣٢، وهو الذي اعتمدنا عليه في بيان مواقف أئمة القراء من الوقف. ٢ النشر ج١ ص٣٢٤.
[ ١٦٧ ]
بقوله: ﴿مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا﴾ ١، على معنى النداء.
الوقف عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُون﴾ ثم الابتداء بقوله: ﴿بِاللهِ إِنْ أَرَدْنَا﴾ ٢، على معنى القسم.
الوقف عند قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ﴾ ثم الابتداء بقوله: ﴿عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ٣، على أن، الجار والمجرور، خبر.
الوقف عند قوله تعالى: ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى﴾ ثم الابتداء بقوله ﴿سَلْسَبِيلًا﴾ ٤، ويكون المعنى عينًا فيها مسماه، واسأل طريقًا موصلة إليها.
ومثل هذا التكلف كثير يأباه سياق الكتاب العزيز.
تعانق الوقف "المراقبة":
قد يجيز بعض القراء الوقف على حرف، ويجيز آخرون الوقف على حرف آخر، ويكون بين الوقفين مراقبة على التضاد، فإذا وقفت على أحدهما امتنع الوقف على الآخر.
مثال ذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيه﴾ ٥، فمن أجاز الوقف على "لا ريب" لا يجيزه على "فيه" والذي يجيزه على لفظ "فيه" يمنع الوقف على "لا ريب".
ومثله أيضًا: من أجاز الوقف على ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه﴾ يمنعه على٦، ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم﴾ ومن أجازه على ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم﴾ يمنعه على ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه﴾ .
_________________
(١) ١ البقرة: ٢٨٦. ٢ النساء: ٦٢. ٣ البقرة: ١٥٨. ٤ الأنساب/ ١٨. ٥ البقرة: ٢. ٦ آل عمران: ٧.
[ ١٦٨ ]
يقول ابن الجزري: وما بين هذين الوقفين يسمى "مراقبة"، وأول من نبه على "المراقبة" في الوقف الإمام الفضل الرازي أخذه من المراقبة في العروض١.
الوقف والقطع والسكت:
أما الوقف فقد عرفنا أنه عبارة عن قطع الصوت زمنًا يتنفس فيه عادة بنية استئناف القراءة.
وأما القطع فهو قطع القراءة رأسًا، فكأن القارئ أعرض عن القراء لعمل آخر، والقطع لا يكون إلا على رءوس الآيات كما اشترط ذلك وسار عليه جمهور القراء.
روى عن ابن أبي الهذيل، وهو تابعي مشهور أنهم كانوا يكرهون أن يقرءوا بعض الآية ويدعوا بعضها"٢، وهذا قول عام يشمل القراءة في الصلاة أو خارجها، وقوله: "كانوا" يشير إلى أن يحكي أعمال الصحابة.
وأما السكت: فهو عبارة عن قطع الصوت زمنًا، هو دون زمن الوقف عادة دون الوقف.
وفي رواية حفص عن عاصم -كما جاء في الشاطبية وشروحها يحسن السكت في المواضع التالية من الكتاب العزيز:
قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ
_________________
(١) ١ النشر ج٢ ص٣٣١. ٢ النشر ج٢ ص٣٣٣.
[ ١٦٩ ]
يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ ١.
قوله تعالى: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ٢.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِي، وَقِيلَ مَنْ﴾ ٣.
قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَل﴾ ٤.
هذا "والسكت" مقيد بالسماع والنقل، فلا يجوز إلا فيما صحت الرواية به، ويكون ذلك مراعاة للمعنى، أو تحقيقًا لغرض معين، أو دفعًا لشبهة تعرض في حالة عدم السكت.
وذهب ابن سعدان فيما حكاه عن أبي عمرو، وأبي بكر بن مجاهد فيما حكاه عنه أبو الفضل الخزاعي إلى أنه جائز في رءوس الأي مطلقًا، حالة الوصل لقصد البيان.
وحمل بعضهم الحديث الوارد على ذلك٥.
سكت حمزة.
وكان حمزة يسكت على كل ساكن بعده همزة من كلمة أخرى سكتة خفيفة يريد بذلك التجويد والتحقيق وتبين الهمزة لا الوقف٦ نحو: "قد أفلح، من آمن، عذاب أليم، عليهم أأنذرتهم، جديد أفترى، خلوا إلى"، فإذا كان الساكن حرف مد نحو: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ لم يسكت، وكذلك
_________________
(١) ١ الكهف: ١. ٢ سورة يس: ٥٢. ٣ سورة القيامة: ٢٧. ٤ سورة المطففين: ١٤. ٥ النشر ج٢ ص٣٣٧. ٦ الإقناع ج١ ص٤٨٢، وقد أشار فيه ابن الباذش إلى أنه قرأ بالسكت على أبيه وعلى غيره من طريق أبي عمرو، ومن طريق خلف وحده.
[ ١٧٠ ]
إن كان الساكن مع الهمزة في كلمة نحو: "ينأون، يجأرون" وفي المسألة تفصيلات أخرى١.
كيف تقف؟:
وهذا هو الجانب الثاني من جانبي الوقف.
توفر علماء التصريف على دراسة الوقف، والوجوه التي يأتي عليها، كما عرفها اللسان العربي، ومنها السكون المجرد، والروم٢، والإشمام٣، وإبدال الألف في المنصوب المنون، وإبدال تاء التأنيث هاء، ونحوها من الظواهر التصريفية والصوتية٤.
وليس كل ما جاز في العربية جاز في القراءات؛ لأن القراءات بجانب موافقتها لقواعد اللسان العربي الفصيح الذي نزل به الكتاب العزيز هي سنة متبعة، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك.
ومهمتنا هنا أن نبرز ما ورد من هذه الوجوه في القراءات.
الوقف على المرفوع والمجرور.
روى أبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف عن أبي جعفر الوقف بالروم، وذلك في نحو "الدينِ"، "نستعينُ" ونحو ذلك.
وقرأ الباقون بالسكون٥.
_________________
(١) ١ راجع الإقناع ج١ ص ٤٨٢ وما بعدها، والنشر ج١ ص٣٣٢ وما بعدها ط محيش. ٢ الروم: الإتيان بالحركة خفية، حرصًا على بيان الحركة التي تحرك بها آخر الكلمة في الوصل. ٣ والإشمام: تصوير الفم عند حذف الحركة بالصورة التي يكون عليها حين التلفظ بها من غير صوت "النشر ج٢ ص٢٨١ - الكشف ج١ ص١٢٢- الشافية ج٢- ص٢٧٥. ٤ راجع شرح الشافية ص٢٧١ وما بعدها. ٥ راجع إرشاد المبتدئ ص١٠٠، وما بعدها، والنشر ج٢ ص ٢٨٣، والإتحاف ص١٠٠- ١٠٢.
[ ١٧١ ]
الوقف على تاء التأنيث.
تقلب تاء التأنيث في الوقف هاء.
وكان الكسائي يقف على ما قبل تاء التأنيث المنقلبة هاء في الوقت بالإمالة عند خمسة عشر حرفًا يجمعها قولهم: فجثت زينب لذود شمس، مثل الفاء في: "خليفة"، "مصفوفة"، والجيم في: "زجاجة"، "درجة"، ونحوها.
وبميل الكاف إذا كان قبلها ياء نحو: "الأيكة"، أو كسرة نحو، "ضاحكة"، "مشركة".
وبميل الراء إذا كان قبلها كسرة مثل: "ناظرة"، "فاخرة" أو ساكن نحو: "سدرة، عبرة" واستثنى "فطرة"١ فلم يملها٢.
ويبدو حرص الكسائي على الإمالة واختياره لها؛ لأن رآها موافقة لخصائص العربية، قيل للكسائي: إنك تميل ما قبل هاء التأنيث، فقال: هذا طباع العربية٣.
الوقف على المهموز.
تفرد حمزة بتخفيف كل همزة متوسطة، أو متطرفة عند الوقف ووافقه هشام٤ على تخفيف المتطرفة خاصة.
وحقق ذلك سائر القراء غيرهما في الوقف كالوصل.
وإذا وقعت الهمزة بعد حرف زائد لا بغير الكلام حذفه لم
_________________
(١) ١ جزء من الآية ٣٠ من سورة الروم. ٢ راجع: رشاد المبتدئ ص١٠٠ وما بعدها. ٣ النشر ج٢ ص٢٣٥. ٤ هو هشام بن عمار، من الرواة عن ابن عامر، عالم أهل دمشق، وخطيبهم ومقرئهم توفي سنة ٢٤٥- معرفة القراء الكبار ج١ ص١٦٠.
[ ١٧٢ ]
تخفف١ نحو: "فإن، لأن، فبأي، والآخرة"٢.
أما طريقة حمزة في تخفيف الهمزة عند الوقف فقد فصلها أبو العز الواسطي القلانسي في كتابه الإرشاد٣. وكذلك ابن الباذش في الإقناع، ومكي في الكشف.
ويناقش مكي علة تخفيف الهمزة، ويذكر ثقلها، وبعد مخرجها، وتصرف العرب من تغيير لفظها.
أما تخصيص التخفيف بالوقف دون الوصل فعلته "أن القارئ لا يقف إلا وقد وهنت قوة لفظه وصوته فيما قرأ قبل وقفه، والهمزة حرف صعب اللفظ به، فلما كان الوقف يضعف فيه صوت القارئ بغير همز، كان فيما فيه همز أضعف، فخفف الهمزة في الوقوف للحاجة إلى التسهيل، والتخفيف على القارئ، مع أنها لغة للعرب، ومع نقله ذلك من أئمته٤.
أما عامة القراء الذين اتجهوا إلى تحقيق الهمزة في الوقف متوسطة أو متطرفة فحجتهم أنهم أتوا بالهمزة على أصل الكلام، وأنه وافق بين الوصل والوقف، وأنه إجماع من القراء غير حمزة، وأن التخفيف يحتاج إلى معاناة شديدة٥.
وقد ألف أبو محمد مكي بن أبي طالب كتابًا مفردًا في تخفيف الهمزة المتطرفة لحمزة وهشام، وذكر أمثلته وعلله، كما ذكر صور تخفيف الهمزة متوسطة ومتطرفة وعلل ذلك في كتابه الكشف عن وجوه القراءات السبع٦.
_________________
(١) ١ الكشف لمكي بن أبي طالب ج١ ص٩٥. ٢ هذه الحروف بالترتيب "البقرة: ٢٤، الرحمن: ١٣، الأعراف: ١٨٥، البقرة: ٤". ٣ قال القلانس: كان حمزة يلين الهمزة في الوقف إذا سكنت، ويقلبها إذا انضم ما قبلها واوًا، وإذا انكسر ياء، وإذا انفتح ألفًا، مثل: "المؤمنون، ذئب، اقرأ، من يشاء"، ونحو ذلك وإن تحركت بالفتح منونة جعلت بين بين. إلخ راجع إرشاد المبتدئ، تحقيق عمر الكبيس، رسالة مخطوطة بكلية اللغة العربية بإشرافنا. ٤ الكشف ج١ ص٩٥. ٥ المرجع السابق ص٩٨. ٦ راجع الكشف من ص١٠٠ إلى ص١١٨.
[ ١٧٣ ]