الحديث عن الراءات واللامات عند القراء بين التفخيم والترقيق يتصل بالإمالة؛ ذلك لأن ترقيق الراء فيه إمالة محدودة نحو الكسر يبدو ذلك من قول مكي: واعلم أن الترقيق في الراء إمالة نحو الكسر، ولكنها إمالة ضعيفة لانفرادها في حرف واحد؛ لأن الإمالة القوية ما كانت في حرفين، وأقوى منها ما كان في ثلاثة أحرف أو أربعة١.
التفخيم والترقيق.
التفخيم ويسمى أحيانًا: الفتح هو: تضخيم المدى الصوتي للحرف وتسمينه، والتفخيم والتغليظ سواء إلا أنهم استعملوا التفخيم مع الراء، والتغليظ مع اللام.
وأما الترقيق فهو مقابل لهما، وهو من الرقة التي هي ضد السمن،
_________________
(١) ١ الكشف ج١ ص٢٠٩.
[ ٢٢١ ]
وهو عبارة عن إنحاف ذات الحرف وذبوله.
أحكام الراءات:
الأصل في الراءات التفخيم والتغليظ، وقد ترقق في حالات معينة.
وهو على ضربين: ضرب متفق عليه، وضرب مختلف فيه والمتفق عليه ثلاثة أقسام:
قسم أجمع القراء على تفخيمه.
وقسم أجمعوا على ترقيقه.
وقسم أجازوا فيه الوجهين.
١- ما أجمعوا على تفخيمه.
أ- كل راء مفتوحة أو مضمومة وقبلها فتحة أو ضمة أو كسرة عارضة، أو ساكن قبله أحد هذه الثلاث أو كان بعدها حرف استعلاء١، أو راء أخرى في كلمة بينهما ألف فتفخم الراء في هذه الأحوال كلها متوسطة أو متطرفة، منونة أو غير منونة، مشددة أو مخففة وأمثلتها: ربك، يردون، ذكروا، اليسر، العسر، غفور، شكور، لربهم.
ب- كل راء مفتوحة قبلها كسرة لازمة، وبعدها ضاد أو طاء بأي حركة محركًا، أو راء مفتوحة أو مضمومة بينهما ألف، أو كان الاسم أعجميًا.
وأمثلة ذلك: إعراضًا، صراط، الفرار، فرارًا، إسرائيل، عمران، إبراهيم.
ج- كل راء مفتوحة وقعت بعد ساكن هو صاد أو طاء أو قاف.
_________________
(١) ١ حروف الاستعلاء جمعت في قولهم: "خص، ضغط، قظ".
[ ٢٢٢ ]
وقد وقعت هذه في سبع كلمات من الكتاب العزيز.
﴿إِصْرَهُم﴾ [الأعراف: ١٥٧] و﴿مِصْر﴾ في أربعة مواضع: [يونس: ٨٧] و[يوسف: ٢١، ٩٩]، و[الزخرف: ٥١]، و﴿فِطْرَةَ اللَّه﴾ ١ [الروم: ٣٠]، و﴿قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦]، و﴿مِصْرًا﴾ [البقرة: ٦١] ﴿إِصْرًا﴾ [البقرة: ٢٨٦] و﴿وِقْرًا﴾ [الذاريات: ٢] .
وهنا يبدو أن القراء لم يحفلوا بالكسر في هذه الكلمات السبع وذلك لسبب صوتي هو وجود الحرف المستعلي.
د- كل راء ساكنة قبلها فتحة أوضمة أو كسرة عارضة، أو كانت الكسرة لازمة وبعد الراء حرف استعلاء مفتوح.
وأمثلة ذلك: مرجعكم، كرسيه، أم ارتابوا، إرصادًا، مرصادًا، فرقة، قرطاس.
١- ما أجمعوا على ترقيقه.
أ- كل راء مكسورة كسرة عارضة أو لازمة مثل: فريق، الحريق، رئاء، نكر، نهر.
ب- كل راء ساكنة، وما قبلها مكسور كسرًا لازمًا وليس بعدها حرف استعلاء مثل: مريه، شرعة، فرعون، الإربة، فرق.
٣- ما أجازوا فيه الوجهين.
كل راء ساكنة بعدها ياء مفتوحة نحو: "مريم، قرية، من قريتنا، من قريتكم".
_________________
(١) ١ في خط المصحف التاء مفتوحة، والتاء المربوطة تكتب في خط المصحف مفتوحة في ١٣ كلمة منها كلمة فطرة.
[ ٢٢٣ ]
من أهل الأداء من ذهب إلى تفخيم هذا النوع مثل أبي بكر الداجوني، وإليه ذهب عثمان بن سعيد الداني، وقال: الياء إذا تحركت بالفتح كسائر الحروف لا توجب إمالة ولا ترقيقًا وخطأ من أخذ بالترقيق١.
وكان أبو محمد مكي والناس الجماء الغفير يأخذون بالترقيق، وعليه أكثر قراء الأندلس.
وذكر الأهوازي أنه على الترقيق وجد أهل البصرة، ومدينة السلام "بغداد"٢.
الضرب المختلف فيه:
ضابطه: كل راء مفتوحة، منونة كانت أو غير منونة قبلها كسرة لازمة، وليس بعدها في الكلمة نفسها صاد ولا طاء ولا ضاد ولا قاف ولا راء أخرى.
فورش يرقق مثل: الآخرة، فاقرة، تبصرة، قاصرات، فاطر، قطران، المدبرات، فراشًا، سراجًا، سراعًا.. إلخ.
واستثنى قوم: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر: ٧] ففخموه، واختار ذلك عثمان بن سعيد٣، وحجته أنه أعجمي، واختار ابن غلبون٤، ترقيقه واستثنى قوم: "حصرت" في الوقف وأكثرهم على الترقيق له.
فأما في الوصل فمنهم من يفخمه ومنهم من يرققه.
_________________
(١) ١ الإقناع، ج١ ص٢٢٨. ٢ المرجع السابق. ٣ هو أبو عمرو الداني القرشي، القرطبي صاحب التيسير ت ٤٤٤هـ. ٤ هو أبو الحسن طاهر بن عبد المنعم بن غلبون، الحلبي، نزيل مصر، شيخ الداني، ومؤلف كتاب التذكرة في القراءات الثمان ت٣٩٩.
[ ٢٢٤ ]
وهناك صور أخرى كثيرة من هذا الضرب ارجع إليها في مظانها١.
وفي حالة الوقف:
في حالة الوقف تختلف أحكام الراءات عند القراء من حيث التفخيم والترقيق.
أ- فكل راء في الطرف مفتوحة سبقها كسرة أو ياء متصلين بها أو منفصلين عنها يرققها جميع القراء نحو: "ليغفِرَ، الخيرَ، الطيرَ، الشعرَ، الخنازيرَ، الفقيرَ".
ب- وكل راء في الطرف مفتوحة قبلها فتحة أو ضمة متصلتان بها أو منفصلتان عنها، فالوقف عليها بالتفخيم كالوصل مثل: "ألم تَرَ، الدبُرَ، الأمورَ، والعسرَ، واليسرَ". وكذلك إن كان قبلها ألف مثل: "إلا النار"٢.
ج- كل راء مضمومة في الطرف منونة أو غير منونة وليها كسرة لازمة أو باء ساكنة فالقراء إلا ورشًا إن وقفوا بالروم فخموا، وإن وقفوا بالسكون أو الإشمام رققوا، وأما ورش فيرقق في الجميع.
وإذا تلا الراء المضمومة ضمة أو فتحة وقفوا بالتفخيم مع السكون والروم والإشمام.
وأمثلة ذلك "تستكثِرُ، مستمِرَ، إلا نذيرٌ" "مُسْتَطَر، النذُرُ".
د- وكل راء مكسورة طرفًا قبلها ياء أو كسرة يقف عليها جميع
_________________
(١) راجع الإقناع ج١ ص٣٢٩ وما بعدها والكشف ج١ ص٢٠٩ وما بعدها. ٢ معنى وليها أتى قبلها مباشرة.
[ ٢٢٥ ]
القراء بالترقيق مع الإسكان والروم نحو: "منهمرٍ، مُسْتَمِرٍّ، من بشيرٍ، ولا نذيرٍ" وإذا كان قبلها فتحة أو ضمة فيقف الجميع عليها بالترقيق مع الروم، وبالتفخيم مع السكون نحو: "مَطَرٍ، وسفَرٍ، ودسُرٍ، ونُكُرٍ"١.
أحكام اللامات:
الأصل في اللام الترقيق.
وقد تفخم أو تغلظ لمشاركتها الراء في المخرج، والراء حرف تفخيم، ولمشاركتها النون في المخرج، والنون حرف غنة.
وتفخم اللام لأمرين: أولهما: التعظيم.
والآخر: حروف الإطباق ليعمل اللسان عملًا واحدًا في التفخيم.
أما الأول فيكون في اللام من لفظ الجلالة مثل: ﴿الله رَبِي﴾، ﴿قَالَ الله﴾، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه﴾ .
فإذا سبقه كسرة رقق لأجل الكسرة: ﴿لله مَا فِي السَّمَواتِ وَالْأَرْضِ﴾، ﴿مِنْ عِنْدِ الله﴾، ﴿فِي سَبِيلِ الله﴾ .
فإن ذهبت الكسرة عدنا للتفخيم.
وقد أجمع القراء على ذلك إلا من شذ٢.
التفخيم لحروف الإطباق.
وتفخم اللام إذا كان قبلها طاء، أو ظاء، أو صاد ما لم تنكسر اللام أو تنضم، أو تنكسر الظاء أو تنضم.
_________________
(١) ١ راجع الإقناع ج١ ص٣٣٥- ٣٣٦ بتصرف. ٢ ذكر ابن الباذش أن أبا بكر بن مقسم كان يأخذ بالترقيق، وأن ذلك مذكور عن أبي عمرو الكسائي ثم أشار إلى أنه يأخذ بالتغليظ. الإقناع ج١ ص٣٣٧- ٣٣٨.
[ ٢٢٦ ]
وقد تفرد بالتفخيم على هذا النحو ورش عن نافع مثل: "ظلموا، ومن أظلم، والصلاة، ومصلى، والطلاق، وطلقتم"، وشبهه.
ورققه باقي القراء.
وتفخيم ورش قائم على أسس صوتية قوية، وذلك أن اللام سبقها حرف مطبق مفخم مستعلٍ، فأراد أن يقرب اللام منه، فيعمل اللسان في التفخيم عملًا واحدًا "وهذا هو معظم مذاهب العرب في مثل هذا، يقربون الحرف من الحرف ليعمل اللسان عملًا واحدًا، ويقربون الحركة من الحركة ليعمل اللسان عملًا واحدًا، وعلى هذا أتت الإمالات في عللها"١.
فإن وقعت الألف بين اللام المفتوحة والصاد نجد بعض القراء يرقق، وبعضهم يفخم، وذلك نحو: "فصالًا"، "يَصَّالحًا٢"، وكذا إذا فصل بين اللام والطاء ألف مثل: "فطالَ"٣.
وإن وقعت اللام المسبوقة بالصاد رأس آية جاز الترقيق والتفخيم؛ لأنه تعارض أصلان: أحدهما يوجب الترقيق وهو كونها رأس آي، والآخر يوجب التفخيم وهو وقوع لام مفتوحة قبلها صاد مفتوحة.
وقد وقعت هذا الموقع في ثلاث آيات من القرآن الكريم: ﴿وَلَا صَلّى﴾ في [القيامة: ٣١]، و﴿فَصَلّى﴾ في [الأعلى: ١٥]، و﴿إِذَا صَلَّى﴾ في [اقرأ: ١٠] .
_________________
(١) ١ الكشف ج١ ص٢١٩. ٢ سورة النساء: ١٢٨ والمذكور في المثال قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وأبي عمرو "السبعة لابن مجاهد ص٢٣٨". ٣ طه: ٨٧: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ﴾، ﴿حَتَّى طَالَ عَلَيْهِم العُمُرُ﴾ [الأنبياء: ٤٤] ﴿فَطَالَ عَلَيْهِم الأَمَدُ﴾ [الحديد: ١٦]، وراجع الإقناع ج١ ص٢٤١، والنشر ج٢ ص١١٣ الضباع.
[ ٢٢٧ ]
فإن انكسرت اللام، أو انضمت، أو سكنت، أو انضمت الطاء، فإن ورشًا يرقق اللام شأنه شأن سائر القراء نحو: "لظلوم، فطلّ، ويصلّون، ومن يظلم، فَظَلَلْتُم، ظُلُمُات، ويصلّي، وفصلناه"١.
وهذه اللام المفخمة عند ورش في الوصل لوقوع حروف الإطباق قبلها إذا وقفت عليها وكانت طرفًا فلك في الوقف عليها وجهان: إن شئت فخمت كما في الوصل، وإن شئت رققت؛ لأنها تصير ساكنة، والساكنة لا تفخم لحرف الإطباق إلا كلمة "صلصال"، ولا يقاس عليها؛ لأن اللام وقعت بين حرفي إطباق٢.
_________________
(١) ١ الكشف ج٢ ص٢٢٠. ٢ المرجع السابق ص٢٢٢.
[ ٢٢٨ ]