كيف نشأ علم القراءات:
منذ تلقى الرسول ﵊ القرآن من لدن حكيم خبير كان يقرأ ما أنزل عليه لأصحابه والصحابة يلتزمون تلاوة الرسول ﵊ وأداءه، وكانت تلاوته بحروف شتى، فمنهم من أخذ القرآن عنه بحرف واحد، ومنهم من أخذ عنه بحرفين، ومنهم من زاد على ذلك حتى تفرقوا بعد ذلك في الأمصار، وهم على هذا الحال، يقرءون القرآن بما سمعوه من رسول الله -ﷺ- بحروفه المختلفة.
وأدرك بعض الصحابة شيئًا من هذا الاختلاف، وسألوا فيه رسول الله -ﷺ- فكان يجيز ما سمع من قراءات.
من ذلك ما رواه البخاري في صحيحه من أن عمر بن الخطاب لبَّبَ هشام بن حكيم لما سمعه يقرأ سورة الفرقان على حروف لم يقرئها الرسول لعمر، فقاده إلى الرسول، فلما سمع من هشام قال: "كذلك أنزلت" ولما سمعها من عمر. قال: "كذلك أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه" ١.
وكان تفرق الصحابة في الأمصار إبان الفتوح الإسلامية سببًا في كثرة الاختلاف في وجوه القراءات التي تعددت وكثرت حتى أحس الغُيُر من الصحابة أن هذا الاختلاف في حاجة إلى ضبط فرفعوا الأمر للخليفة عثمان بن عفان ﵁، فكتب مصاحفه التي وزعت على الأمصار، وأجمع الصحابة على عدم الاعتداد بما سواها، كما سنفصل ذلك بعد.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري ج٦ ص٢٢٧ الطبعة الشعبية.
[ ٣١ ]
انحصرت وجوه القراءات بعد هذا فيما تواتر موافقًا للرسم العثماني، إلا أنه ظهرت قراءات لم يتوافر لها السند القوي، واكتفى أصحابها بموافقة الرسم "فصار أهل البدع والأهواء يقرءون بما لا يحل تلاوته وفاقًا لبدعتهم"١ فكان لا بد من إجراء آخر تصدى له أهل الخبرة والدراية والبصر بهذا الفن، وهو اختيار أئمة ثقات من مختلف الأمصار تكون قراءتهم قدوة لمن سواهم، وكان رائد هذا الاتجاه ابن مجاهد في كتابه "السبعة".
ثم جاء من أضاف ثلاثة قراء آخرين فصاروا عشرة، وأصبحوا هم الذين تنتهي إليهم القراءات الصحيحة التي توافرت لها شروط القبول. وارتضاها الإجماع٢.
متى بدأ نزول القراءات:
بلا ريب نزل القرآن الكريم بحروفه المتعددة من عند رب العالمين.
وحروف القرآن المتنوعة سببها التيسير على الأمة التي تختلف لغات قبائلها.
وهذا الأمر لم يظهر إلا بعد هجرة النبي -ﷺ- ودخول القبائل المختلفة في رحاب الإسلام.
فهل نزلت الحروف المختلفة في مكة أو المدينة؟
_________________
(١) ١ اتحاف فضلاء البشر في قراءات الأربعة عشر للدمياطي ص٦. ٢ وهذا لا يعني أن كل قراءة عدا العشرة غير صحيحة، بل هناك قراءة صحيحة السند، وخالفت رسم المصحف ولم يعتد بها، تنفيذًا لإجماع الصحابة على الالتزام بالرسم العثماني.
[ ٣٢ ]
اتجه بعض الباحثين إلى أن القراءات نزلت بمكة مع بداية نزول القرآن الكريم؛ لأن معظم سور القرآن مكية، وفيها من القراءات ما في السور المدنية١.
ويرى آخرون أنها نزلت بالمدينة؛ لأن سببها وهو التيسير لم تظهر الحاجة إليه إلا في المدينة حيث تعددت قبائل المسلمين.
وقد يستشهد أصحاب هذا الرأي بما رواه مسلم في صحيحه، وابن جرير الطبري في تفسيره، عن أبي بن كعب ﵁ أن النبي -ﷺ- كان عند "أضاة بني غفار" فأتاه جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف، فقال: "أسأل الله معافاته ومغفرته وأن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك على حرفين، فقال: "أسأل الله معافته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك على ثلاثة أحرف قال: "أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك على سبعة أحرف فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا٢.
فيبدو من هذا الحديث أن النبي -ﷺ- صرح له أن يقرأ بالحروف المختلفة في الفترة المدنية بعد أن دخل في الإسلام قبائل شتى ذات لغات مختلفة؛ ولأن الحديث ذكر "أضاة بني غفار" وهي ماء قريب من المدينة٣.
_________________
(١) ١ في رحاب القرآن د. محمد سالم محيسن ج١ ص٢٣٣ وما بعدها. ٢ صحيح مسلم ج١ ص١٠٣ طـ عيسى الحلبي القاهرة. ٣ التعريف بالقرآن والحديث الدكتور محمد الزفزاف ص٣٨ طـ دار الكتب العلمية بيروت. وهذا الاستشهاد في تقديري غير دقيق؛ لأن أضاة بني غفار، كما جاء في معجم البلدان لياقوت: موضع على عشرة أميال من مكة، وهو غدير أو مسيل ماء، وإن كنت لا أشك في أن الواقعة حدثت بعد الهجرة.
[ ٣٣ ]
والخلاف في تقديري نظري؛ لأن القرآن الكريم المكي منه والمدني نزل بحروفه المختلفة التي يسرها الله للذكر، غير أن الحاجة لم تظهر لاستخدامها في مكة، وأصبحت ملحة بعد الهجرة والحديث الشريف ليس فيه ما يقطع بأن الحروف تنزل لأول مرة بل كل ما فيه هو الإذن باستخدامها؛ ولأن السور المكية فيها الحروف المختلفة التي في السور المدنية، بدليل أن أول خلاف نشأ بين الصحابة وهو خلاف عمر بن الخطاب، وهشام بن حكيم كان حول سورة الفرقان وهي مكية.
التدوين في علم القراءات:
على امتداد القرنين الأول والثاني تعددت القراءات وانتشر القراء في الأمصار الإسلامية، ثم أحكمت حركة القراءة والإقراء -كما بينا- في العالم على مرحلتين:
أ- مرحلة نسخ المصاحف العثمانية.
ب- ثم مرحلة التسبيع التي تعني اختيار أئمة مشهورين يرجع إليهم، وهي المرحلة التي قادها ابن مجاهد وأصبح الأمر بعد هذا مهيئًا للتدوين في هذا العلم.
وأكبر الظن أن بداية التدوين في القراءات كانت مع القرن الثالث.
ويتجه الباحثون إلى أن أول إمام يعتد به دون في هذا العلم هو الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام، المتوفى سنة ٢٢٤هـ، حيث جمع فيه قراءة خمسة وعشرين قارئًا. قال ابن الجزري: لما كانت المائة الثالثة، واتسع الخرق، وقل الضبط، وكان علم الكتاب، والسنة أوفر ما كان في ذلك العصر. تصدى بعض الأئمة لضبط ما رواه من القراءة، فكان أول إمام معتبر جمع القراءات في كتاب واحد أبو عبيد القاسم بن سلام،
[ ٣٤ ]
وجعلهم فيما أحسب خمسة وعشرين قارئًا مع هؤلاء السبعة١.
ويذهب حاجي خليفة في كشف الظنون إلى أن أول من نظم كتابًا في القراءات السبع هو: الحسين بن عثمان بن ثابت البغدادي الضرير، المتوفى سنة ٣٧٨ هـ٢.
وما ذهب إليه صاحب كشف الظنون بعيد عما قرره المحققون من المؤرخين إلا إذا كان في حسابه أنه يعني أول من دون في القراءات نظمًا.
ويرى بعض الباحثين المعاصرين أن أولية التدوين في القراءات ترجع إلى يحيى بن يعمر المتوفى سنة ٩٠ هـ٣.
وفي هذا الاتجاه جانب كبير من المبالغة؛ وذلك لأمور.
منها أن القرن الأول لم يكن عصر تأليف في أي فرع من فروع المعرفة، وإنما كان عصر رواية.
وأنه إذا وجد في أحد المراجع أن يحيى بن يعمر كتب في القراءات فليس معنى هذا أنه دون مؤلفًا يعتد به٤، وهذا لا يقدح في مكانته العلمية وإسهامه في خدمة القرآن الكريم.
ونخلص من هذا إلى أن ابن سلام -كما قال صاحب النشر- أول
_________________
(١) ١ النشر ج١ ص٣٤ ط القاهرة. ٢ كشف الظنون ج٢ ص١٣١٧. ٣ ذهب إلى هذا الرأي الأستاذ فؤاد سزكين في "تاريخ التراث العربي". قسم القراءات ج١ ص٩ والدكتور عبد الهادي الفضلي القراءات القرآنية -تاريخ وتعريف ص٢٧. ٤ ذكر ابن النديم في الفهرست من بين كتب القراءات: كتاب القراءات لأبي عمرو بن العلاء وهو أحد القراء السبعة ت١٥٤هـ والرأي فيه لا يتعدى ما ذكرته في أولية: يحيى بن يعمر.
[ ٣٥ ]
إمام معتبر جمع القراءات في كتاب.
وقد بلغ عدد ما ألف في القراءات حتى تسبيع ابن مجاهد نحو أربعين مؤلفًا منهم من اقتصر على قراءة واحدة ومنهم من تناول أكثر ومن هذه المؤلفات: كتاب القراءات لخلف بن هشام البزار، وكتاب القراءات لابن سعدان، وكتاب القراءات لأبي حاتم السجستاني، وكتاب القراءات لثعلب، وكتاب القراءات لابن قتيبة١.
ثم اتسعت حركة التأليف والتدوين في القراءات:
فكتب ابن مجاهد كتابه السبعة، وله كتاب القراءات الكبير وكتاب القراءات٢ الصغير، وكتب إسماعيل بن إسحاق المالكي المتوفى سنة ٣١٠ هـ كتابًا في القراءات سماه "الجامع" جمع فيه عددًا من القراءات٣.
وممن ألف في القراءات أحمد بن جبير المتوفى سنة ٣٥٨ هـ ألف كتابًا ضمنه قراءة أئمة الأمصار الخمسة: مكة والمدينة، والبصرة، والكوفة والشام٤.
ومنهم الإمام محمد بن أحمد الداجوني المتوفى سنة ٣٣٤ ألف كتابًا سماه "القراءات الثمانية".
جمع فيه قراءات الأئمة السبعة، وأضاف إليهم قراءة أبي جعفر٥.
_________________
(١) ١ راجع الفهرست ص٥٣. ٢ الفهرست ص٥٣. ٣ النشر ج١ ص٣٤. ٤ طبقات القراء ج١ ص٤٢. ٥ غاية النهاية ج٢ ص٧٧.
[ ٣٦ ]
وعلى هذا النحو تتابع التأليف في القراءات وتكاثر ما بين منظوم ومنثور، ومطول ومختصر.
كما تنوعت اتجاهاته، فهناك مؤلفات في القراءات وأسانيدها، والأصول والفرش.
وهناك مؤلفات في طبقات الفراء.
وهناك مؤلفات في الاحتجاج للقراءات سأشير إليها في حديثي عن مكانة علم القراءات، والعلوم التي تندرج تحته.
ومن أراد أن يتتبع مؤلفات القراءات منذ بدايتها حتى القرون الأخيرة فعليه بالمراجع التالية.
الفهرست لابن النديم.
وفيات الأعيان لابن خلكان.
الوافي بالوفيات للصفدي.
بغية الوعاة للسيوطي.
معرفة القراء الكبار على الطبقات والأمصار -للإمام الذهبي- ت محمد سيد جاد الحق.
غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري.
من كتب القراءات المطبوعة:
١- الإبانة عن معاني القراءات.
تأليف مكي بن أبي طالب القيسي ت سنة ٤٣٧ ص دار المأمون للتراث دمش تحقيق د. محيي الدين رمضان وهناك طبعة أخرى دار نهضة مصر تحقيق د. عبد الفتاح شلبي.
٢- الإقناع في القراءات لابن الباذش.
نشر مركز البحث العلمي -جامعة أم القرى- مكة ت د. عبد المجيد قطامش.
[ ٣٧ ]
٣- إبراز المعاني من حرز الأماني شرح على الشاطبية تأليف عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي - الشهير "بأبو شامة" ت سنة ٦٦٥هـ طبع القاهرة.
٤- إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر تأليف أحمد بن محمد الدمياطي.
طبع مكتبة المشهد الحسيني بالقاهرة.
٥- تحبير التيسير في القراءات العشر من طريق الشاطبية والدرة -تأليف الإمام محمد بن محمد الجزري المتوفى سنة ٨٣٢هـ طبع القاهرة.
٦- التيسير في القراءات السبع -تأليف الإمام أبي عمرو الداني المتوفى ٤٤٤هـ طبع استانبول سنة ١٩٣٠م.
٧- الحجة في القراءات السبع تأليف الحسين بن أحمد بن خالويه المتوفى سنة ٣٧٠هـ طبع دمشق.
٨- الحجة في علل القراءات السبع تأليف الحسن بن أحمد، الشهر بأبي علي الفارسي المتوفى سنة ٣٧٧هـ -الهيئة القومية للكتاب- صدر منه جزءان.
٩- حجة القراءات للإمام أبي زرعة ت سعيد الأفغاني الطبعة الأولى -جامعة بنغازي ١٩٧٤.
١٠- سراج القارئ المبتدي وتذكرة القارئ المنتهي -شرح علي الشاطبية.
تأليف أبي القاسم علي بن عثمان الشهير بابن القاصح المتوفى سنة ٨٠١- طبع القاهرة.
[ ٣٨ ]
١١- طيبة النشر في القراءات العشر -نظم- تأليف الإمام ابن الجزري طبع القاهرة.
١٢- غيث النفع في القراءات السبع -تأليف الشيخ على النوري الصفاقسي "طبع بالقاهرة على هامش سراج القارئ".
١٣- كتاب السبعة لابن مجاهد ٣٢٤هـ دار المعارف تحقيق شوقي ضيف.
١٤- الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها -تأليف الإمام مكي بن أبي طالب القيسي ت سنة ٤٣٧هـ. ط دمشق تحقيق د. محيي رمضان.
١٥- كنز المعاني في شرح حرز الأماني تأليف الإمام محمد بن أحمد، الشهير بشعلة -المتوفى سنة ٦٥٦هـ طبع القاهرة.
١٦- حرز الأماني ووجه التهاني نظم في القراءات السبع للإمام الشاطبي المتوفى سنة ٥٤٨هـ طبع القاهرة.
١٧- المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات تأليف أبي الفتح ابن جني ٣٩٢هـ نشر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية -القاهرة.
١٨- مختصر شواذ القراءات تأليف الإمام ابن خالويه طبع بالقاهرة.
١٩- النشر في القراءات العشر -تأليف الإمام ابن الجزري- القاهرة.
٢٠- لطائف الإشارات لفنون القراءات للقسطلاني ت عبد الصبور شاهين، والشيخ عامر السيد عثمان طـ القاهرة.
٢١- غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري ط الحلبي بالقاهرة الطبعة الأولى ١٣٥٢هـ.
هذه طائفة من أشهر كتب التراث التي أخرجتها المطابع في ميدان القراءات وللباحثين المعاصرين بحوث ودراسات جيدة تتصل بالقراءات في ميادينها المختلفة وهي في متناول الباحث، وقد وعتها فهارس دور النشر، والمكتبات العامة.
[ ٣٩ ]